[وقعة حاشف]
قال القاضي الأعلم شمس الدين أحمد بن يحيى بن حنش رحمه الله فيما رأيته بخط عن خطه ما معناه: أن الإمام عليه السلام أرسل الفقيه علي بن أحمد الشهاري إلى الأهنوم وكانت طريقه حاشف حتى صار إلى جبل سيران ثم إلى بني سعيد منه، وطلع إلى مغربة الشاوري فكان ذلك سبب مطلع الأمير إبراهيم بن عبد الله بن المعافا من الهجر، ثم إن الأهنوم لما رأوا قلة العسكر مع الفقيه علي الشهاري وكانوا زهاء من أربعين نفراً لم يظهروا أمرهم وأخلفوه ما أعطوه فرجع منهزماً إلى وادعة، ثم نزلت محطة عظيمة من حمومة الظاهر، وانضم إليهم ابن المعافا الذي في النجد فواجههم أهل سيران، وبعضهم طلع جبل سام الذي فوق الحبس، وأوقعوا في بني سعيد حتى لقد أباحوهم ثلاثة أيام نهباً، وقتلوا كثيراً منهم، وتفرق أهلها، وأرسل الإمام عليه السلام بعدها الشيخ علي بن وهان فكان في بيت بني حنيش من حاشف وقتل رجل منهم يسمى صالح من الأشاهرة من حاشف، وكان هذا قد لزم رجلاً [ق/273]يسمى دُخْني من أصحاب الإمام عليه السلام وقتله الترك على بدية الخاروق لعنهم الله ثم إن الأمير إبراهيم بن المعافا غزا بيت بني حنيش فانهزم الشيخ علي ونهبه وأخربه وقتل جماعة من أهله، ورجع إلى نجد بني حمزة كما تقدم، واستولى الإمام بعد وادعة على خيوان، وكانت محطة من العجم في عيان فكانوا يحاربونهم ويهزمونهم بإذن الله تعالى.

[موالاة الأمير عبد الرحيم للإمام]
فصل: وأما قيام الأمير عبد الرحيم المحروم وسبب موالاته في تلك الأيام لمولانا عليه السلام وقد تقدم منه ما تقدم فإنه لما استولى على حجة وبلاد الشرف وقد جعله العجم له يعني الشرف وكتبوا له به عليه عهداً وأقطعوه إياه مع بلاد حجة، هاجر إلى بلاد الشرف الشيخ حسن بن عاطف الأهنومي بعد تسليم شهارة واستيلاء العجم عليها، وهذا الشيخ تروى عنه رئاسة وشهرة، وله مع الإمام الحسن عليه السلام أخبار حسنة ومع الإمام عليه السلام فحمله كثرة العيال والحاجة إلى أن صار إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن ثم إلى الأمير عبد الرحيم فقام به وصار في جملته، ولسنان لعنة الله عليه ضغائن وإحن فطلب مسيره إليه فغلب عليه عبد الرحيم وخاف عليه كما وقع فأعاد عليه وأمنه أنه إذا وصل إليه عاد إلى عبد الرحيم سالماً فأرسله إليهم فقتله سنان لارحمه الله، فعظم على عبد الرحيم وكبر لديه وعرف أنه يعني سنان إذا تمكن طالبه ببلاد الشرف ثم حجة فأضمر الخلاف عليه وسعى في استخراج من في جنود الظالمين المثاغرين للإمام عليه السلام من عسكره فأخرجهم على كيفيات ثم أرسل أخاه الأمير مطهر بن عبد الرحمن إلى بلاد ظليمة والأهنوم وبلاد شظب فكان في أبرق ظليمة وتسلط على كثير ممن خان الإمام عليه السلام مما أخبرني الوالد السيد محمد بن ناصر الغرباني أطال الله بقاه أن القاضي علي بشاري من أعداء الإمام عليه السلام وكان يطلب على الإمام الغوائل فسلط الله عليه عبد الرحيم كما أخبرني بتفصيل ذلك علي بن يحيى سدالة الأهنومي أنه حضر ذلك عند قبض مطهر له في الأبرق من

ظليمة لكتاب وجده منه إلى ابن المعافا، فعزره وبعث به إلى عبد الرحيم فقتله ممثولاً به وأرسل محاط بعدها إلى السود وبعضها إلى الصرحة من بلاد عفار وملك حصن جرع، وكان خراباً وجعل فيه رتبة، وكانت هذه في ليلتين كما روى ذلك من عرفه وأمر بالتنصير في بلاده للإمام [ق/274] عليه السلام فأرسل العجم إليه أحد كتابه وكبرائهم وشرطوا له ما تطيب به نفسه، فقتل ذلك الرسول وأحرقه بالنار وكذا حاله بالمثلة كما سيأتي من أخباره بما لا يفعله أحد من طماطمة الترك وطواغيت الهند، وأحسن فيما أساء، وصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) ثم امتدت محاطه إلى بلاد كوكبان وبلاد عفار وظليمة والأهنوم وشظب، وخطب للإمام عليه السلام والإمام يمده ويحرض المسلمين على نصرته وأرسل إليه جماعة، وللشيخ ناصر البهيلة صاحب حقل بواسطة بعض أصحاب الإمام يد في تحريض عبد الرحيم لم أتحقق تفصيلها، وانفتح المشرق جميعه وولوا الظالمين وهم عدد[...........] إلى عمران البون وجعلوا رتبة خيل في البون كانت تغير إلى بلد الصيد وما يقرب منه، ولا يزال القتل من الفريقين، ثم رجع معظم جنودهم إلى بلاد الطرف وبلاد كوكبان وبلاد قدم إلى حرب عبد الرحيم وعظم الحرب في جانب عبد الرحيم، وله معهم وقعات كلها اليد له حتى أسر من أهل كوكبان ثمانمائة نفر من عسكرهم وكبرائهم في حميمة بني الذواد في يوم واحد واتصل ببلاد جبل تيس، واستقامت الحروب على حصن جرع وملكه عليهم وغيره، فغلظ جانب الحق وامتدت الأوامر الإمامية شرقاً وغرباً ويمناً وتقدم الإمام عليه السلام

إلى خمر واستخرج عمه كما تقدم، وكان قد وجه الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله إلى جهات خولان العالية فأجابه أهلها وصاروا إليه وقطع مواد صنعاء على نحو ما تقدم في النهضة الأولى، ثم وجه في أثره بعد وصوله إلى خمر الشيخ المجاهد الصابر عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله في ثمانمائة نفر عسكراً من وجوه حاشد وبكيل أكثرهم بنادقية فصار إلى الحاج شمس الدين، ولهم حروب كثيرة منها في نقيل ابن غيلان من بلاد نهم، ومنها القضية التي اتفقت في بني سحام وما كان منهم من الغدر بالمجاهدين كما أخبرني الوالد رحمه الله وغيره أن الحاج شمس الدين والشيخ عبد الله والمجاهدن سبقوا الظالمين إلى جبل اللوز وصاروا إلى بلد يسمى المربك وقد أجفل العجم لحفظه فسبقوهم إليه وتعبوا لحربهم وقد جاءوا بإرعادهم وإبراقهم، قال: فثبت لهم جنود الحق وحصل حرب عظيم وهزم الله الظالمين وشرع فيهم خفاف الناس وقد قتل من الفريقين نفر ومن الترك وغيرهم أكثر، فبينا المسلمون في ذلك [ق/275] وإذا بالصائح من ورائهم بأن بني سحام غدروا وصاروا يقتلون المجاهدين من ورائهم وينصرون للعجم، وذلك لأسباب أعظمها ما اصطنعهم به سنان لا رحمه الله بالعطاء والجعل، وممن قتل بنو سحام الشيخ المجاهد شهاب الدين أحمد بن علي العلواني الوهبي.

[كرامات الإمام]
وأخبرني بعض مشائخ خولان في محضر جماعة منهم وصدقوه أن هذا الشيخ العلواني بعد أن قبر بسنة أو أكثر نقله أهله إلى بلادهم من قبره الأول فوجدوه كما دفن صحيحاً لم يتغير، وكان الحاج شمس الدين رحمه الله في ساقة أوائل القوم وسرعانهم والشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير في الأثر في جماعة وافرة من حاشد وبكيل ظهيراً للمجاهدين لالتماس الحفيظة، فانهزم الناس وحصل ما لا يحتسب من الهزيمة والنهب والقتل أقل لكثرة اختلاف الناس بعضهم ببعض، فلا زال المجاهدون في صعود وهبوط حتى كاد يستأصلهم الخصوم ويشغلونهم حتى يصل العجم فإنهم كانوا في الهزيمة فلو كانوا حال أن وقع الغدر من بني سحم مقبلين على المجاهدين لكانت العظيمة، فاستقام الشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير حتى خلص الناس بعد مشقة شديدة ومدافعة أكيدة، ثم آووا إلى جبل أعلى من شرفة الأزارق يسمى دلاج ومنه انحدروا إلى مشارق بلاد نهم، وكانت ليلة مظلمة والبروق والرياح الشديدة.

أخبرني حي سيدنا الفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله أنهم كانوا يمشون خطوات على البروق، قال: فكنت أذكر الآية الكريمة{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}، واتفقت في تلك الليلة الكرامة العظمى وهي مشهورة رواها حي سيدنا المذكور وحي الوالد رحمه الله وسمعتها من كثير ممن حضرها أنه أضاء لهم نور من أعلى سنان رمح الحاج شمس الدين رحمة الله عليهم وانتفع به من حوله وطال لهم حتى انحدروا، فقال الحاج حينئذٍ: يا قوم هذه الكرامة لمولانا الإمام عليه السلام وأخذ يحقر نفسه رحمه الله.
وأخبرني القاضي العالم علي بن سعيد الهبل أطال الله بقاه مكاتبة أنه اتفق للحاج شمس الدين بعد هذه الكرامة مثلها كما أخبره صنوه عز الدين بن سعيد الهبل، قال: كنا مع الحاج نحو سبعة أنفار أكثرهم فقهاء من بني شداد وسرنا ليلاً في مخافة شديدة، وكانت طريقنا في جبل الكولة من بلاد بني جبر في ليلة مظلمة ومطر، وأقسم لا ينظر بعضهم بعضاً من شدة الظلمة والمطر فوقع أعلى الحطيبي [ق/276] يعني رمح الحاج أحمد نور يشبه الذبالة الطويلة خضراء فاهتدوا بها، وإن الراوي ممن سار في ضيائها وأراد الحاج أن يطفيها ما طفيت وهي نار من يمنة ويسرة.

قال القاضي وذكر القاضي عز الدين للحاج هل قد اتفق لك مثل هذه؟ فقال: نعم وذكر معنى القضية الأولى، وبعضهم كانت الأملاك تشبهه، وبعضهم كان نور السوط يهديه، وهذا من ذاك، والحمد لله رب العالمين، وما كان عطاء ربك محظوراً، ثم عاد الحاج شمس الدين رحمه الله إلى بلاد خولان فاجتمع له بنو جبر وبنو شداد ومن إليهم وتغيّبوا فيما كان من بني سحام كما أخبرني الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي رحمه الله وقصدوا محطة العجم إلى جبل اللوز، فلما توسطوا في الطريق اتفق أن الشيخ عبد الله بن ربيح القرموشي الجبري وكان من الأشرار وحكام الطاغوت فتك ببعض القوم وغدر به وقتله في الليل مع الجمع الكبير، فافترقت الناس وعادوا وقد تشعب ذلك الجمع وانتقض ما أبرمه الحاج شمس الدين رحمه الله وأعطوه من أنفسهم، وفي خلال ذلك مغازي لم أحط بجملتها، واتصل الحاج رحمه الله بالذراع وهدمه، وصار إليه وإليه الشيخ على الجرعي وقضايا كثيرة.

[محاولة الغدر بالشيخ المجاهد عبد الله الطير]
وأما الشيخ الرئيس المجاهد عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله فبقي يتردد في جهات السر وما يقرب منه من بلاد نهم وخولان نحو أربع سنين وتقدمت مراتبه إلى نحو صنعاء إلى مواضع، منها الرونة من أعلى سعوان ونحو رجام، وأسفال السر والمغازي عليه من صنعاء لا تزال ويدافعهم الله سبحانه، وفيها غزا الترك أخذهم الله خربة سعوان وقتل من الترك كثيراً، وقد تقدم في النهضة الأولى عكس هذه القضية حتى لقد أخرج سنان لا رحمه الله رجلاً من نهم يسمى محمد بن سند، وكان من أعيان جنود الظلمة وقد حسن حاله عندهم وأولاده في صنعاء وأمره بالغدر بالشيخ عبد الله، وعلم الشيخ ذلك وعرفه قبائل نهم فخافوه لا يغدر بالشيخ وقد أظهر أنه هارب وكذا فبسط له الشيخ عبد الله الجناح وأحسن إليه وأمنه وخالطه، وكان هذا محمد بن سند من عقلائهم فلا زال حتى أوقفه على أمره وأراه ما عنده وقد وعده سنان بالغدر به ما لا يقدر قدره وإن لم يفعل أهلكه وأهله، فعظم عليه الأمران فطلب من الشيخ عبد الله أن يعرف الإمام عليه ويطلبه وعلى أنه معتقل له ففعل، ولما وصل إلى مولانا عليه السلام خاف أن يبقى عنده على أولاده فطلب منه إرساله إلى مكة المشرفة، وبقي هنالك [ق/277]حتى هلك سنان لا رحمه الله كما سيأتي، وخرج اليمن مع جعفر باشا لا رحمه الله وبعد استقرار الإمام عليه السلام في وادعة وفتح المشرق وقيام الأمير عبد الرحيم جهز ولده جمال الإسلام علي بن أمير المؤمنين عليه السلام إلى بلاد صعدة فكان في بني ذؤيب يغزي العجم ويغزونه ومعه جماعة من الأعيان، ولا بد من ذكر ما أمكن من قضايا بلاد صعدة في هذه النهضة إن شاء الله تعالى.

[حروب الرجو]
وهي قرية عظيمة من بلاد بني زهير فدخلها نحو سبعة أمراء من العجم من همدان وبني الحارث وكبرائهم، فتوجه لقتالهم القاضي العلامة الهادي بن عبدالله بن أبي الرجال والفقيه المجاهد عز الدين بن علي الأكوع والشيخ المجاهد الشجاع صالح بن محمد حمران النهمي رحمه الله تعالى، فاتفقت أيام جهاد وجلاد، وملاحم شداد لم يضبطها تعداد مدة ثمانية عشر شهراً، وكان من انهزم من أمراء العجم قتله سنان لا رحمه الله حتى لقد صلب أميراً من كبرائهم انهزم في بعض حروبها حياً يسمى الأمير عثمان كما أخبرني الشيخ أحمد بن علي خضر، وكان القاضي الهادي رحمة الله عليه على بلاد خارف ويلزم أعلى كابظ.

قال السيد أحمد نفع الله به: إنه خرج من صنعاء الأمير علي بن مطهر بن الشويع من الحمزات في عسكر من الأتراك إلى بلاد الصيد، وأمر عسكراً من أصحابه إلى موضع من الصيد الأسفل وجماعة إلى موضع يسمى كانط فوقع حرب انتصر فيه أصحاب الإمام عليه السلام وقتل فيه جماعة من رؤساء الأشراف الذين مع الأتراك منهم الأمير فارع بن حميضة، وأخذت عدة أفراس ووقع الحصار للأمير علي بن مطهر حتى أشرف على الهلاك، ثم جاءت غارة من صنعاء رئيسها النقيب محمد بن الراشدي العبدلي [فلم يستطع الاتصال به] بل ثبت في قرية كانط فوقع مخاطبة في خروجه ورفاقة فخرج عن رضى من القبائل، وخرج جماعة من جنود الترك إلى عصام موضعاً في الخشب فحصرهم جنود الحق وأخذوهم أسرى وأرسلوهم إلى الإمام عليه السلام إلى وادعة، والشيخ صالح بن محمد حمران رحمه الله على بني زهير ويلزم قطوان وبيت الجالد وما إليها، والفقيه عز الدين على ذيبان ومن إليهم ويلزم قرية مدر، وفي هذه المدة كانت الوقائع متفرقة، منها مقتلة في العجم في موضع من بلاد الخشب يسمى مكحلة ومواضع غيرها على يد الحاج المجاهد أحمد بن عواض فإنه وصل مغيراً من بلاد خولان، والشيخ [ق/278] صالح بن محمد حمران رحمة الله عليهما قتل جماعة من العجم فوق المائة، وانتهبت أثقالهم لأنهم وصلوا مدداً لهم من صنعاء كما أخبرني السيد محمد بن أحمد الحمزي من الحيفة.

69 / 109
ع
En
A+
A-