ولما توفي سلام الله عليه ودفن في موضع سماه ووصل ناظر السلطان لقبض ما في مكانه، قال: فجلس القاضي والمفتي والناظر خارج المكان وجعلوني أخرج لهم ما وجدت لأن قد علاه غبار كثير فوجدنا ثلاثمائة صرة ذهباً أحمر وفضة وهي أقلها كلها بخواتمها مما يصله من البر وهو لا يفتحها وإنما يجعلها في مواضع من المكان، ووجدنا عنده كثيراً من أدواح الزيت وأرصد جميع ذلك وصيروا لولده المسمى محمد وهو على أم ولد شركسية سماها ولمن معه شيئاً ليس بالكثير وحملوا ذلك إلى بيت مالهم، ثم مات بعد أيام، ورأيت بخط السيد العلامة الزاهد صلاح الدين صالح بن عبد الله الغرباني قدس الله روحه: كانت وفاة الإمام الحسن عليه السلام في شوال سنة خمس وعشرين وألف [اكتوبر:1616م] كما أخبرني الحاج محمد التركي بالمعنى. والله أعلم.
رجعنا إلى تمام خبر الحاج دغيش رحمه الله، قال سيدنا يحيى بن صلاح: ولما أخبر الإمام عليه السلام بكمال الشرح أرسل الحاج أخرى ولم يعد بل توفى في الطريق، قال: وأخبره القاضي فلان من فقهاء عيان أنه وجد في مكة في تلك السنة رجلاً يسأل عن فقهاء عيان ولهم جانب يأوون إليه في الحرم فعرفوه بأنفسهم فقال: هل فيكم الفقيه يحيى الثلائي؟ قالوا: لا، فقال: خرج معنا من الروم حاج فاضل ومعه كتب ومات في موضع كذا وقبضت السلطنة مخلفاته، وأوصاني إلى الفقيه يحيى بالسلام وقال أقول له صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم)) أو كما قال.

قال سيدنا يحيى رحمه الله: فعلمت أنه يريد أن النجم الذي عندكم كاف أو كما قال، وأخبرني الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي أن حي الشيخ المجاهد الشهيد عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله أخبره من فيه أنه غزا من برط إلى بلاد صعدة، وانتهب قافلة للعجم، وفيها دخل غربي صعدة وأخذ طعاماً كثيراً وأشاطه للإمام عليه السلام وكنت أسمع أن ذلك في بلاد بني ذؤيب وأنه بقي فيها أياماً.
قال السيد أحمد نفع الله به: إن على يده رحمه الله وقعة كبرى في الظالمين في موضع يسمى السبيع قتل من الأتراك وجنودهم كثيراً وأن الإمام عليه السلام أرسله من الأهنوم، وهذه الأخرى من برط غيرها.
وقال السيد نفع الله به في مواضع من سيرته: وإن المذكور من القضايا فيما لم نذكر كالمجة من اللجة، والقطرة من المطرة، وذكر كثيراً من أحوال الإمام عليه السلام التي خصه الله بها، وكان هاجر إليها السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الشرفي نفع الله به، وفي أيام بقاه في برط أنشأ قصيدته المسماة باستفتاح الفرج وحصل الفرج.
وقال السيد أحمد نفع الله به: إن الإمام عليه السلام أنشأ هذه القصيدة قبل ظهور الدعوة والله أعلم، وهي هذه:
يا ملجأ للخائف المحتارا .... يا من يغيث مرشداً قد طارا
يا حي يا قيوم يا غوث الذي .... يشكوا إليك من الذي قد جارا
يا من يجير بفضله مستضعفاً .... مستصرخاً متضرعاً لك جارا
يا من يجير ولا يجار عليه في .... سلطانه يا قاصماً جبارا
يا من هو الله الشديد محاله .... يا قادراً يا غالباً قهارا
يا من تنزه أن نراه بناظر .... يا من يحيط ويدرك الأبصارا
يا أولاً يا آخراً يا ظاهراً .... يا باطناً يا عالماً أسرارا
يا واحداً يا دائماً يا باقياً .... يا من أبان عجائباً وأثارا

يا باري الصنع العجيب بحكمة .... حياً يحس وجامداً وبحارا
يا نافخ الأرواح في أشباحها .... ومقدراً لبقائها مقدارا
يا محيي الأموات بعد فنائهم .... لجزائهم نعم الجنان ونارا
يا من بنى السبع الشداد ومن دحى .... الأرض المهاد ونور الأنوارا
يا من أدار بأمره في ملكه .... فلكاً مطيعاً دائباً دوارا
يا من يسرمد آية بقضائه .... للخلق ليلاً مظلماً ونهارا
[ق/263]
يا مرسياً شم الجبال بأرضه .... ومحملاً أثقالها الزخارا
يا مرسلاً ذلل الرياح لواقحاً .... فتثير من قلص السحاب غزارا
يا منشئاً جوف السحاب عجائباً .... برقاً يلوح ووابلاً مغزارا
يا منزل الغيث الهني تفضلاً .... لعباده يا مجرياً أنهارا
يا منبت الأصناف من شجر ومن .... نجم ويا من أثمر الأثمارا
يا من حوائج خلقه من عنده .... يقضي ويغني البائس المعسارا
يا من تعفرت الجباه تواضعاً .... لجلاله صار العظام حقارا
يا من إذا وقف الطريد ببابه .... يشكو يفرج كربه الكبارا
يا من إذا المضطر أجهده البلاء .... فدعاك تكشف فادحاً ضرارا
يا رب يا حنان يا منان يا .... رحمن يا ديان يا جبارا
يشكو عبيدك بعد أن نزلت به .... دهماء يسعر حرها إسعارا
يشكو إليك من الذي تعب الأولى .... يبغون فجعه مؤمن ودمارا
يشكو شكاية محرق مستضعف .... كثرت جنود عدوه فتجارا
أعوانه متجبرون فأشبهوا .... فرعون أو هامانه الكفارا
يشكو إليك جميعهم أمراءهم .... وجنودهم والظالم الجوارا
وبعونهم أهل البغاية إنهم .... قد زوروا من إفكهم أخبارا
يغرونهم بقرابة لمحمد .... حتى أخافوا صبية وكبارا

لا يرتجون لحل ما ينزل بهم .... أحداً سواك أتوا إليك فرارا
وقفوا ببابك طالبين لنفحة .... تطفي حرارة محرق محرارا
فبحق ذاتك يا مغيث عبيده .... المضطر ممن قد أراد صرارا
وبحق ذاتك يا رحيم برحمة .... رادفتها بتفضل مدرارا
بجلالك الأعلى لما يختص من .... كرم أضاء بهاؤها وأنارا
وبكل ما سميت نفسك طيباً .... بعظميها أدعوا خفاً وجهارا
بكتابك الهادي بما أظهرت من .... نور به لهداية إظهارا
وبحرمة السبع المثاني إنها .... نور أضاء لنا ولن يتوارا
وبحرمة السور التي ضمنتها .... ممن أحار بلاغة أفكارا
[ق/264]
وبكل حرمة آية أنزلتها .... أدعو بها الإعلان والإسرارا
بملائك لا يفترون عبادة .... عدوا طوال زمان ذاك قصارا
وبجبريل أمين وحيك والذي .... اخترته ليدمر الكفارا
وبحق ميكائيل صاحب قسمة الـ .... أرزاق والمستغفر استغفارا
وبحق إسرافيل ذي الوجل الذي .... أقدرته يا سيدي إقدارا
وبقابض الأرواح عزرائيل من .... ألزمته لوفائها تكرارا
وبأنبيائك كلهم أهل الوفاء .... والجاعلي نصح العباد شعارا
ببديع فطرتك الذي أكرمته .... بسجود من لا يكسب الأوزارا
وبحق إدريس الذي أوليته .... أعلى مكان رفعة ووقارا
وبنوح الناجي على ألواحه .... لما رأى تنورهم قد فارا
وبهود المختار والنصاح .... بالأحقاف ينذر قومه إنذارا
وبحق صالح الذي أرسلته .... بهدى ثمود فأنكروا إنكارا
بخليلك الباني لبيتك والذي .... رضح الصليب بفأسه كسارا
وبلوط الساري بليلة أمطرت .... شر القرى قبل الهوى أحجارا
وبحق إسماعيل صادق وعده .... المعطي ليذبح نفسه مختارا

وبحق إسحاق ويعقوب ابنه .... المجري لحزن دمعه المطارا
بحماعة الأسباط يوسف والأولى .... تابوا فحطوا عنهم الأوزارا
بشعيب مع أيوب ذاك هو الذي .... فيما ابتليت وجدته صبارا
بكليمك المختار موسى الذي .... بمحبة أنشأته أنوارا
بأخيه هارون الزكي بيوشع .... بعزيز أسأل مرة وكرارا
وبحق داود الذي آتيته .... فصل الخطاب وحكمة ووقارا
بسليله أعني سليمان الذي .... ملكته الثقلين والأقطارا
وبأرميا وبأشعيا بكرامة الـ .... خضر الذي عمرته أعمارا
وبحق إلياس ويونس بعده .... باليسع حيث جعلتهم أخيارا
وبحق يحيى بالزكي أبيه من .... وضع الطغاة برأسه المنشارا
وبروحك الزاكي المسيح وأمه .... الآيتين لمن يشاء نظارا
[ق/265]
وبحق لقمان الحكيم وفتية .... بالكهف نالوا من لدنك جوارا
وخاتم الرسل الكرام محمد .... خير الأنام الرسل والأخيارا
أكرم بخير المرسلين محمد .... أكرم به في المرسلين خيارا
أكرم به من مرسل أكرم به .... من طيب فرعاً له ونجارا
أكرم به من طاهر أكرم به .... من صادق أكرم به مختارا
جدي الذي أرسلته والناس في .... قعر الضلالة تائهون حيارا
فأتاهم بالمعجزات شواهداً .... أعط الملأ برهانك السيارا
ودعا لدينك ناصحاً حتى أتى .... بالسيف يضرب من بغى الإدبارا
حتى أمات الشرك بعد حياته .... وأنار من سبل النجاة منارا
وأقام دينك قيماً بعزيمة .... لو سلها لأذابت الأحجارا
فأشاد أركان الشريعة بالذي .... اخترته من يحكم الأخبارا
بأخيه حامل علمه ووصيه .... أعني الشجاع الصائل الكرارا
جدي علياً خير من وطئ الثرى .... بعد النبيين الفتى المعصارا

بالطاهر الحسن الكريم وصنوه .... اعني الحسين والسبط والمبرارا
وبفاطم الزهراء بنت محمد .... خير النساء كرامة وطهارا
وبحق حمزة الشهيد وجعفر .... (من قد غدا) في جنة طيارا
وبحق عباس كذلك سليله .... بحر العلوم الزاخر التيارا
بجماعة الآل الكرام جميعهم .... أهل النجاة وسفينها الأطهارا
قرناء وحيك يا إلهي والأولى .... صاروا لملة جدهم أنصارا
بصحابة صحب النبي ووقروا .... أجر النبي محمد وقارا
وبكل عبد في البرية صالح .... لم أسمه لا أترك الأبرارا
بالكعبة البيت الحرام وركنه .... ومقام من عمر العتيق وزارا
وبزمزم والمروتين ومشعر .... ومواقف أكرم بهن مزارا
أن تكشف السوء الذي قد حل بي .... وبصبيتي والمؤمنين وثارا
أرني إلهي ما وعدت عبيدك .... المضطر غوثاً مسرعاً نصارا
نحن الذين إليك يا رب التجأ .... ممن طغى أو من بغى الإضرارا
[ق/266]
اجعل دعائي موصلاً بإجابة .... وانظر إلينا واكفنا الأشرارا
فرق جموع المفسدين وحولن .... إقبالهم يا سيدي إدبارا
حتى نقر ولا نخاف من الأولى .... يبغوننا بنكاية ديارا
أسرع ولا تقطع رجائي إنني .... لما أزل لك راجياً نظارا
وعلى الملائك كلهم والأنبياء .... أبداً صلاة مكثراً إكثارا
واخصص محمد الأمين بخير ما .... آتيت رسلك طيباً مكثارا
وعلى كرام الآل آل فرعوا .... من خير من ركب المطي وسارا
واغفر لنا والمؤمنين ذنوبنا .... إنا طلبنا راحماً غفارا

نعم وفي أيام بقائه عليه السلام في برط استخرج الرصاص من خمسة معادن وكان يشرط على أهله ما يجب لله تعالى من الخمس ويبيعون إليه الأربعة الأخماس، ولهذا كثرت خزانته من الباروت والرصاص حتى لا يعلموا أنه اجتمع لغيره مثل ما اجتمع له.

[أخبار النهضة الثانية للإمام]
فصل: ولنذكر النهضة الأخرى وما اتفق فيها من الحوادث فإن للإمام عليه السلام أربع نهضات:
الأولى: من الدعوة إلى خروجه من شهارة المحروسة بالله إلى برط.
والثانية: من خروجه من برط إلى انعقاد الصلح بينه وبين سنان لعنه الله، ثم جعفر باشا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والثالثة: خروجه على جعفر باشا بعد موت إبراهيم باشا كما سيأتي.
والرابعة: خروجه على محمد باشا ويعقبها وفاته صلوات الله عليه.

قال سيدنا يحيى بن صلاح رحمه الله وقد ذكر سبب خروج الإمام عليه السلام الخوف في برط وخلاف الأمير عبد الرحيم المحروم على الترك أنه اشتد بالإمام الخوف في برط، وغُزي كما تقدم من صعدة، وكان رجح من رجح التوجه إلى بلاد قحطان ويأمن هناك ويجمع كتبه وأصحابه فلم ير ذلك، بل قال: هذه المشاق التي ترون لغفلتنا عن الجهاد ومنابذة أهل الفساد أو كما قال، ثم توجه بلاد سفيان والتأم إليه القبائل، ثم طلع الجبل الأسود أعلى من عيان وعشر من هنالك وفيه محطة من العجم كما تقدم من تبسطهم في الظلم والهسف والعسف وأنهم جعلوا في بلاد حاشد وبكيل محاطاً، منها في خمر ،ومنها في الصرار وعمران وذيبين ووادعة والهجر من الأهنوم والسودة، وفي بلاد ذيبان في مخصم وغيرها وجعلوا من يخرب البيوت كما [ق/267]تقدم، وتفرق العلماء والفضلاء في أطراف البلاد على غاية من التخفي وقد تقدم بعض ذكر ذلك، قال: لما رأه من في عيان حصل معهم الفشل وانضموا إلى بعضهم بعضاً، ثم خرج من شرقي خيوان إلى مواضع سماها، ثم انتهى إلى الجبل أسفل بلاد خيار من بني صريم، وفي دماج بني قيس أعلى نهمان محطة العجم وفي وادعة كذلك، ثم طلع إلى قبة خيار وليس معه مايقرب من ثلاثمائة نفر وليس معهم من البنادق إلا اثنى عشر بندقاً.

كما أخبرني حي مولانا شرف الإسلام الحسن بن أمير المؤمنين رضوان الله عليه قال: هو موفيها وصنوه علي بن أمير المؤمنين الشهيد الفاضل رضوان الله عليه وعالج الإمام عليه السلام التئام وادعة فصمموا على حربه عليه السلام وهم من أهل السبق والمحبة وإنما قد أذلهم العجم فإنهم أخذوا منهم رهائن جمة ثم أخذوا من كل قبيلة من يعرف فيها وكتبوهم في ديوان عساكرهم ووجهوهم اليمن مع أمير للعجم يسمى أحمد الأخرم، وكذا غيرهم من بلاد حاشد وبكيل لأن النقيب الشقي سعدان العبدلي قال لسنان: كل من كان في دفتر الإمام فأنا زعيم بإدخاله دفترك وغزا إلى مواضع من لم يخدم العجم وقتل كثيراً حتى من بلاده، ويروى أنه وصله جماعة أسرى غزاهم على مثل ذلك يعني إلى عند سعدان لا رحمه الله، فيهم ابن أخته فقال: قدموه في القتل على أولئك وقال له رجل من قبائله وقد قتل أولاده: يا نقيب ابق لي هذا الولد للمكالف فقتله مع ابنه، نسأل الله السلامة من شرورهم وأمثالهم.

67 / 109
ع
En
A+
A-