فأمنوه ومضى، وخلص ونجا ولم يكن له أولاد مع السادة إلا زوجته الشريفة الفاضلة الطاهرة فاطمة بنت أمير المؤمنين المنصور بالله رحمها الله.
قال الهادي بن أحمد الجليس الكوكباني وهو صهر السيد علي بن عبد الله والخاص بهم: أن حي السيد علي بن صلاح رضوان الله عليه أوقفه في الموضع الذي فرج الله عنه فيه، وقال: خفت من اغتيالكم ومن عبد الرحيم المحروم فاستأذنت الصنو علي بن عبد الله فرضي أن يكون عوضاً عني، وأخفاني الفقيه أحمد بن مهيوب ليلتين ثم نقلني إلى بيت الشيخ واصل بن عدابة فلبثت عنده شهرين ونصف ثم أخرجني إلى بيت الشيخ جراد بن عثمان العاهمي، قال: وسار معنا نمر من حدود الأهنوم إلى عاهم ليلاً وأنسنا في الطريق وخفنا من الناس، وبقينا عنده ليالي ثم أرسلنا إلى الإمام عليه السلام إلى برط، وكنا لديه وكذا الأمير حسن بن ناصر الغرباني احتال بخروجه بعض الأهنوم فيما بلغني ثم استجار بقوم ولحق بمولانا الإمام عليه السلام، وممن حبس في كوكبان عدة غيرهم [ق/246] وهم الفقيه صلاح بن صلاح بن عبد الله بن داود الشظبي، وكان أكثر الخطاب على يديه وغيرهم والشيخ عبد الله بن أحمد الحارثي والفقيه محمد بن سعيد المكتمي الظليمي والقاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي وغيرهم، وخرج قبلهم من ثلاء بأشهر مولانا السيد العلامة شرف الدين الحسن بن شرف الدين بن صلاح كما تقدم من حصن ثلاء.
وأما أولاده وقرابته فخرجوا مع أولاد مولانا عليه السلام من شهارة، وصاروا إلى أبيهم في الموضع المذكور.
وأخبرني الوالد السيد علي بن إبراهيم بن جحاف مكاتبة: أنه خرج من ثلاء قبلهم، وكذا رأيته في التاريخ -والله أعلم- وتمكنوا فيما بعد من الكتب ولا زالت القراءة والدرس في جميع فنون العلم، ويروى من كدهم وصبرهم ما يليق بمعارفهم الظاهرة ومعارقهم الطاهرة.
ومما أخبرني مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقد ذكر الهمة والرغبة في الطلب والحفظ على ذلك أن قال: كان في الأمير أحمد بن محمد وكبراء دولته سخف عقول، وقل قبول للحق المسموع والمعقول، وروي عنهم من ذلك كثيراً وكذا غيره، وفق الله الجميع إلى السداد، والسلوك مسالك الأجداد، إنه كريم جواد.
قال: فكنا نخافه كثيراً وكان يحضر في كثير من القراءة من آبائهم معنا جماعة من أشراف كوكبان وخواصهم ومن يستمع القراءة ويحب أن يرى ابن الإمام يعني نفسه عليه السلام، قال: فقال مولانا السيد الحسن بن شرف الدين: لا نأمن حادثاً علينا من هذا الرجل لمصير أولادهم إلينا وغيرهم من كبراء دولتهم، فإما وتركتم القراءة يا أصحاب كلها، وإلا فلا يحضر ابن الإمام معنا فإنما يجمعهم إلينا إلا النظر إليه أو كما قال، فحصل من هذا القول أن تركوا القراءة أياماً قليلة ثم عادوا لها بشرط عدم حضوري معهم، قال: وأتموا على ذلك مدة لم نذكرها بغير الكثرة ففكرت كيف الطريق إلى الشيخ أقرأ عليه، وكان إلى جنب بيتي السيد العلامة إبراهيم بن المهدي وولده المهدي، وكان يأتيني كثيراً قِشْر من النذور والبر على صفة، وكان السيد المهدي كثيراً ما يحب القهوة فكان يطلب أن يتقهوى معي فأقول له متى سمعت صب القهوة إلى الفنجان من وراء الجدار فأتني فكنت أحصل القهوة لبعد صلاة الفجر فإذا سمع ذلك فلا أسمع إلا نداه من الباب فآذن له فيتقهوى حتى يرضى، فقلت له: مدة هذه القهوة اسمع لي معشراً في كذا حتى تكمل القهوة، قال: فيفعل حتى ما تكمل [ق/247] القهوة إلا وقد قريت من المعشر فيستحي مني حتى أتمه على ضرب من الإيجاز والإخفاء، فما زال ذلك دأبي ودأبه حتى ختمت كتباً كثيرة ذكرها من تصريف ومعاني وبيان، وغيرها فلما أذن لنا نقرأ مع السادة راجعتهم في تلك الكتب، قال فامتدت إلي الأعناق وسألوني كيف كان الطريق فأخبرتهم فعجبوا من ذلك واستحيوا مني كثيراً، وكان يأتي لهم من المصارف من أهل
الخير ومحبي الإمام على أيدي جماعة كالفقيه الفاضل عبد الله بن أحمد الآملي من بلاد الحيمة ومن نواحي جبل تيس، وعلى يد رجل من بلاد عقار البون يسمى علوان وغيرهم وأنا أعرفهم.
قال عليه السلام: وكان ربما يرسل لنا الإمام عليه السلام من برط يعني والده بالقليل فيصل وقد يسر الله لنا غيره، فنرجعه له عليه السلام لمن عنده من المهاجرين وقد ربما نزيده من عندنا ونمده ابتداء {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} صدق الله العظيم.
[وصية الإمام لولده بطلب العلم]
ولمولانا الإمام عليه السلام إلى ولده مع وجود من يبلغها وإلى السادة الفضلاء رضوان الله عليهم مكاتبات مملوءة علماً ومواعظ، ومن ذلك وصية من الإمام عليه السلام لولده وهي مشهورة مسطورة، وهي هذه:
أما بعد: فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته، إني أوصيك أن لا تترك درس القرآن يوماً واحداً، ولو في كل يوم جزءين أو جزءاً واحداً لا تترك ذلك أبداً، وعليك بصلاة الجماعة فإنها من الواجبات، ولا يغرك قول من يقول أنها سنة، وعليك بملازمة العلم وطلبه، فإنه من أكبر الفرائض واستعن على ذلك بتقوى الله سبحانه لأن الله تعالى يقول: {إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، والفرقان: هو الفهم والفطنة وتنوير القلب الذي يفرق به بين الحق والباطل، والتقوى: هي أن تترك كل حرام وكل مشتبه بالحرام كأكل الشظا لأجل الخلاف، وأن تقوم بكل ما أوجب الله عليك،ومما تستعين به على تحصيل العلم ترك حب الدنيا والاشتغال بها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من اشتد رغبته في الدنيا أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها)) وعليك الإكثار من الحسنات؛ لأن الله يقول: {إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وعليك بالتواضع للمؤمنين، وترك التكبر عليهم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله)) وعليك بترك الإعجاب بنفسك [ق/248]وذلك أن تعتقد أنك أفضل من غيرك من المؤمنين فإن ذلك من الكبائر والموبقات المحبطات للأعمال لأن إبليس لعنه الله كان قد عبد الله ستة
آلاف سنة أو خمسة آلاف سنة-شككت أنا في ذلك-فاعتقد أنه أفضل من آدم فجعل الله عليه اللعنة إلى يوم الدين.
ورى الإمام الحسن بن سليمان في كتاب (حقائق المعرفة) أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صفة المحبين للرحمن، فقال: ((عبداً استصغر بذله في الله)) ح يعني استصغر ما فعل من الطاعات، واستعظم ذنبه ووطن نفسه أنه ليس في السماوات والأرض مؤاخذاً غيره، قال: ((فصقع الأعرابي)) ح يعني ذهب عقله حتى وقع على الأرض كالميت((فلما أفاق)) يعني رجع عقله، قال: أخبرنا يا ابن أبي طالب هل يكون في حالة أعظم من هذا العبد؟ قال: ((نعم سبعون درجة)) ح يعني أنه خائف أنه ليس مؤاخذ في السموات والأرض غيره خوفاً زائداً على خوف العبد الذي وضعه سبعون درجة.
واعلم يا بني أن ذلك صحيح لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، ولا نظن بأمر المؤمنين شراً لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا}، ويقول: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، وعليك بترك المراء وهو كثرة المراجعة فلا تفعل شيئاً من ذلك لكن إذا عرضت مراجعة وقد عرفت الحق فتكلم بالحق مرة إن قبل وإلا سكت لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((أنا زعيم لمن ترك المراء ببيت في ربض الجنة وإن كان محقاً)) .
وعن علي عليه السلام أنه قال: (ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه على الحق) وقال علي عليه السلام: (فمن جعل المراء [ديدناً] لم يصبح ليله والدين العادة) ويعني لم يصبح ليله أن يبقى في الظلمات لا يهتدي إلى الحق، وقال عليه السلام في وصيته لابنه الحسن: (فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا وليكن طلبك بتفهم، وتعلم لا تتورط الشبهات وعلم الخصومات في كلام طويل إلى أن قال فيه: (وليس طالب الدين من خبط أو خلط والإمساك عن ذلك أمثل) وقال بعض الشعراء في ذلك:
فإياك إياك المراء فإنه .... إلى الشر دعاء وللشر جالب
وعليك بتعظيم شيخك في العلم لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ...} لآية، وقوله تعالى: {يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ [ق/249] أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، فمن جمع بين العلم والإيمان أفضل ممن لم يكن منه إلا الإيمان فقط وهو المتعلم.
واعلم يا بني أني لم آمرك بالعلم إلا أنه من أعظم الطاعات لحاجتنا إليه، وإنه لا ينجو إلا العلماء العاملون لأنه لا ينجو من عذاب الله إلا من خشي الله بدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وقال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} ، وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يخشاه إلا العلماء حيث قال: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
وروى زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام أنه قال: (عالم واحد أفضل من ألف عابد، العالم يستنقذ عباد الله من الضلالة إلى الهدى والعابد يوشك أن يقدح الشك في قلبه فإذا هو في وادي الهلكات).
وروى زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:((من سلك طريقاً يطلب فيها علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السموات والأرض حتى حيتان البحر وهوام البر وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)).
وظهر أن هذه الوصية النافعة كانت من الإمام عليه السلام إلى ولده إلى كوكبان.
وأخبرني من أثق به عن مولانا محمد عليه السلام أنها قبل الدعوة، فتأكدت إلى كوكبان فيما أحسب فظهرت. والله أعلم.
[جواب الإمام على الأمير أحمد بن محمد بشأن العدول عن الثورة]
نعم واتفق أن العجم وهم سنان والوزير حسن لا رحمهما الله عولوا على الأمير أحمد بن محمد أن يلزم السيد الحسن بن شرف الدين عادت بركاته أن يتوسط بينهم وبين الإمام عليه السلام أن يجعلوا له أماناً ويخرجوا أولاده، ويصير إليهم بواسطة الأمير المذكور ويجعلوا له أخزاهم الله ما أسخف عقولهم سنجقاً، ويجعلوا له بلاداً قطعة ويأمنوه ويأمنهم أو كما قالوا، وكان في هذا الأمير أحمد بن محمد عرابة وعدم تأمل للأصول، وإلا فهو من أهلها، فطلبوا السيد الحسن فكتب كتاباً بسيطاً فيه بلاغة، وفي أعطافه ما يعرفه مولانا من أنه محمول على ذلك، وأن ذلك معروض عليهم بحيث لا يعرفه الأمير المذكور ولا العجم كما أخبرني مولانا أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين عليهما السلام، فكان الجواب من مولانا الإمام عليه السلام ما هذا لفظه:
والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى {قُلِ [ق/250]اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، بلغ كتاب السيد قمر الأقمار، وخيرة الأخيار، وصفوة عترة النبي المختار، وذروة الشرف الشامخ، وفي العلم القرم الراسخ، شرف الدين الحسن بن شرف الدين أطال الله عمره، ورفع في الدارين ذكره، وأتحفه بشآبيب السلام، وهواطل رحمته على الدوام، وسوابغ نعمه التوام، مدى الليالي والأيام، وكنفه بكنفه الذي لا يرام ولا يضام، وتحققنا ما ذكرتم من أطيب أحوالكم، وأحوال أولادنا السادة مع أنه قد نقل إلينا حسن صنيع الأمير صفي الدين أحمد بن محمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين يحيى بن شرف الدين أعاد الله من بركاته من فعل المعروف الطائل، وجاء شكره ذلك على كل لسان، وورد به الرجال والركبان، فالله يحسن إليه ويمده بمواد ألطافه الخفية، ويأخذ بناصيته إلى الخير ويدفع عنه كل مكروه وضير، فتلك شنشنة أخزمية، بل شيمة هاشية توارثها أباً فأباً، وما أحقه بقول الشاعر:
وينشأ ناشئ الولدان فينا .... على ما كان عوده أبوه