قال السيد المذكور: وغزا العجم ثاني قتلة مكحلة المجاهدين إلى قرية مدر وكادوا يدخلون عليهم فقتل من المجاهدين أربعين نفراً، قال فقال الظالمون: هذه بتلك، واليد في أكثرها لجنود الحق حتى لقد غُزي الشيخ صالح حمران إلى قطوان بني زهير وأحاطوا به من جميع جوانبه حتى ملكوا على البيت الذي هو فيه وبقي معه ما تحتها يرمي ويدافع هو ومن معه من أعلى البيت ومن في الباب ولا زال حتى فرج الله عنه بالغوائر من جميع المراتب الإمامية وأهل العزائم من القبائل حتى أدركوه ونجا سالماً، والحمد لله رب العالمين، وقد قتل من العجم كثير وتعاهد حاشد وبكيل على النصرة والقيام، وكان مع العجم منهم عسكر معظمهم من بني زهير لمكان النقيب الشقي سعدان لا رحمه الله فكتب القبائل بينهم مشروحاً ظهر للناس وانتشر أن من قتلة الذين في جانب الحق من حاشد وبكيل الذين مع العجم فلا يطالب قاتله ولا يذكر وإنما قتله راية الإمام عليه السلام، ومن قتل جنود الظالمين من المذكورين فكذلك قتله راية الضلال، وكان مما هيأه الله سبحانه من جمع الكلمة، وظهر في هذه المدة المذكورة لعموم هذه القبائل محامد ذكرت ومناقب اشتهرت، والعيون خصوصاً مثل الشيخ المجاهد صالح أبو سرعة الكثيري الذيباني رحمه الله فإنه وحي صنوه الشهيد قاسم أبو سرعة ممن اشتهر بالثبات وجودة الرمي بالبندق حتى أن الشيخ قاسم استشهد وقد عد له جملة قتلاء، ثم أخوه الشيخ صالح بن محمد رحمه الله اشتهر أعظم من أخيه حتى لقد أخبرني غير واحد ممن يوثق بهم منهم الحاج صالح بن معوضة الجبري الذيباني وكان من أهل السبق في الجهاد أنهم

أحصوا له في هذه المدة وما قبلها أن الذي قتل من جند الظالمين أربعمائة قتيل وثمانين فرساً، وأخبرني هو وغيره أن كثيراً من المجاهدين كان إذا أرهقه العدو وخاف أن يناله قال: أنا أبو سرعة فيتركه الخصم لما ظهر من هيبته، وكان هذا المذكور ممن رزق الصبر والقناعة، ولقد كان يفد على مولانا الإمام عليه السلام فيعرض عليه العطاء فلا يطلب إلا آلة الحرب وما يتعلق بها وسائر القبائل كثيرون حتى أن بعض أهل الذمة من اليهود من ظهر له ذكر في الرمي بالأوظاف، واستشهد في [ق/279] هذه الملاحم عدة من الناس سمعت غير واحد من ذيبان وبني زهير يقولون إنه كان يقتل مشاهيرهم فما يأسفون عليهم كثيراً وإنما يقولون من يقاتل بعدهم قتالهم ويكفي كفايتهم فما يقع الحرب الثاني إلا وقد اشتهر غيرهم ممن لا يعدونه ولا ينظرونه حتى من رعاة الغنم، وممن اشتهر من أعيانهم القاضي العالم الشهيد عبد الله بن القاضي العلامة الهادي رحمه الله فإنه وصل في بعضها مغيراً مع الحاج المجاهد شمس الدين رحمه الله لأنه كان إذا ضربت المدافع والبنادق فيغير الناس للجهاد من جميع البلاد من بلاد نهم إلى بلاد مرهبة الظاهر، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما كان بعدها من الهزيمة والحوادث على سبيل الإجمال كما أن المذكور مع مالم يذكر كنسبة قطرة من مطرة لتفرق القضايا وتراخي الأزمنة. والله أعلم.
ويكفيك أن أيام هذه الحروب ثمانية عشر شهراً الحروب في غالب أيامها كما تقدمت الإشارة إليه.

[حروب وادعة]
فصل: ولنرجع إلى حروب وادعة وقد تقدم جملة من بعض أخبار عبد الرحيم وكان في أيام قيام عبد الرحيم في دماج بني قيس من بني صريم محطة قبل طلوع مولانا عليه السلام خمر كما تقدم، فيها الأمير حسن بن ناصر بن أحمد الحمزي الجوفي من قبل العجم ومعه عدة من أمراء العجم فحاربهم الإمام عليه السلام حتى ضيق عليهم في دماج فخافوا الهلكة، وقد قتل منهم جماعة فراسل هذا الأمير إلى الإمام عليه السلام يطلب الصلح أنه يخرج هو ومن معه من العجم وطلب واسطة فدخل إليه السيد العلامة محمد بن علي بن عشيش رحمه الله وجرى الخطاب وكان كثير الاختلاف ومنطوٍ على العدوان وكراهة الحق وأهله -والله المستعان- فترك السيد عنده وبقي يتردد في الشروط ودارت المكاتبة، وللإمام عليه السلام جوابات تتضمن الألفاظ الغريبة والمواعظ النافعة، والحكم البالغة، وهي موجودة في بعض مجموعاته عليه السلام، منها هذا الكتاب:

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، بلغ كتاب السيد العلامة فخر آل الرسول وبقية الآل الطاهرين صلوات الله على جدهم وعليهم أجمعين، محمد بن علي الحوثي أبقاه الله تعالى ونفع بحميد سعيه وأتحفه بشريف السلام ورحمة الله الهاطلة بكل خير عام، وبركاته السابغة الكافلة [ق/281] بكل خير عام، وتحققناه ونسأل الله أن يمن عليكم بالفرج عن قريب إنه سميع مجيب، ثم إنكم محمولون على كاهل السلامة ولو جرى مني من اللفظ نحو لا يحل لي ولا لكم المداهنة فهو من باب {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وذكرت من جهة الرجل وأنه على ما في النفس ومع الناس من الريب ما لا يعلمه إلا عالم الغيب من عدم الآلاق من هذا الطاغية، فإن كانوا شاكين في الوفاء لهم بما وضعه الظالمون من الأمان وعدم الوفاء فيا عجباه كيف تخالطونهم وترفضون من يأمنون مكره يقيناً مع ما يعلمون من غدر القوم وما أوقعوا في كثير من الناس من العذاب المتنوع من سلخ جلود الأحياء وركزهم على الخواريق، والتحريق بالقطران والباروت والنار، وتوسيط المسلمين ومن سهلوا عذابه احتزوا رأسه، ومن أحبوا بقاه مهاناً ذليلاً زنجروه وزندوه وضربوه، وغير ذلك مما لا يفعله مسلم فإذا لم يقوموا بالواجب عليهم عقلاً وشرعاً من دفع الضرر عن نفوسهم وعن سائر المسلمين وعن أصل دينهم فما بالهم لا يهربون من أرضهم، ولكنهم رضوا بالدنية حباً للأوطان، ولبسوا ثياب المذلة صيانة للديار، فلا عامل بالشريعة امتثالاً لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}

ولا بقيت لهم حمية كما قال:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها .... خرجت مع البازي على سواد
فلئن لم يذبوا عن نفوسهم ويذودوا عن دينهم ليسلطن الله عليهم هؤلاء الأشرار فيدعون فلا يستجاب دعاؤهم ولا يبقى لهم في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوصي {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}.
وعن علي عليه السلام: (ما ترك الناس من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أشد) وذكرتم قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى...} الآية، وأنه ليس لها ناسخ ولا مخصص، فلا شك أن الأمر كذلك، ولكن أكثر من تعقل بالعلم ادعى الضعف {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}، وليس المراد بالآية إلا من لا يقوى على الحرب كالشيخ الهم، ومن به السل الذي لا يخرج ولا ينجو منه إنسان {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ} وذكرتم حدوث الولد المهدي إن شاء الله في وقت الزلزلة هذه فالله يربيه أحسن تربية ويهديه خير هداية، ويقيكم جميعاً ويحميكم من كل شر، واذكروا [ق/281]لذلك الرجل أنه لا يسعه غير ما ذكرنا له في الكتب السابقة ولولا الثلاثة الأنفار ما اتفق بعض الذي اتفق، ولكن أقول: الله يتجاوز عمن تاب ويعجل نقمة من عاب، ولولا مخالطة الرجل الذي ذكرت للقوم الظالمين لقد صلحت تلك النواحي وكيف ينتظر الفرج من الله وهو معين لأعداء الله على أولياء الله، وليس ينتظر الفرج إلا من توكل على الله وقام

لله، فرق الله شمل من سعى في تفريق شمل المسلمين، وألهمنا وإياكم إلى ما فيه الصلاح، ولولا مواجهة المواجهين من حاشد وبكيل لما قبل ابن حدقة وأصحابه ولا خرج من خرج من بيته مظلوماً فقد شارك المواجهون في دماء المسلمين وأثم المطرودين [وأوزارهم كاملة لقوله تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} إذا هذا] من ذلك، فقل يتوبوا إلى الله قبل أن يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، الله يعصمنا وإياكم ويمن بالنصر والفرج إنه قريب مجيب، وصدر على عجل وعن اشتغال. انتهى.
وكتب الإمام عليه السلام أيضاً إلى السيد إلى مخيم الأمير المذكور ما لفظه مما نقل من خط يده الطاهرة رضوان الله عليه:

الحمد لله وحده، المنصور بالله إن شاء الله استخرت الله سبحانه ووكلت السيد الأعلم البر التقي عز الدين محمد بن علي الملقب بابن عشيش أن يأخذ العهد على الأمير الأعظم شرف الدين الحسن بن الناصر المنصوري الحمزي وذلك أن يقول: قل والله الذي لا إله إلا هو إنك لواف بما وضعه الإمام في كتاب الولاية من الشروط وأنك مبادر بالفتح بنفسك في حرب الظالمين، أو ملزم لقبائل بني صريم ومن أمكن بإظهار الخلاف على الظلمة والتنصير للإمام، والغارة مع عسكر الإمام على من بغربان طهره الله من أرجاسهم، فمتى فعل ذلك الأمير فليقل السيد المذكور: وإن علم الله أنك ناو خلاف ما أظهرت من العهد أو ناو غدراً ومحقاً على الإمام فقد برئت من حول الله وقوته استعلاء على الله واتكالاً على حولك وقوتك، فمتى فعل ذلك فقد تم بيننا إن شاء الله ما وضعناه وكنا لبعضنا بعضاً كالعضد والساعد والله خير الشاهدين، ومتى اختار الأمير حفظه الله أن يبادر بإلزام بني صريم بالقيام معنا فالمليح انتقاله إلى ظفار طهره الله وحرسه، على صاحب مشهده المقدس أفضل صلاة المصلين وصلاة رب العالمين. انتهى.

[دخول علي بن القاسم صعدة]
فصل: نذكر فيه دخول مولانا علي بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بلاد صعدة.
قال السيد أحمد [ق/282] نفع الله به ما معناه من كلام طويل: ذكر وصول ولد الإمام جمال الإسلام علي بن أمير المؤمنين إلى بلاد خولان صعدة وهو في أول التكليف وأصحبه جماعة من العيون كالسيد العلامة جمال الدين علي بن إبراهيم الحيداني، وزهاء من مائة وخمسين رجلاً، منهم نحو خمسين بندقاً ولم يحصل من خولان التفات إليهم بميل مشائخهم إلى الأتراك فإن في بلاد صعدة الأمير محمد التركي وهو واليهم ومن أهل الحزم والجزم والإحسان إلى المشائخ إلا الشيخ الأجل محمد بن جراد بن هوس صاحب آلة الزبير، وكان خائفاً من الأتراك، وبلده مما يلي الفيش فنصح وآوى، ثم أرسل ابن الإمام عسكراً لفتح بلاد ساقين فلم يتمكن ورجع عسكره، ونفدت المحطة من صعدة من الأتراك إلى حيدان واجتمعوا بكاشف حيدان وقصدوا ابن الإمام عليه السلام إلى مكان يسمى الذراع، وكان هذا المكان لا ماء فيه إلا ما يحمل من بعيد فخاف أن يحصروه من الماء فانتقل في الليل إلى موضع يسمى العر وهو رأس بلاد بني ذؤيب فوصلوه قبل الفجر ومشائخ أهل ذلك المكان مع الأتراك في حيدان وأهله غير راضين بوصول ابن الإمام وأصحابه، فما شعر ولد الإمام بعد شروق الشمس إلا بوصول الترك من حيدان بغتة وكانوا غير متأهبين والموضع لا يصلح للقتال لظنهم أن الترك لا يقصدونهم في ذلك الوقت، ووقع مناوشة حرب وملكوا الخيل، وبقي ابن الإمام وأصحابه زهاء يومين لا يأكلون إلا اللحم، ثم رجح بعض بني ذؤيب عوده إلى بلادهم فأجابهم وبقي

متردداً فيها، ومشائخها مع الأتراك مائلين عنه فكان على خوف وتخويف غزوة الظاهر، ثم جمع ابن الإمام عليه السلام أصحابه ومن أمكنه من بني ذئيب وقد وصله مدد من اليمن أيضاً من جهة الشاهل وغيره من بلاد الشرف وقصد موضعاً قريباً من سوق الظاهر، وهو في ناحية الحقار وفيه جماعة من المتغلبين فغنم المجاهدون أموالهم وقتلوا منهم ثلاثة أنفار، ورجع ابن الإمام وأصحابه إلى بني ذؤيب، ثم قصد موضعاً من أعمال بني ذؤيب يسمى محضان، وقد كان عمّره الأتراك بعد أن أخرجوا الشيخ عبد الله بن سعيد الطير من بلاد ذؤيب وقت بقاء الإمام عليه السلام في برط وقد ألب ابن الإمام لأخذه فلم يقدر غير أنهم خاطبوا على دخول ابن الإمام الحصن وسلامة أهله ومواجهة الشيخ منهم إلى ولد الإمام فلم يفعلوا بل هرب شيخهم إلى صعدة إلى عند الأتراك فأمر ابن الإمام [ق/283] بخرابه فأخربه القبائل لعداوة بينهم وبين أهله، وانتقل ابن الإمام إلى رأس بني ذؤيب إلى موضع يسمى الفرخي، ووقع مع أهل تلك الجهة رغبة ورهبة لولد الإمام وأقبلوا إليه من أطراف البلاد وكثرت الأرزاق للمجاهدين.

[غزوة العر]
لما وقع الضرر على الأتراك وعظم أمر ابن الإمام عليهم وارتفع صيته ووصلته الوفود من بلاد خولان بالحقوق والواجبات اجتمع الأتراك على قصده إلى بلاد ذؤيب واعتقدوا أنهم قادرون عليه، وكان ابن الإمام في الموضع المسمى الفرخي قريباً من العر، فلما نزل عسكرهم الوادي وشرع أولهم يطلع النقيل الذي يصل إلى بني ذؤيب خلفهم ولد الإمام وأصحابه ومن خلصت محبته من أهل تلك الجهة إلى العر وقصد مركز الأتراك الذي فيه رئيسهم وهو والي حيدان وهو الفقيه محمد بن عبد العلفي القرشي من ذرية عمر بن عبد العزيز، وكان في موضع يسمى [........] قريباً من حيدان ولم يبق معه إلا جماعة قليلة وخواصه وغيرهم لأنه قد كان أرسل عسكر بني ذؤيب، وأرسل الله سحاباً تستر ابن الإمام وأصحابه فلم يشعر الفقيه محمد وأصحابه إلا بهجوم ولد الإمام عليه السلام عليه هو ومن معه فلم يتمكن إلا من الهرب والهزيمة والرمي عليهم بالبنادق، وقتل منهم جماعة ولاذوا بموضع حصين قريب من حيدان فدخلوه والتجأوا إليه ولا حمهم ابن الإمام، واشتد القتال وأشرف العدو على الهلاك، فوصلت إليهم غارة من حيدان فاستنقذوهم من ذلك الموضع بعد اللتيا والتي، ووقع الصريخ في عسكر الأتراك الذين نزلوا بني ذؤيب فرجعوا مغيرين فما وصلوا حيدان إلا اليوم الثاني وسلم الله بني ذؤيب وبقي ابن الإمام وأصحابه يترددون في أطراف البلاد أياماً، ثم رجعوا بني ذؤيب وقد أحبوهم وقابلوهم مقابلة حسنة، ثم وصل مادة من عند الإمام عليه السلام نحو مائة رجل من أهل البنادق ومن غيرهم فتلقاهم ابن الإمام وتقدم بهم إلى بلاد

70 / 109
ع
En
A+
A-