الجعاشن، ثم موهرة ثم تقدم إلى أسفل حيدان بمشورة كثير من خولان، فلما وصلها أخلفوه ما وعدوه وأيأسوا من خولان وأراد أن يخرج من النوعة إلى بلاد بني جماعة، ووصلته محطة من صعدة مع الشريف يحيى المؤيدي أبو ست أصابع فهجم عليهم العدو وهم على غير تعبئة فاعتزوا إلى أكمة فوق القرية وتحرفوا للقتال وثبتوا في ذلك المكان ساعة يترامون بالبنادق فغشيهم العدو من ورائهم وكبر عليهم، وقتل منهم ومن أهل [ق/284]تلك القرية زهاء ثمانية أنفار، وتوجه ابن الإمام إلى بني جماعة وقد أجهدهم الجوع والتعب فأمسوا في موضع من شق بلاد بني سويد يسمى ضباعين فقاموا بقراهم واحتفلوا بهم وكانوا أهل محبة للإمام عليه السلام، وكانت يد الأتراك ليست قوية لاشتغالهم بحرب الإمام في كل مكان.

[غزوة المجمعة]
ثم اجتمع ولد الإمام عليه السلام غزو السيد عبد الله بن علي المؤيدي الذي تقدم ذكره في معارضة الإمام وقد أعطاه الأتراك بعض تلك البلاد وهو معتزٍ إليهم فجاءه النذير فهرب ونهبت المجمعة كلها وأراد ابن الإمام يرجع لهم بعض مالهم فلم يقدر عليه من أيدي القوم، ثم انتقل ابن الإمام إلى هجرة قملا وإلى قطابر، وإلى بلاد حاشر، وإلى رغافة وبوصان.

[غزوة رغافة]
ثم إن الأتراك عظم عليهم أمر ابن الإمام فغزوه إلى رغافة، فلما توسطوا في الوادي أطلق عليهم بمن أجابه وحاصرهم خمسة عشر يوماً وقتل منهم جماعة واحتزت رؤوسهم، ثم إن الأتراك جمعوا من صعدة جموعاً كثيرة وخرجوا إليهم وأراد ابن لإمام منعهم من الاتصال بالمحصورين فلم يقو هو وأصحابه على ذلك ووقع حرب عظيم، واستشهد من أصحابه ثلاثة أنفار، وجاءت رسل قطابر يستدعون ابن الإمام إلى بلادهم ويستغيرون به لعداوة بينهم وبين آل نصر وخافوا أنهم يستدعون عليهم الأتراك فوصل ابن الإمام ومن معه إلى قطابر فوجدوا أهلها قد هربوا ولم يجدوا ما يأكله العسكر إلا حباً لا غير، ثم باكرهم العدو صبيحة الليلة التي قدم فيها وأراد ابن الإمام أن يثبت في قطابر فلم يتأت لاختلال أهل البلاد فوقع مناوشة حرب ودخل العدو قطابر فعاد ابن الإمام وأصحابه إلى بني ذؤيب فأصبحوا في موضع يسمى [.......] ثم ساروا إلى بعض بني عباد، ثم اليوم الثالث وليلة الرابع إلى موضع يسمى الكرب من بلاد خولان وهم من بلاد الترك، ثم إلى بني غربان ثم إلى بني ذؤيب، واستقر فيها وساق واجباتها إلى شهارة المحروسة بالله، ثم إن ابن الإمام غزا مرة أخرى إلى بلاد الحقار قوماً من الصوفية، وأخذ بقراً وغنماً، ثم أمنهم بعد ذلك.

[وقعة جبل الرعا]
قال السيد أحمد نفع الله به: وقعة جبل الرعا، وذلك أنه وصل جماعة من أهل الرعا ومشائخهم مستغيرين به ولاجئين إليه لما أفقرتهم دولة الأتراك وأظهروا الخلاف على الأتراك فسار حتى صار في موضع الفواطم وقد وصله بنو ذؤيب [ق/285] للغارة، وجمع الأتراك جموعهم من صعدة ورازح وخولان وصاروا جموعاً كثيرة، وقصدوا جبل الرعا، وكان شيخ من جبل الرعا يسمى الشيخ إبراهيم بن فاضل معارضاً للشيخ الذي عند ابن الإمام فدلهم حتى أوصلهم جبل الرعا فما شعر أصحاب ابن الإمام وهم في المراكز مواجهين العدو إلا والقوم من وراء ظهورهم فانهزموا هزيمة كبيرة، واستشهد منهم زهاء عشرين رجلاً واحتزت رؤوسهم، وأراد ابن الإمام الغارة إليهم بنفسه فما وصلت غارته إلا وقد قضي الأمر ووقع الخراب والنهب في جبل الرعا، وكانت قضية كبيرة امتحن فيها المجاهدون، ثم رجع ابن الإمام إلى بني ذؤيب وبقي فيها مدة.

[رجوع علي ابن الإمام إلى عند والده إلى وادعة]
وذلك أن الترك جمعوا عليه إلى بني ذؤيب محاطاً متكاثفة وجاءوا من طريقين فتأخر عنهم إلى جانب المشرق من بلاد بني غربان وتردد أياماً وغزا إلى خولان وغنم بقراً وغنماً، وكان الملازم له في هذه الحروب كلها السيد الفاضل العلامة جمال الدين علي بن إبراهيم الحيداني وجماعة من إخوته وقرابته، ولما تعب من الفيش وقل الناصر والمدد عاد إلى الإمام إلى بلاد وادعة، وكان بقاء الإمام في بني ذؤيب وما يليها سنتين من شهر رمضان سنة أربع عشرة وألف [يناير 1606م]إلى شهر رجب سنة ستة عشرة وألف [اكتوبر 1607م]، وجمعنا هذه بالمعنى من رواية السيد المذكور نفع الله به لقصد اجتماع الفائدة. انتهى.

[أخبار الإمام في وادعة]
رجعنا إلى أخبار الإمام عليه السلام في وادعة، ثم انعقد الصلح على خروج المذكور أعني الأمير حسن بمن معه من العجم وغيرهم إلى ظفار، ثم ترفق العجم يتصلون بأصحابهم وهو ينحدر إلى الجوف وطلب جمالاً كثيرة تحمل أثقاله من الإمام عليه السلام فطلبها الإمام عليه السلام فحصلت على مشقة للمشاق وقلتها في البلاد، وكان الوقت أيام صريم العنب وهو ثمرة وادعة وهم معظم أهل الجهاد فاغتنم المذكورون الصلح وبادروا إلى صريم أعنابهم، وكان الإمام عليه السلام في قرية الحسفة من بلاد خيار المتصلة بوادعة وبينه وبين دماج ثلاثة أميال أو أكثر، وكان المتطوعة من المهاجرين قليلاً أيضاً لتفرقهم في المراتب فأخبرني الوالد رحمه الله تعالى قال: خرجت أنا والصنو مطهر بن المهدي وفلان من قرابته من عند الإمام عليه السلام وبقي الصنو علي بن المهدي عند الإمام عليه السلام، فلما قربت من جدار عنب بين يدي البلد ورأيت فيها ظلاً فاتكيت أنا ورفيقي لننام [ق/286] في ذلك الظل وفي موضع آخر عبرنا على ما نحن عليه سمعنا حوافر الخيل وقلقلة لجامها والحديد ورقاعات الرجال، وقال مقسماً: ما رجعنا إلى سلاحنا إلا وأول الخيل بيننا وبين الإمام عليه السلام وقد غدر هذا الأمير الشقي، وكان أول الخيل يغتنم الفتك بالإمام عليه السلام ولا غرض لهم غيره فإنهم لو أرادوا لأخذوا من هو خارج البلد حتى لا يتركون أحداً، قال: فملنا إلى آكام صغار وأخذنا نرجم الخيل، قال: فرأيت الإمام يرمي وينتمي ويعرف نفسه، ومن عنده كذلك يدافعون صاحب البندق بالبندق وغيرها يرجم ويضرب، ولقد كان

صاحب الطاسة ابن مطهر من الأهنوم يدافع بيد عن الطاسة لا يأخذونها ويضرب بالأخرى حتى قتل رحمه الله، وفي كل وقت وجنود الحق تكثر الغارات تتصل من وادعة وغيرهم من المراتب، ثم انهزم الظالمون وركنوا إلى الفرار وولوا الأدبار بعد القتال الشديد والدفاع الذي لا عليه مزيد، واسشتهد جماعة، ومن الظالمين الكثير، وذكر كثيرون نفوسهم في ذلك المقام كالسيد الحبر جمال الدين علي بن صلاح العبالي وغيره من الفقهاء القاضي العلامة الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال وابن عمه القاضي العالم علي بن أحمد وغيرهم، فلا زالوا عليهم حتى خيموا عليهم في دماج وأمسوا عليهم، وكان قد اقتطع منهم سبعة أنفار في بيت من بيوت الأعناب فأنزلهم المجاهدون على حكم الإمام فوجد فيهم من عرف أنه القاتل للسيد العلامة الشهيد أحمد بن محمد المحرابي المتقدم ذكره في مسور المنتاب فأمر الإمام بضرب عنقه، قال: فكان الذي أمره بقتلهم لم يسارع فقطع هذا الشقي الرباط ووثب جداراً وأراد النجا والعدو قريب، قال فرأيت الإمام عليه السلام قد امتشق السيف وضربه في الهواء فقطعه نصفين، ثم طعن آخر بالجنبية وقال دونكم فقتلهم من عنده، ثم إنه عليه السلام عرف شرارة الناس وقل صبرهم فجرى الخطاب مرة أخرى على طلوعهم خمر واجتماعهم بمن فيه من العجم والعرب وهم كثيرون، ولما صار إليهم واتفق ما تقدم من خلاف عبد الرحيم عليهم انهزموا من خمر، ثم تقدم مولانا الإمام عليه السلام إلى دماج فهدمه كما تقدم، ولما استقر الإمام عليه السلام في خمر وجهز السرايا إلى جهات شظب وبلاد البون، وكما تقدم من إمداد الحاج شمس

الدين رحمه الله بالشيخ عبد الله الطير ومن معه من بلاد حاشد وبكيل، قال القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين [ق/287]مما نقلته من خطه بلفظه وسمعته منه أيضاً شفاهاً وقد ذكر كثيراً من كرامات الإمام عليه السلام فقال: من ذلك ما أخبرني والدي رحمه الله أنه كان مع الإمام عليه السلام في جهة الظاهر وكان الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رضوان الله عليه مقابلاً لدرويش بينهم وبين الإمام عليه السلام نحو بريد، وكان الإمام عليه السلام مشفقاً على الحاج وأصحابه فأرسل الإمام عليه السلام بريداً بباروت ورصاص وذلك في أول وقت المغرب فخرج البريد إلى خارج البلد ورجع وقال: أخبرني رجل أن الحاج احترب هو والظلمة وهزمهم وقتل منهم قتلاً كثيراً، فأمره الإمام بالعزم فلبثوا إلى الوقت الذي يمكن فيه وصول الرسول ووصل المبشرون يخبرون بما أخبر به، وأنها وقعت الهزيمة في الظلمة والقتل في أول المغرب تلك الليلة في الوقت الذي أخبر فيه ذلك الرجل بعينه فسبحان القادر على ما يشاء، وأخبرني عافاه الله على جهة التظنن أن القصة كانت في دماج فذكرناها عند ذكره وإلا فالقضايا التي لم تكتب أضعاف كما تكرر أن المذكور فيما لم يذكر كما قال حي مولانا السيد العلامة أحمد بن محمد: كنسبة قطرة من مطرة.

ولنعد إلى أخبار شهارة المحروسة بالله قد ذكرنا استيلاء العجم عليها، ثم إنهم جعلوها وبلادها بنظر الأمير عبد الله بن يحيى بن المعافا وفيها رتبة خاصة آغا من العجم وشيخ من العرب من الكلبيين يسمى الشيخ ناصر الأبيض، وآخران من مشائخ حاشد وبكيل، وانضموا إليهم نحواً من مائتي نفر لحفظها وعمروها وأصلحوا المدرج الكبير المشهور بباب النصر وعمروها عمارة محكمة وجعلوا فيها دوراً دار العقبة وفي باب النصر، وفي باب الفتوح وفي السر، وداراً من غير عمائر سعدان والناصرة والمحطة والنافر وقووهم بالشحنة الكثيرة، وكان في الهجر الأمير إبراهيم بن عبد الله بن المعافا في محطة عرباً وعجماً، والأمير عبد الله في السودة، ثم إنه طلع الأمير إبراهيم من الهجر بمن معه من المحطة إلى نجد بني حمزة كما تقدم، فلما قام عبد الرحيم وأرسل صنوه مطهر بن عبد الرحمن إلى أبرق ظليمة وامتدت يده حتى ملك إلى بيت ابن علاء ، ثم أرسل من حاصر شهارة المحروسة بالله من عسكر عبد الرحيم وهو مع ذلك يكاتب الإمام وينصر له ويخطب ويعتمده، والإمام عليه السلام يكاتب الناس بإجابته ويأمرهم بمواصلته مع بعض الاحتراز من مكائده حتى انحازت السودة وشهارة وطال الحصار عليهما، فراسل ابن المعافا الإمام عليه السلام خفية أنه الذي يتولى حصار شهارة ويعود إليه مخافة من عبد الرحيم والعواقب فإن عبد الرحيم كان يتحدث لئن ظفرت بابن المعافا ليكون ويكون من المثلة التي لا يفعلها إلا هو، ثم إنهم واجهوه الأهنوم وأهل المحبة خافوا من عبد الرحيم أنه إذا ملك شهارة أذلهم واستولى عليهم، ثم يخرج على الإمام عليه السلام كما كان منه سابقاً ولا حقاً، والإمام عليه السلام عارف بمكره ولا هو واثق به.

[تسليم شهارة وأسر الأمير إبراهيم بن المعافا]
أخبرني القاضي العالم علي بن أحمد بن أبي الرجال رحمه الله أنه سمع الإمام عليه السلام يكبر عبد الرحيم عند السامعين ويفخم أمره، قال: فقلت له على سبيل كلام الإدلال: يا هذا أكثرت من تعظيم هذا المغرور ثق بالله سبحانه، قال فرأيته عليه السلام يحرك رأسه ويقول: هو كما ذكرت والثقة بالله وإنما أردنا تشديد من يرى عظمته فتخلص موالاتهم أو كما قال، والأمير عبد الله بن المعافا مضمر أنما ذلك منه تهوين على من في شهارة وتمهيد لما يرجوه من خلاصهم بما يجتمع له من عند سنان لا رحمه الله من الجيوش المتظافرة ليفرج عن شهارة، فاتفق لهذه الأسباب أن الإمام عليه السلام بعث جماعة من الأعيان لمعاونة الأمير مطهر بن عبد الرحمن وأرسل والياً إلى بلاد عذر، ثم كان من المشائخ بني وهان مخالفة للإمام عليه السلام وفيهم له كراهة إلا الشيخ جمال الدين علي بن وهان ووالده فقد تقدم أنهم جاهدوا ونصحوا لله سبحانه، وأسر الشيخ وهان بن علي مع مولانا الحسن رحمة الله عليه وحمله العجم مع الإمام إلى الروم فأرسل الإمام عليه السلام ولده المجاهد السيد الكامل الملك العادل الحسن بن أمير المؤمنين قدس الله روحه، وكان في عنفوان الشباب وضم إليه من أمكن فتقدم إلى حصن ابن وهان المسمى الصرارة فأخذه عليهم، ثم هدمه فهو إلى الآن خراب، وهذا الخراب غير الأول، فإن الأول لخلاف من الشيخ مجلي فقط، وهذا الآخر كان منه ومن الشيخ قاسم بن صلاح، ثم تقدم فأخذ جميمة السخدا وكان فيها رتبة للعجم محاصرون من جنود عبد الرحيم فأخذها وتقدم الإمام

71 / 109
ع
En
A+
A-