وأن الإمام وصل التراب الأحمر، قال: فخرجت مع غنم لنا وعرض الإمام في فكري وأنا غير عارف موضعه عليه السلام فما ملكت نفسي إلا أن صحت بأعلى صوتي بالتنصير للإمام عليه السلام وأنا على ذروة جبل تيس بالطويل وتحتي كهوف وإذا بجماعة سادة وفقهاء وعسكر خرجوا من تحت الحجارة ينادون: هلم يا بشير فهذا الإمام وقد قطعوا بأني قدمت ببشرى وأني عارف بهم فوصلتهم وإذا الإمام عليه السلام معي فسألني عن البشرى فقلت له بالوقائع فعذرني وقد خجلت حياء منه، قال: فبقيت قليلاً ثم لحقت غنمي وأخذت أربعاً منها للإمام وأصحابه وجرى في بقائي عندهم ذكر جوابات للزيدية وأنهم لا يقدرون على القيام وأكثرهم لا يقدر على الجواب اللهم إلا إذا حدث في جانب الحيمة أو بلاد خولان ما يشغلهم حتى نهضوا وكذا [ق/257]، فقال الإمام عليه السلام في الحيمة: من يرضى بذهاب روحه لنصرتنا ومشاركتنا في هذه المشاق، وهم الشيخ صلاح بن مفضل والشيخ صلاح العزب من بلاد القبائل، والشيخ علي بن داود الغباري من الأحبوب، فقال: أتعرف البلاد والطريق؟ فقلت: لا ولكن أتوكل على الله وأريك كيف أعزم بها، فقال: تعزم إن شاء الله تتأهب وتأتينا من الغد، فلما وصلته ورأى لباسي بهيئة السؤال فأعجبه فوصلت الحيمة وموضعاً وصفه لي عليه السلام وهو سوق هجر الأحبوب فاتفقت بأحد المشائخ وأخبرته على صفه ثم وعدني حتى اجتمع بصاحبيه ثم جمعهم وبعض الفقهاء في بعض المساجد على غاية من التخفي، وقرأ لهم الكتاب حق الإمام عليه السلام، قال: فرأيتهم يبكون ويتأوهون وقالوا للفقيه: أجب على الإمام أنه يرسل لنا كتباً إلى جماعة
ممن يعينهم وإلى القاضي علي بن يوسف الحماطي أنه يستخلف على موضعه من مسار ويخرج إلى الحيمة وكذا، وأخذت الجوابات ثم وصلت إلى الإمام عليه السلام إلى تلك الفيوش وعرفت مكانه.
ونظرت مبشراً فتلقاني أصحابه وخرجوا من تحت الحجارة، فأخبرتهم بما سمعت من حسن الإجابة، قال: فخرج الإمام عليه السلام وهو مستبشر ضاحك ويقول: فيما بين ذلك قد عرفتم يا أصحاب بأهل تلك البلاد وحسن إجابتهم وكذا، فلما قرأ الكتاب رأيته متغيراً، ثم إن أصحابه كذلك فقلت: يا مولانا أولا يكاد في الكتاب غير ما قلت لكم فالحق والله ما قلت وأكثرت من ذلك وقلت: هذا عمل الفقيه لأن المشائخ لا يقرأون ولا يكتبون وكذا فصدقني وقال: تعزم إليهم برسائل وخطوط إلى القاضي علي الحماطي، فقلت: نعم فعدت بخطوط واجتمعوا إلي كذلك في ذلك الموضع وقلت لهم بالخبر وأنه لا يقرأ لكم الكتاب الفقيه الأول فطلبوا غيره، ولما سمع الشيخ علي بن داود ما اتفق من الفقيه وهو صاحب المكان والسوق في بلده، وهو خاص بالعسكر وغيره والمحطة بالقرب منهم فصاح الشيخ المذكور وقال: يقتل الفقيه، وأخذ الشيخان يسكنانه فغلبهم وخرج إلى جانب من السوق مرتفع ونصر للإمام عليه السلام فهرب العسكر من السوق واجتمع إلى الشيخ المذكور جماعة، واختلف القبائل وحصل بين الفريقين اختلاف، ثم أجاب من أجاب ونفذت الخطوط والرسل إلى القاضي جمال الدين فخرج إلى الحيمة على مشقة من الباطنية والجنود الظالمة، قال الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي: وكنت فيمن عزم للقاضي فخرج وكانت طريقه حج حج ليلاً وأنه كان له في الطريق كوز للماء عهدة بعض الخدم
يشرب فيه، قال: فرأيته وقد طلب ماء يقول للخادم [ق/258]: لا حاجة إلى هذا لماء فيه من اختبار الماء وطرحه بعيداً ، قال: فرآه الخادم سليماً فاحتمله وملأه ماء فاحتاجه أخرى فأراه سلامته، قال: فهان عليه شيء مما كان وكان أول موضع وصله حج حج ثم بني حجاج ووصله بعض بني عمرو وكره أكثرهم ووقع بينه وبينهم مناوشة حرب، ثم تقدم من بني عمرو بعد أن والوه جمهورهم إلى بلاد القبائل فتلكأ القبائل، ثم صلحوا بعد محاورة شديدة وحرب وقتل منهم ثلاثة أنفار، ومن أصحاب القاضي نفر، ثم صلحوا ووصلت العجم واجتمع إمداد من عند سنان لا رحمه الله، والأمير أحمد بن محمد من كوكبان وغيرهم فأحربوه حرباً تعقبه إنكساره وقتل من أهل الحد (من بني النمري) ستة وعشرون نفراً وقد لقوهم بالعقائر، وغاب بعض أهل الحيمة وأرادوا المكر به فأنجاه الله سبحانه، ثم عاد من قاع الصيد من بني عمرو فأحرب على الصوبات الشيخ عبيد صاحبها، وكان من الأشرار وقتل من الطائفتين نفر فخرج إلى بني يوسف وحاول المقام [وقد اصفقت العجم] وأعوانها حتى ملأوا الحيمة فلجأ كثير من بني عمرو من بني يوسف وبني الحذيفي وغيرهم إلى حصن الشيخ معوضة بن عبد الله الحذيفي المسمى عر شريح، وكان إذذاك من المعظمين مع العجم، وبلغ عدد النساء ثمانمائة امرأة فحصل في الحيمة خراب وانتهاب، وتقدم النقيب سعدان الشقي لا رحمه الله إلى هذا الموضع، وأخرج الحريم وقتل عالم من الناس، واستاقها العجم كما تساق الأنعام حتى انتهوا إلى جانب ردمان من بني النمري من حبور، ولحق الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين الحميَّة على مكالف
الزيدية فمنع من إيصالهن صنعاء على تلك الحال، وتكلم على سعدان وأراه المكروه، ثم أخذ حريم من يعرف أنه شيخاً حتى أخذ نحو عشرين امرأة، وقال بعضهم: ثمانين، وأرسلهن إلى سنان لا رحمه الله، وقال: هؤلاء الذين يصلح أن يرهنوا وقد أحسن فيما أساء ونسأل الله السلامة، ثم إن القاضي جمال الدين خرج من بني يوسف إلى جانب بلاد الحنائف على مخاطرة وقد خرج الأمير يحيى الداعي والباطنية ليقطعوا من العود إلى مسار وسلمه الله، وتعلق ببلاد الثلث وعاد إلى محروس مسار، وهذه كلها والإمام عليه السلام في برط.
[كرامات الإمام]
واتفق له عليه السلام في برط قضايا كثيرة لم نذكرها وكرامات ظهرت، من ذلك أنه لما خرج إلى نواحي مشارق برط وخاف كل أحد، وكان معه أولاده أصغرهم سناً الحسين رضوان الله عليهم فجاعوا كثيراً حتى قال الحاج سعد بن أحمد الرجوي رحمه الله: رأيت الإمام يبكي وولده الحسين قد سقط من الجوع، وكان قد حصل قبل [ق/259] ذلك ما هو زكاة فأكلها مصرفها، وأردنا نهب لأولاده مما ملكناه فقال: ليس ذلك مذهبي التحيل فبينا نحن ذلك إذ بجمل قد أقبل من أرض فيحاء نراه مد البصر وهو يقرب وهو مسرع كأحث ما يكون حتى وصلنا وإذا عليه عنب فحمد الله سبحانه الإمام وتقدم وأخذ عنقوداً أو أكثر وأطعم الصغير وحفظ العنب حتى يجد مالكه، فبقينا وقتاً وإذا بنفرين أو ثلاثة يقفون أثره ويقصون عليه حتى رأونا، فلما وصلوا أخبروا الإمام عليه السلام أنهم خرجوا بهذا العنب للإمام عليه السلام وقد ظنوه في مكان من قفار برط فلم يجدوه وأرادوا الرجوع إلى بلادهم فند عليهم الجمل حتى وصل الإمام فحمد الله وشكر لهم وعرف أن هذا مدداً لهم من الله سبحانه وتعالى، وسمعت من السيد العلامة عز الدين بن دريب التهامي عافاه الله أنه رأى هذه القضية مسطورة مع بعض أصحاب مولانا عليه السلام.
وأخبرني الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي أنه سمع هذه الرواية فسأل عنها مولانا الحسين رحمه الله فأخبره بمعناها وزاد قال: هبط بي الإمام عليه السلام مكاناً منخفظاً عن الأصحاب، ثم دعا وأطال وأمرني أن أؤمن على دعائه فوصل الجمل عقيب الدعاء ولم يذكر أنه أعطاه شيئاً قبل وصول أربابه، ولم يذكر أنه معين للإمام عليه السلام وإنما أخبروا أن هذا الجمل ند عليهم ولهم وجه آخر فكان كما تقدم، وأن الإمام عليه السلام أرجع لهم نصف العنب.
[محاولة قتل الإمام]
ومنها ما أخبرني سيدنا الفقيه العدل يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله أنه وصل الإمام في تلك الأيام فقيه من أهل حلب له عارضة لسان وهيئة وأظهر أنه موال للإمام عليه السلام ومهاجر إليه، وكان له عمامة كبيرة فارتاب الإمام عليه السلام منه لأجلها، وكان لا ينقضها أبداً يعني الحلبي، ثم إن الإمام عليه السلام أمر بعض أصحابه بالقبض عليها فخاف ذلك الحلبي كثيراً وشهق، فقال عليه السلام: افتحوها حتى نرى الفقيه كيف يعتم، فوجد فيها ما هو صورة قرن من نحاس، ثم أمر بفتحه وإذا من داخل شيء أصفر يقرب من زلال البيض فتضمم الإمام عليه السلام والحاضرون، وأمر به فدفن تحت الأرض وعلم أنه سم قاطع وعنف الفقيه وقال: ما ذا فعلت بك حتى تستحل مني هذا العظيم أو كما قال، فاعتذر وبكى، وقال: ألجأني إلى ذلك الظلمة وذكر أن له أولاداً صغاراً في صنعاء وكذا، فأمر الإمام عليه السلام بني العبسي من مشائخ عيال بني أسد أصحاب الحاج شمس الدين بأن يبلغوه إلى صعدة، قال: وضربوا عنقه في الطريق ولا أدري هل برأي من الإمام عليه السلام أو من الحاج فقط، وكان [ق/260] الوالد رحمه الله تعالى قد أخبرني بصفة خروج هذا الشقي من صنعاء وأنه اجتمع بعالم من خولان وأظهر أنه إمام فاتفقنا به ونحن مهاجرون في بلاد نهم وأردت المسير معه إلى الإمام عليه السلام، فمنعني عمي من ذلك وغير ذلك من القضايا، وفي تلك المدة أرسل الحاج الصالح العابد دغيش بن محمد الغشمي إلى الروم للإتفاق بحي الإمام الحسن بن علي عليه السلام وقد بلغه أنه عليه السلام مكن من الكتب في الروم وأنه أتم ما كان شرعه من شرح البحر الزخار.
أخبرني سيدنا الفقيه المجاهد العالم يحيى بن صلاح الثلائي رحمة الله عليه أن الحاج المذكور كان دخل بلاد الروم مرة أولى في أول قيام الإمام عليه السلام، وأن الإمام الحسن عليه السلام سأله بتفصيل قيامه وحسن الإجابة فحصل معه عليه السلام من السرور وأكثر من الدعاء له سلام الله عليهما.
[ذكر بعض أخبار الإمام الحسن بن علي]
وحيث عرض ذكر الإمام الحسن سلام الله عليه فلنتبرك بشيء من ذكره، أما أحواله في اليمن ونشأته، وزهده واحتياطه، وعلمه ودعوته فمشهورة في سيرته وإنما نذكر أحواله في الروم، ووفاته صلوات الله عليه.
أخبرني الأمير عبد الله بن محمد الرومي من أهل القسطنطينية وسكانها فإنه خرج إلى عند مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه في عام سنة اثنين وخمسين وألف [1642م] لما بقي لحيدر باشا الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى فيما يأتي من أخبار مولانا الإمام المؤيد بالله أن الإمام الحسن عليه السلام حبس في موضع بنظر عمه القاضي فلان خفي علي اسمه، وكان أخ لهذا الأمير يسمى علي صغير وهو أكبر من عبد الله هذا فخدمه، ثم إن الإمام عليه السلام كره منه شيئاً ذكره فجعل القاضي عوضة عبد الله، قال: فكان الإمام يغلق على نفسه في مكان وسيع مأهول للعلماء والكبراء وعنده كتبه، فكان يغلق الطياق ويقبل من الضياء ما لا بد منه وله طريق إلى بيت الحريم، وكان معه ست جواري سماهن، وذكر لباسه عليه السلام أنه قميص أزرق وعمامة منه، وثوب مثني، ولباد يدفى به.
قال: وللباب بيننا وبينه فإذا سألنا أجابنا من خلف الباب وإذا وصل أحد من الكبراء قال: اطلبوا لي السيد محمد بن لطف الله بن المطهر، وكان ولد في الروم فهو يعرف لسانهم وينتظر الواصل حتى يصل المذكور ثم يفتح الإمام وينزل كلاً منزلته ويجيب كلاً بغرضه ولا يطال عنده الجلوس، قال: وكان يجلس على لباد ضعيف وقد اجتمع عنده من فرش الروم وبسطها [ق/261] وطنافسها كثير تأتي أحمالاً مما يصل به الكبراء فيقول: أفرشوا لهم من حقهم فإذا قاموا أرجعناها وإذا خرج السلطان ووزراؤه وضربت لهم الصنوج وغيرها من الآلات والملوك على اختلافهم والجنود فلا يفتح في مكانه طاقة ولا ينظر إليهم فسأله عمه القاضي وغيره عن ذلك فقال: لا يجوز ذلك إلا بإذن السلطان، والحاكي يحدثنا بذلك في محروس شهارة حرسها الله، والسامعون في الروم يظنونه سلطانهم الطاغي حقهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكثيراً من نحو ذلك حكاه مما يعرف بالسماع أن هذه أخلاقه الكريمة، ومن ذلك أنه كان يموت من عظمائهم ويطلبونه للصلاة عليهم فيقول: إنما يصح إلا بإذن السلطان وهم لا يعرفون مقصد عليه السلام.