وأخبرني الشيخ سعيد بن راشد القميحي النهمي: أنه خرج الحاج المجاهد شمس الدين بجماعة واتفق له ما تقدم من القضية في بلاد نهم وسار بعدها حتى دخلوا بلاد خولان، وأجابه بعض بني جبر والشيخ علي بن فلاح الحدامي وغيرهم، وبقي أياماً وخرجت عليهم محاط من العجم مع الأمير درويش وغيره والشيخ زيد بن أحمد الحداي وغيرهم فانتهوا إلى زراجة، وكان الحاج أحمد في جانب لمدة مع الشيخ علي بن فلاح، قال الشيخ المذكور [ق/241]: ومرض الحاج مرضاً أيسنا منه بحيث أنه لا يقدر على تحريك شيء من جسده، قال: وكنا يا أصحابه عنده في خيمة خارج صرم الشيخ علي وجميع ما نحتاجه من الشيخ علي بن فلاح، قال فوصل رجل من نواحي الذراع وقال للحاج وهو مستلقي على قفاه: الترك بعدي وهم إليكم في هذه الليلة وقد جمعوا جموعاً، فشكر له الحاج ذلك ودعا له فقال: يا حاج عندي لك مروءة وصنيعة وذكر أشياء نزراً قل من يحفظه من الكرماء فضلاً عن غيرهم فجزاه الله خيراً، فطلب الحاج الشيخ علي وأخبره الخبر ورجح الإنتقال من ذلك الموضع إلى موضع قريب من جهات مشارق خولان، قال: وحملنا الحاج على سرير والشيخ وأصحابه وأولادهم وهم نحو أربعمائة بيت أو دون ذلك.

فلما وصلنا ذلك الموضع وأصبح الصباح والظالمون محيطون بموضعنا الأول وإليهم بنو ظبيان وغيرهم فحمدنا الله سبحانه على السلامة من شرهم، قال: وبقينا إلى آخر نهارنا وإذا بمرافعهم تضرب وقد أخربوا مواضع وإذا بنو ظبيان وشيخهم الشيخ عامر السراي لا رحمه الله يفتشون الأودية علينا وللعداوة بينهم وبين الحدا جاهدون ليدركون منهم ثأراً، فخرج سرعان من الحدا ومن أولاد الشيخ وأغاروا عليهم والحاج على ظهره كما تقدم، فأرسل إلى الشيخ ينهاهم فلم يقبلوا بل تلازموا بحرب عظيم قتل فيه أولاد الشيخ علي بن فلاح المسمى منصور، وكان شجاعاً بطلاً ثم غيره وانهزم الحداي فأغار الشيخ محمد البحش وأصحاب الحاج نحو من زهاء وعشرين نفراً، فأمر الحاج أن لا يظهروا للعدو وإنما يسمعونهم المرفع لأجل التفريج عن الحدا ، ولا يعرفون قلة القوم فيجترؤن علينا بمثل ما وقع فيمن شده الأمر ظهرنا لهم، واتصل بهم المدد من العجم فهزمونا عند غروب الشمس ودخلوا معنا الصرم، فوجدنا الحاج في غير موضعه، قال فسمعت الشيخ علي بن فلاح رحمه الله يصيح لفقد الحاج ولا ذكر أولاده وأهله، ثم استأصلوا بالصرم فقتلوا جماعة ونهبوا الصرم، قال: وهربنا وقد أيسنا من الحاج، فلما استقرينا في موضع وإذا به يصيح فاجتمعنا إليه وإذا هو يمشي على رجليه مشياً ضعفياً ويتوكأ بيده على الأرض مع رجليه في الليل، قال واجتمعنا إليه وحمدنا الله سبحانه على سلامته وهان كل ما لقينا بلقاه، وأن الشيخ علي بن فلاح هان عليه أولاده وقتل أصحابه مع سلامة الحاج شمس الدين، قال ثم اتفق رأي [ق/242] الحاج والشيخ علي بن فلاح على

أن الشيخ علي يكاتب الظلمة ويصالح على نفسه، وخرج الحاج محمولاً حتى انتهى إلى جانب من عيال وهب وبلاد خولان، وأخفاه بعضهم في عنب ووصل الشيخ أحمد بن علي العلواني الوهبي في جماعة بما نحتاج إليه وحصل من حمله إلى بلاد بدبدة بلاد السلاطين وبقى عندهم أربعة أشهر حتى شفاه الله سبحانه وتعالى ولحق بالإمام وقد تفرق أصحابه وخلصوا إلى عند الإمام عليه السلام على مشاق ومخاوف وسلمهم الله ولم يبق مع الحاج إلا ثلاثة أنفار هو رابعهم، قال الشيخ المذكور: ثم أرسلني بكتاب إلى الإمام عليه السلام يستورد رأيه الكريم وكنت الرسول فوافقت خروج الإمام عليه السلام إلى وادعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[أخبار الإمام في برط]
رجعنا إلى بقاء الإمام عليه السلام في برط، وقد اجتمع إليه كثير من أصحابه الذين لم يحتازوا في شهارة من مهاجرهم من مشارق البلاد ومغاربها، وقد تقدم ذكر رجوع عدو الله سنان لعنه الله إلى بلاد صنعاء وقد لقي هو وصنعاء من الحاج شمس الدين كل بلاء، ولما وصل علي باشا وكان ما تقدم [ثم] لحق بالإمام عليه السلام، وكان في بلاد خولان صعدة السيد العلامة علي بن إبراهيم الحداني فأرسل إليه الإمام عليه السلام الرئيس أحمد بن الإمام الحسن عادت بركاته، وحصل بينهما وحشة وأرسل الإمام عليه السلام الشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير، فأما السيد أحمد فكاتب العجم إلى صعدة وصار إليهم على يد السيد محمد بن عبد الله المؤيدي وبقي السيد علي بن إبراهيم والشيخ عبد الله، ولهما حروب على العجم اليد في أكثرها لهما، وكانا من أهل شدة البأس والمراس، لهما وقعات كثيرة وعلى أيديهما كانت وقعة السبيع على الأتراك وهي وقعة عظيمة قتل فيها جماعة من عسكر الأتراك، ولم يزالا على ذلك إلى أن استولى الأتراك علىشهارة، وبقيا بعد ذلك أياماً ولحق الشيخ عبد الله بالإمام عليه السلام وبقي السيد علي يتردد في الأطراف هذا معنى ما ذكره السيد أحمد نفع الله به.

[خروج أولاد الإمام من شهارة]
نعم ولما أيس عليه السلام من التنفيس عن شهارة قال الحاج سالم المذكور فقال لنا الإمام عليه السلام: هل تقدرون على إخراج أولادي علي والحسن والحسين من شهارة كما فعلتم في إخراجي أو كما قال؟ قفالا: نفعل إن شاء الله، قال: وأزمعنا على ذلك قفلنا: هات لنا جملك هذا نحملهم عليه إن شاء الله ثم مضينا وقد غيرنا حالنا [ق/243] حتى صرنا أشبه شيء بالحطابين من العصيمات ونحوهم الذين يختلفون إلى المحاط، فلما قربنا من المحاط أخذنا حطباً إلى محطة بالقرب من غارب رجح وأدخلنا الحطب وسمناه حتى أمسينا وما قد نفق، فلما كان الليل أخرجنا الجمل من المحطة على أناس من البدوان القريب من المحطة حتى غبنا عنها وعقل الجمل أحدنا والآخر بقي عند الحطب حتى عرفنا المحارس ومواضعها وتسللنا على عادتنا حتى طلعنا شهارة المحروسة بالله، وتسللنا فيها أيضاً حتى تبينا الموضع الذي فيه مولانا محمد عليه السلام وكان عنده جماعة من كبار أهل شهارة يمسون معه ويمسي معاهم فهو يخافهم باطناً وهم كذلك يخافون أن يخرج كما خرج أبوه عليه السلام وربما قد توعدهم ابن المعافا ومن عنده من العجم أنه إذا خرج ابن الإمام كما خرج أبوه فلا أمان لكم أو كما قال.

قال الحاج: فطلع أحدنا إلى طاقة منزله عليه السلام وقرعها فسمع ذلك فخرج إلينا على صفة وأدخلنا موضعاً وقرأ خط الإمام عليه السلام بالحيلة في الخروج بصغار أولاده عليه السلام، قال: فاحتال سيدي محمد بخروجهم إلينا والجواب وخرجنا بهم على نحو ما فعلنا به عليه السلام، وسرنا بهم ليلاً حتى قربنا من قرن الوعر وألبسناهم قمصانهم وقد نأى بهم الجمل ظاهراً طريق حوث، ومن سألنا، قلنا: هؤلاء أشراف من أهل حوث أطلعناهم من الهجر إلى بلدهم ونحن عصيمات أو كما قالوا، ثم لا زلنا حتى أوصلناهم إلى عند مولانا عليه السلام، قال فحصل معه السرور الذي لا يقدر قدره وحمد الله كثيراً، ودعا لنا بما نرجوا من الله قبوله إن شاء الله تعالى، قال وعدنا عن أمره عليه السلام مرة أخرى حتى دخلنا شهارة وقد عول علينا نخرج ولده أحمد بن أمير المؤمنين حفظه الله، قال: فلقينا شدة من شدة الاحتراس حتى ما قدرنا بالاتفاق بمولانا محمد إلا شيئاً يسيراً، وقال لا نقدر نحن وأنتم على ذلك من شدة الاحتراس داخلاً وخارجاً، قال فقلنا: أنت يا سيدي محمد، قال: أما أنا فقد وهبت نفسي لله تعالى ولمن في شهارة المحروسة بالله من المسلمين والعلماء والمستضعفين أو كما قال عليه السلام.
وأيضاً إن الإمام لم يأمرني بذلك وفي بقائي سلامة من في شهارة أو كما قال، فرجعنا إلى مولانا عليه السلام فأخبرناه بما قاله سيدي محمد، فدعا له وشكر له ولهما ذلك.

[تسليم شهارة وخروج محمد بن الإمام القاسم منها]
فصل: ولنرجع إلى أخبار شهارة المحروسة بالله فإنهم صبروا بعد خروج مولانا عليه السلام وأحربوا حروباً كثيرة [ق/244] وفي بعضها حصل بمولانا محمد صائبة رصاص وسلمه الله تعالى، ثم كاتبهم الأمير عبد الله بن المعافا فأجابوه فطمع فيهم فطاولوا عليه حتى اتهم نفسه وخواصه، وألقى الله في قلبه وقلوب خواصه العجم أن بقاءهم في شهارة والصبر عليهم لا يأمنون معه وثوب الإمام عليه السلام واستدراكهم.

قال الوالد السيد محمد بن ناصر الغرباني مغل أطال الله بقاه: أنه كان في شهارة محابيس ومتهمون فكانوا يعرفون ابن المعافا بما هم عليه من شدة الحصار وأنه لا يقبل منهم إلا النزول على حكمه، وكان الخطاب بواسطة حي الفقيه الفاضل الكامل صلاح بن عبد الله الشظبي فطمع فيهم وانقطعت المكاتبة، فلما خرج أولاد الإمام عليه السلام كما تقدم كتب الفقيه صلاح إلى ابن المعافا على أن الإمام قد خرج وأولاده الثلاثة خرجوا وبقي محمد وأحمد لا ندري إلا وقد لحقوا بوالدهم فما كان الجواب إلا يستدعي وصوله لتمام الصلح وعرف قصد ذلك وكتموا أمر باقي الطعام، وكان لم يبق لهم إلا إحدى عشر زبدياً فقط، ومن حفظه الله ما ضاع، فسبحان من حفظهم ونجاهم، فحصل الخطاب على تسليم شهارة المحروسة بالله، وخرج مولانا محمد وأولاده والسادة الكرام والعلماء إلى كوكبان في شهر محرم سنة إحدى عشرة وألف، وكان في شهارة من أهلها والمهاجرين إليها لهم الأمان بسلاحهم، وما هو لهم ويسكنون حيث أحبوا من البلاد وضمن لهم على العجم الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين والأمير عبد الله بن المعافا ووفوا لهم.

قال مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه: وقد ذكرت له أن بعض الكبراء ممن كان مع الترك أخذهم الله خلع علي لما اجتمعت به وقد ولى دولة الحق فقال: اخطأت، فقلت: لم؟ وقد صار الأمير من جملتنا وكذا، فقال عليه السلام: هو كذلك إلا أن نفس خرقة الكسوة وما تليق بمثلك ألا ترى أني تشردت وأنا في شهارة أني لا أرى الترك قط إلا ابن المعافا لكونه من العرب، وأن لا ألبس لهم كسوة مخافة من أن يلبسوني ما لا أعتاده، قال: فقبلوا مني فقلت له عليه السلام الحياء وأنا صادق بمنع من ذلك فضحك عليه السلام.

ولما خرج مولانا محمد والسادة على ما وضع لهم همّ سنان لا رحمه الله بالغدر بهم وخرج من قبله من صنعاء النقيب الشقي سعدان لذلك إلى عمران، وبلغ الأمير أحمد بن محمد فخرج في نحو خمسمائة فارس وجمع رجاله ومنع من ذلك، وأنكره كما أخبرني من شهد [ق/245] ذلك، وقال سمع الأمير أحمد يقول: كفاني عار ما حصل في السيد عامر أو كما قال، وسلمهم الله تعالى، ولما صاروا إلى كوكبان تلقاهم الأمير أحمد بن محمد بالإعظام وعرف لهم حقهم، وجعل لهم موضعاً خاصاً في الحصن يسمى المنصور وأولادهم معهم، وهم: مولانا الإمام محمد وأخوه أحمد وأولادهم، والسيد العلامة صالح بن عبد الله الغرباني المعروف بابن مغل وأولاده، وأولاد إخوته، والسيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن المهدي الجحافي القاسمي وهو أحد شيوخ الإمام عليه السلام، وولده السيد العلامة المهدي بن إبراهيم وأولاده، والسادة أهل المحرابي السيد العلامة عبد الله بن محمد المحرابي وإخوته وبعض السادة بني العبالي غيرالسيد العلامة القدوة جمال الدين علي بن صلاح العبالي فإنه حصل له من شهارة المحروسة مخرج صفته كما أخبرني الوالد السيد الفاضل محمد بن ناصر الغرباني أطال الله بقاه أنه خرج يعني السيد علي مع مولانا محمد والسادة إلى عند ابن المعافا إلى النجد، وكان أولادهم في قرية قصل وعليهم الحرس فاستأذن ابن الإمام في الوصول إليهم، فلما وصل إليهم اعتذر للرسم بأن معه كتب وديعة في العيازرة يجب عليه ردها، وهذا أخي يعني ابن عمه السيد الفاضل علي بن عبد الله العبالي مكاني حتى أعود وإن تحبوا يسير معي أحدكم فعلى ما ترون

63 / 109
ع
En
A+
A-