رجعنا إلى رواية حي سيدي الحسن بن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: لما شق بالإمام المقام في بلاد خيار وهم يعجزون عن القيام والجهاد بين يديه وإذا فارقهم ورجع المشرق هلكوا عن آخرهم فأرسل من أوقد النيران في العفيرة من أعلى وادعة وهو الشيخ عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله ليتهم بعضهم بعضاً، فلما وصل البلد وقد أعطاه الإمام عليه السلام فضة، وقال: تؤلف بها من عرفت من أهل البلد ليتركوكم توقدوا النار، فقال الشيخ: معي دراهم، وتم له ذلك، ولما رأى الإمام عليه السلام النار قال لوادعة: هؤلاء العفيرة أقرب منكم إلى العدو والونا فكان من أول أسباب صلاحهم، ثم تقدم إلى بركة الحسفة وبقي فيها ،ووادعة مركزون لمنع بلادهم من الإمام عليه السلام لما سبق من مخافة العواقب حتى دنا الليل وضاق الحال بالإمام عليه السلام، ولم يجد موضعاً يمسي فيه حتى ينظر في أمره فهدى [ق/268]الله الشيخ المجاهد الناصح ناصر بن يحيى المسمى شيخ الحرب وهو من الصبيحات ونادى في الإمام وأصحابه بأن عشاءكم ومساءكم عندي، فتقدم إلى بلده وهو ينصر للإمام عليه السلام وكان الشيخ حاجب بن حسين من أصحابه أيضاً ينصر للترك وأخذهم الله وحصل بينهم خلاف فغلب الشيخ ناصر الشيخ حاجب بن حسين المكنى أبا شاردة على البلد، وصلح حال الشيخ حاجب بن حسين فيما بعد، وكان لهذا الشيخ ناصر سبب هذه القضية محل ولأولاده من بعده، وتكررت الوصية من الإمام عليه السلام فيه كما سمعته من ولده مولانا المؤيد بالله سلام الله عليه وغيره، ورأيته في وصيته.
وأخبرني السيد الفاضل علي بن محمد الغرباني أن الإمام عليه السلام رأى هذا الشيخ خارج سعدان في جماعة من وادعة فدعا ولده مولانا محمد عليه السلام، وقال: هذا الشيخ لولاه لما تم لأبيكم أمر ولا ولا فوصية الله فيه، وخاف الإمام افتراق وادعة والشقاق وقد طمع في اجتماعهم فأرسلني يعني نفسه سيدي الحسن والفقيه أحمد بن عجاج من أهل درب عبيد كما أخبرني صالح بن محمد الوادعي وسمعت ذلك على ذهني من الفقيه المذكور يدلني الطريق إلى بيت الشيخ صالح بن قبيضة وهو الشيخ المعظم عندهم، وصنوه الشيخ يحيى أبو عسال كان عند سنان من المعظمين، وكان الشيخ صالح يعين على الإمام عليه السلام لأجل أخيه الشيخ يحيى، قال: فوصلنا بيته قبل الفجر فوجدناه في سطح داره يسمع ما يحدث من المراكزة.
[انظمام وادعة إلى الإمام]
وأخبرني الشيخ صالح المذكور في بيته أنه لما رآه وعرفه صاح به فقال: ويلك من الله أنت وأخوك وأبوك تأتني على هذه الحال إن أغدر بك كان العار والنار، وإن أساعدك هلك أخي وأصحابي، ولم أتحقق جوابه، وأما سيدي الحسن رحمة الله عليه فقال: لقينا [الشيخ] إلى الباب وهو يتكلم بنحو ما تقدم، وأراد يعقر رأس بقر وقد حلنا بينه وبينه، ثم أراد إدخالنا منزله، فقلنا: لا نطعم لك طعاماً ولا شراباً حتى تطلع أعلى بيتك وتنشر ثوبك وتنصر للإمام عليه السلام، قال: فتلكأ قليلاً فقلت له: إن فعلت وإلا فهذا ابن الإمام في بيتك وفي يدك سلمه إلى الترك، فعظم عليه ذلك ففعل ما أمرناه، وزاد في النصيحة وقال: وأنا أعلم أن بيتي للهدم وأخي وأهلي لكذا، فقلنا: ثق بالله سبحانه، فلما طلع الصبح وسمع وادعة التنصير في بيت الشيخ انحزل منهم إلى الإمام قريب الألف وبايعوه، ثم الباقون فما أمسى تلك الليلة إلا وقد اجتمع وادعة على القيام والنصرة إلا مشائخ [ق/269]الترك أهل الرهائن.
قال السيد أحمد نفع الله به: وانتثرت النجوم في السماء كالمطر في خلال مسير الإمام إلى وادعة أو قبله بيسير.
وأخبرني صالح بن محمد الوادعي من أهل قرية النحيد أن الإمام عليه السلام جمع وادعة في قرية الصبيحات وتكلم فيهم بكلام طويل حاصله: إن كنتم راهنين رهائن فأولادي أكثر وأصحابي رهائن في كوكبان، وها أنا وأولادي بينكم وأشار إلى أولاده الثلاثة عليهم السلام ونفسه رهائن عندكم والله إني قد أقمت في هذا المكان كهذه وأشار إلى أصل التالوقة وهو متكئ عليها ولا فارقت وادعة إلا مقتول أو منصور، قال: فقام كبراء وادعة إلى جانب وقالوا بعضهم لبعض قد سمعتم ما سمعمتم فنتعاهد على مثل ما فعل وإلا فهي الفضيحة في الدنيا والآخرة، قال: فعادوا فعاهدوه على ذلك وشرطوا على بعضهم بعضاً أنهم لا يطلبونه وأن كل أحد ينفق ما يجده حتى ينفد، وذلك في جمادى الآخرة عام ثلاث عشرة وألف [أغسطس: 1604م] كما نقل من خط القاضي شمس الدين أحمد بن يحيى بن حنش رحمه الله، وأقبلت العجم إلى مواضع كما أخبرني الفقيه المجاهد عبد الله بن عز الدين الأكوع وغيره إلى موضع يسمى حجا موضعاً بين بني مالك ووادعة، ولقيهم المجاهدون فاتفق حرب عظيم، كانت اليد فيه لجنود الحق، ثم تقدم الشيخ المجاهد الشهيد عبد الله بن سعيد الطير إلى بلاد بني مالك ولزم الحوارث، وقصده ابن المعافا بجموع كثيرة وردهم الله بغيظهم، وقتل منهم كثيرون واحتزت رؤوسهم فلم يعودوا لحرب بني مالك فيما أرسل الإمام عليه السلام إلى العفيرة رتبة السيد العلامة علي بن صالح العبالي، ثم إلى غير تلك المواضع حتى لقد احتاج الإمام عليه السلام إلى عدة مراتب، ومع ذلك الأرض تميد بالظالمين وزحفت جنودهم حتى أحطوا في بني قيس وفي جانب
البطنة من جهة الهجر والأهنوم، وخرجت المحاط من صعدة وعيان إلى خيوان وأحاط الظالمون بوادعة من كل جهة ورسله عليه السلام ودعاته إلى كل جهة والإجابة قليل إلا أن أهل الصبر والعزائم قد وصله كثير منهم متطوعين للجهاد، ولا تزال الحرب والغارة في غالب الأيام.
قال السيد أحمد نفع الله به: أرسل الإمام عليه السلام ولده الحسن بن أمير المؤمنين إلى ذيبين وجانب بني جبر، والسيد العلامة علي بن صلاح العبالي كما بلغني من بني جبر من غير رواية السيد أحمد فاجتمع عليه محاط وهم الأمير أحمد الأخرم في محطة وابن أخ الأمير عبد الله بن المعافا المسمى يحيى في محطة وجوهر [ق/270]كاشف من عند الأمير درويش في محطة، وعبد الله السلطان أمير البون كذلك والتقوا كلهم في ذيبين، فخرج ابن الإمام عليه السلام إلى مرهبة متخفياً، ثم انتقل إلى جبل مشرف على نوفان بقي فيه نحو عشرين يوماً، ثم رجع إلى وادعة إلى والده عليه السلام ودخلت عساكر الأتراك ذيبين فنهبوا ما فيه وهربوا قبائل بني جبر وتركوا بلادهم خالية، وكانوا يقتلون من وجدوه في طرق الأتراك. انتهى.
[فائدة]
أخبرني الشيخ الرئيس صلاح بن ناصر بن مفضل المعمري ثم الحيمي أنه وصل من الحيمة إلى الإمام عليه السلام بعد خروجه من برط إلى وادعة في الخرجة الأخرى هذه، قال: فكنت عنده بعد التئام وادعة له عليه السلام فدخل عليه كبارهم وقالوا: لنا منك خبر لا يطلع عليه غيرك فقام أهل حضرته الشريفة وقمت معهم فقال الإمام عليه السلام: أما أنت يا شيخ فغير مقصود بالقيام لأنك من جهات بعيدة فبقيت عنده فتكلم متكلمهم وقال: يا مولانا هذه ساعة جهاد والعدو مقبل علينا وثم شرائع وتنازع ودعاوي بين قوم ضعفاء قد رهنوا أموالهم من الكبراء والأغنياء، وقد ظهر من مذهبك إبطال بيع الرجاء وعلل الرهان فلو أخرجت هذه المسألة حتى ينفصل العدو ويظهرك الله عليه لئلا يحصل سبب ذلك تخذيل وفتنة بين الناس أو كما قالوا.
قال الشيخ المذكور: فرأيته عليه السلام وقد تقطب وجهه بالغضب ثم قال: أتقولون لي ذلك وأخون الله في بلاده وعباده، وماذا المقصود من الجهاد غير إنفاذ أحكام الله، ثم أقسم بالله لو تحملون على الترك بتاء الخطاب الحاضر في حجزكم لا فعلت ثم قال: وكيف نرجوا نصرته ونحن لا ننصر أحكامه أو كمال قال، ثم طلب السيد العلامة عز الدين محمد بن علي بن عشيش وكان إليه القضاء قال أنفذ الأحكام على القوي والضعيف ولو كان ما كان، وتفرق المشائخ وقد استحوا كثيراً، ثم أقبل العجم وكان ما تقدم من الانتصار عليهم، ولما سمع هذه الرواية الشيخ جمال الدين علي بن أحمد بن جابر السيراني ثم الأهنومي، قال: وقد كان من مشائخ الأهنوم والله مثلها، وكان الجواب كذلك، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وأخبرني القاضي الأعلم جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال رحمه الله أنه دخل بني عثيمة من أعمال بني صريم بعسكر من قبل الإمام عليه السلام فبقي فيها ليالي، ثم لم يشعروا إلا بالظالمين في أطرافهم ودخلوا القرية فأخرجنا أهلها وكانوا السعاة علينا ونجانا الله سبحانه [ق/271] فوصلنا العفيرة أو قريباً منها فأول من لقينا للغوث والمدد الإمام عليه السلام وهو حامل بندقه بنفسه والفتيل بيده الطاهرة تقد ناراً، وقد أخذه الغضب فأقسم القاضي لا كدت أثبته معرفة لما رأيت عليه من الهيبة، وقد تفرق شعره وهو يقول لنا: يا ضعفة القلوب والكذا، تخرجون منهم والله لا تهبنهم المسلمين ولأفعلن وأفعلن حتى هممنا بالرجوع، [وهو معنا] فمنعه السيد العلامة جمال الدين علي بن صلاح العبالي رحمة الله عليه وغيره وكان أيام العنب فكان يحصل من وادعة ما يكفي المجاهدين مع ما يأتي على مشاق، ولقد أخبرني أنه كان يفرق ما وجد في أهل المراتب والجرحى وإذا لم يجد ما يقوم به وبمن عنده أخذ بندقه وطلب عذراً للتغفل ولقد قال لنا يوماً: يا أصحاب أرى المراتب ساكنة قوموا بنا نطلب الصيد في جبل رميض أعلى من حوث فوصلنا ذلك الجبل وصدنا وعلاً فقسمناه وكنا خمسة وأربعين رجلاً ومعه الطاسة والطبول معدة للغارة من غير حركة ولا سماع لها في تلك المواضع، وعزمنا أعلى الجبل مما يلي الفقع، فلما أشرفنا على الفقع وكان فلان يقدمنا ينظر صيداً وإذا به مفجوع يشير برأسه ويده ولم يتكلم وأنكم ابتطحوا على وجوهكم أو كما قال، فأعاد الإمام عليه السلام القول وقال: ما وراءك؟ فقال: علي خوف وخجل القاع
كله خيلاً ورجالاً من الترك أخذهم الله وما بيننا وبينهم إلا هذه الهضبة، فلو رأونا لقبضونا بالأيدي، قال: فرأيته عليه السلام قد عظم وكبر في أعيننا وقال: كونوا مكانكم ثم خلع عمامته وتجرد وطلع وحده يتخلل الحجارة حتى عاينهم، ثم عاد إلينا يتهلل وقال فما ترون من التدبير؟ فقلنا كلنا: الأصوب إنهم لا يعرفون مكاننا ونختفي تحت الحجارة حتى ينفذوا وهم الأمير رمضان من العجم ومحطة معه مغيراً من خيوان إلى دماج بني قيس وطريقهم ذلك، فقال عليه السلام:وتخبرهم عيونهم بأنا تخفينا منهم ويقولون لبعضهم بعضاً: ليتنا أدركناهم، لا يكون ذلك إن شاء الله تعالى، ثم أخذ اثنين من الخفاف وأمرهم بالسعي إلى جبل أعلى منا يشرف على وادعة وأعطاهم ثوباً أبيضاً ينشرانه ويصرخان في وادعة وغيرهم ثم دعاني ومعي بندق والحاج صالح المسلتي وثلاثة أنفار معهم بيارق عرب وطلع معنا حتى أرانا قدوم الخيل المتصل بالقاع وقال: انشروا البيارق وتقدموا ثم فلان وفلان أهل بنادق وثلاثة مثلهم على ذهني أنهم بنو العبسي الشيخ هادي بن صالح [ق/272] من أصحاب الحاج شمس الدين رحمه الله، وثلاثة بيارق أرسلهم إلى قدوم مثل ما في جانبنا، ثم ترسم علينا وقد رأى منا خوفاً على الإمام عليه السلام وعلينا حتى نصرنا ورميناهم بتلك البنادق وهم نحو خمسمائة نفر وفوق المائة من الخيل قال: لما رأوا البيارق والبنادق رجع أولهم إلى آخرهم وتحركوا للحملة وهم لا يعرفون عددنا لكوننا تحت الحجارة، فلما رآهم عليه السلام على ذلك صاح باليقين واختلط بهم وضربت الطاسات والطبول، ثم أغار من جانب يسمعون الطبول
والأصوات ولا يرونه وهو معارض لهم بحيث لا يراهم ولا يرونه والأصوات والطبول تخبرهم بمعارضته، قال: فرأيناهم أجفلوا بالهرب لا يلوي أحد على أحد، قال: فلما هربوا بقينا في مكاننا مخافة أن يعرفوا عددنا فيعودوا علينا ولا زال معارضاً لهم حتى طلعوا نقيل الحبلة وقد وصلت أول الغارات، قال: فرجعنا إلى مواضعهم فوجدنا من أثقالهم ما طرحوا وحميراً وغيرها فأخذنا ذلك ورجعنا بحامية، فلما انقضت القضية تبسم عليه السلام إلينا وقال: كيف هذا الرأي من الذي قلتم؟ فقلنا جميعاً: أنتم الموفقون للصواب وقرناء الكتاب أو كما قال، وتضايقت الأمور بسعة المحارب والحراسة فأرسل الإمام عليه السلام إلى جهات كثيرة دعاة وقد امتدت إليه الأعناق ووصله أصحابه الذين فرقهم الخوف فإنهم مع تبسط الظالمين تفرقوا.