عاطف النهمي الصيادي ابن عم الشيخ سريع المذكور أنهما يعني الشيخ سريع وابن عمه اتفقا بمولانا عليه السلام في هذه المغارة وأمنهما، وكان أصحابه هموا بهما وأنهما رعياه حتى الليل لا يطوف إلى حوالي هذه المغارة أحد إلا صرفاه بما لا يوهم، وأما غير الشيخ سريع فقال: أما الشيخ سريع فلم يوافق مولانا عليه السلام وإنما وافقه الشيخ سعيد فقط، وكان مولانا عليه السلام يحسن إليهم ويعرف لهم ذلك، وهاجرا آخراً لما عم المشارق الجدب إلى مولانا عليه السلام وسكنا في ذلك الموضع وأنا أعرف ذلك.

نعم وقد كان أمراء العجم إذا خفي الإمام على عيونهم في شهارة يشددون في المحارس حتى أنهم يجعلون خيلاً يطوف في البطنة يقطع المواد وتطمع في مثلما وقع، وكفى الله شرهم [ق/236] لم ينالوا خيراً، ولما دخل الليل توكل على الله سبحانه وتعالى وقطع البطنة هو وأصحابه والحاجان، فوصلوا بعض قاع البطنة وأحسوا الخيل فانبطحوا على بطونهم حتى ذهبت، ومضوا ليلتهم، وكان قد سقط نعل مولانا عليه السلام فهو حاف إذ ذاك فشق به المشي، ولقد روي أنه قطع من ثيابه عليه السلام على أقدامه حتى أصبح عليه السلام في جانب القفاف من ظلعة النطاق فاختفى يومه وأمر إلى بعض البدوان وأرسل إليه فأضافه وأصحابه ما أمكن، [وكان قد مضى من الليلة القابلة] حتى قارب من حوث كما أخبرني الحاج الصالح علي بن سعيد الوادعي من أهل النحيد، قال: إنه وافق الإمام عليه السلام، وكان هذا الحاج من خواص السيد العلامة أمير الدين عبد الله رحمة الله عليه فانتهى إلى خارج هجرة حوث، وأرسل للسادة فوصل السيد العلامة عز الدين محمد بن علي بن عشيش رحمة الله عليه، وخواص من علماء حوث، قال: فتحدثا قليلاً ثم زودوهم ما أمكن ومضوا حتى أصبحوا قريباً من الجبل الأسود من بلاد سفيان فاختفوا هنالك حتى قرب الليل، وقربوا من الجبل المذكور وطلعوه قبل غروب الشمس فاحتطبوا في أعلاه حتى فعلوا حطباً كثيراً وفعلوا ناراً عظيمة، ويمينها أخرى أصغر منها وشمالها أصغر منها أيضاً، فكانت النار ثلاثاً، وهذه الثلاث النيران هي الأمارة لمن في شهارة حرسها الله من السادة الكرام وولده مولانا عز الإسلام نفع الله بهم جميعاً،

وقد قال لهم: إذا خلصنا الله سبحانه فسترون النار في ذلك الجبل على عددنا يعني الإمام وصاحبيه والدليلين، فلما صح لمن في شهارة حرسها الله النار أظهروا البشرى بسلامة مولانا وقطعوا بالنفس على شهارة واضطربت المحاط المحاصرة لشهارة من العجم وجنودهم، وعظم على العجم ذلك فخرجت لهم الزيادات من صنعاء ثم أرسلوا إلى بلاد حاشد وبكيل الأمير درويش، وصارت البلاد إليه في بلاد ذيبان وبني زهير، وأما المأمور لهدم البيوت فإنه حسين آغا في طائفة من العجم يسمون السيمانية كما أخبرني الشيخ صلاح بن قاسم الكلبي، وسمعت كذا من غيره لا علم له إلا خراب ما زاد على طبقة من كل بيت وتشددوا حتى ذلت القبائل ذلاً لا يعلم بمثله وقد أخذوا الرهائن من كل من يعرف له اسم فأحدهم يرهن رهينة على قبيلته، وآخر على أهل بلده، وآخر على إخوته وآخر على نفسه.

[إقامة الإمام في برط]
أخبرني الشيخ محمد [ق/237] بن حسن دشيلة الجبري من أهل وادي ذيبين، وكان من عيون بني جبر وأهل السبق في الجهاد أنها وصلت من مولانا عليه السلام رسائل فأقسم بالله لا وجدوا موضعاً يسترهم لقرائتها من شدة الخوف كيف بالعمل بمقتضاها، وقد تقدم {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ثم إن مولانا عليه السلام قطع بلاد سفيان، وكان قد مضه التعب الشديد وأكثر مسيره ليلاً وعلى غير طريق ومن غير نعلين إلا ما حمله أصحابه مع مشقة عليه وعليهم، وإذا برجل من سفيان معه جمل عظيم، وقال: هذا نذر له مدة ما وجدت من يوصله إلى مولانا عليه السلام فدلوه على الإمام فأعطاه إياه، وركب عليه مولانا عليه السلام حتى طلع طفة برط واستنهض أهل المشارق، فتثاقالوا عليه وقد خرج إلى شرق عيال أسد من شاظب وجهاتها كما سيأتي، وما كاد أحد من القبائل يقدر على رد الجواب من كثرة الظالمين والأشرار وذهاب كثير من الناس عن الله سبحانه، فأقام في مواضع من برط منها موضع يسمى حجار الضبع واحتفر فيها بئراً، وابتنى مسجداً وسمى الموضع الهجرة وهي قريب من ذو محمد بطن من أهل برط، وانتقل إلى موضع آخر يسمى رسب وادياً عظيماً وبقي قريباً من سنة ونصف وزوج ولده علياً من مشائخهم كما سيأتي، وخرج أمير من العجم من صعدة وأخرب مواضع الإمام عليه السلام، وخرج الإمام عليه السلام جهات المشارق وحصل عليه الخوف

الشديد فانقطع عن الناس وقد أخذ الترك أخذهم الله رهائن أهل برط فقل لذلك المعين، واشتد الخوف، وكان قد خرج إلى بلاد حاشد وبكيل قبل ذلك، وعاد ولم يجد ناصراً، وشهارة مع ذلك محتازة، فلما أيس من التفريج عليهم، واتفق معه ما اتفق مما ذكرناه عاد جهات المشرق كما تقدم آنفاً، فوصل التراب الأحمر فسمع الفقيه الأفضل عماد الدين يحيى بن محمد بن حنش رحمه الله يقرأ {يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}، وكان هو مفكراً في أمره فتفاءل بذلك وعاد إلى فيوش برط، واتفق في بقاه في تلك المواضع أنه أرسل الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض الأسدي إلى جهات خولان العالية، وقد طمع في إجابتهم لبقاء أعيان من العلماء والفضلاء عندهم في بدبدة، وكانت طريقه بلاد نهم، وكان قد دخل سنان لا رحمه الله إلى بلاد نهم، واستقر في موضع [ق/238] من أوديتها يسمى قفاج من أعمال عيال منصور، ولزم جماعة من مشائخ نهم وقتل آخرين.

وفيها اتفقت القضية المشهورة من الغدر بالحاج المجاهد شمس الدين رحمة الله عليه وذلك ما أخبرني والدي رحمه الله، قال: استقر سنان في الموضع المذكور، قال: وكنت أنا وعمي السيد الفاضل محمد بن عبد الله بن المنتصر رحمه الله مهاجرين في أعلى نصف في موضع منه يسمى الحنو من بلاد نهم وإذا قائل يقول لعمي: الحاج أحمد في جماعة يسيرة في بلاد القميحات مختفين، قال: فقال لي عمي: يا ولدي تعزم إلى عند الحاج على صورة لا يعرفك أحد وتحذره -وعلى ذهني أنه كتب إليه بقطفة غير موضحة اسمه- وقل له: يحفظ نفسه ويعزم ولا يقف وأكثر من التوصية، قال: فعزمت حتى وجدته في عنب في موضع من أعلى ضبوعة عند الشيخ محمد بن راصع القميحي وهو رفيقه، ومع الحاج شمس الدين رحمه الله قريب من العشرة الأنفار سمى منهم الشيخ محمد بن صلاح البحش الأسدي ومع الشيخ محمد بن راصع جماعة سماهم، قال: وكان الحاج يعرفني فأشرت إليه فقام إلي وأخبرته الخبر فقال: سلم على عمك كثيراً وقل له: الله خير حافظاً، وأخبره أن الإمام قال: إن ثم بطوناً تبغض أهل البيت ما رأينا منهم أحداً في نهم أو كما قال، [وها] نحن على ساق العزم في هذه الساعة إلى بلاد خولان وإنما نحن مستقربون لدنو الليل لأجل نقطع بلاد الشيخ هادي بن سالم النعيمي وجه ليل فإنه من الظالمين وممن نخافه أو كما قال، ولكن نذهب على حالتك هذه وتعيننا بهذه القطفة إلى سعيد الجعدي من موضع أسفل محطة سنان بينه وبين المحطة فوق الميل وتقبض منه الباروت والرصاص الوديعة وتلطف أنت ومن يحب الخير على إيصال ذلك إلينا إلى بلاد خولان، قال: ثم ودعته

وعزمت فلما فارقته بقدر بلاغ الصوت وإذا أولاد هادي بن سالم المذكور في نحو سبعين رجلاً عليهم السلاح الحسن، وقصدوا المضيق الذي يخرج منه الحاج، وكان بينهم وبين الحاج حاجز منيع فرآهم من عند الحاج فصاحوا، وسعى الحاج ومن معهم ليملكوا المضيق يقاتلون حتى ينفذوا وسعى المذكور كذلك، قال فلقد رأيت الشيخ محمد بن راصع يصيح بصوت يكاد أن تخرج نفسه معه من شدته وينادي أنه رفيق، وأنه معين فيما جرى، وكان معه جماعة ليسوا بالكثير يلحقون بعده، وكان هذا الشيخ محمد فيه [ق/239] شجاعة وقوة، لكنه بدين لا يقدر على السعي، فكان الحاج شمس الدين رحمة الله عليه أولهم وقد رآهم وعرفهم وعرفوه، ثم إن الحاج شمس الدين تقدم إلى المضيق [ولم يكن قد وصله أحد] حتى وصله فلان من أصحاب الشيخ الشقي فناوشه وهو يقول: لزيم يا حاج لزيم يا حاج، والحاج يصيح في رفقته فلم يعرف الحاج حتى قبضه الابن الثاني من أولاد الشيخ الشقي من ورائه، فقبض على وسطه وعلى الجنبية وقد صاح الشيخ محمد بن راصع بالشيخ المجاهد الباذل الشجاع المشهور صالح بن محمد حمران، وكان إذ ذاك لا يعرف في الجهاد وهو ابن أخت الشيخ محمد بن راصع، وقال فيما قال: يا صالحاه يا صالحاه عيبوا خالك، فوصل وطعن اللازم للحاج حتى أفلته من يده، وطعن الآخر ولم يموتا من تلك الطعنتان بل انتقمهم الله عقيبها بأسباب، أما أحدهما فقتله سعيد بن هادي بن الشيخ الشقي فإنه يعيب فيما جرى بالحاج، والآخر قتل في الجوف وهو الذي نهب بندق الحاج واسمه لا رحمه الله سعيد بن عامر ، والذي أخذ بندق الشيخ محمد بن البحش أكله حمل حتى هلك،

وكانت هذه من كرامات مولانا الإمام عليه السلام، ثم أدركه بعض ولد الشيخ محمد وغيرهم فهزموهم واستقام بينهم قتال عظيم حتى دنا الليل وسلم الله الحاج وجمل الشيخ محمد بن راصع، ومن هذه الوقعة انتشر ذكر الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران حتى كان يضرب به المثل ونأتي إن شاء الله بما أمكن من جمل أخباره.

[أخبار بلاد نهم]
واتفق في أيام هذه المحطة المخذولة قضايا، منها مغازي إلى بلاد نهم وكان الصوائح في تلك المدة من الظالم الشقي سنان لا رحمه الله على الفقهاء فيقتل من هو فقيه ولو اسماً أو يقرأ القرآن، وكان كثيراً ما يترصد لهم من جماعة العرب من أصحاب النقيب سعدان لا رحمه الله، وكان الفقيه الصالح نجم الدين الذماري [والد] القاضي الفاضل علي بن نجم الدين الضريمي بالضاد المعجمة سمي باسم قرية من بلاد نهم، هاجر إليها واستقر فيها حتى توفي رحمه الله، وكان هذا الفقيه نجم الدين ليس كولده، إنما هو خامل لا يعرف، وكان مختفياً عند رجل يسمى علي بن محمد الحداد من موضع يسمى العيضة بينه وبين محطة المخذول سنان لا رحمه الله نحو ثلاثة أميال إلا أنها يعني بلد المذكور في مضائق جبال فأتى بعض العرب أصحاب سعدان يسمى علي صميل إلى مكان الحداد، فوجد الفقيه نجم الدين فعرف أنه فقيه فأظهر [ق/240] له الأمان، واستقر عندهم، ثم طلب من الحداد ماء يشرب فقام الحداد ودخل بيته للماء والمكان خال في تلك الحال فما عاد بالماء إلا ووجد الملعون الشقي قد قتل الفقيه واحتز رأسه وحمله في خرقة وولى يريد المحطة، فلما رأى الحداد الفقيه بغير رأس أخذ سلاحه ولحق الشقي حتى أدركه قريباً من المحطة يراهم ويرونه وصاح به وهو لا يحتسب ذلك ونادى بأني معيب بالفقيه وزرقه، ثم تقدم فحز رأسه وأخذ رأس الفقيه أيضاً وعاد والصائح بعده فهرب بأولاده إلى شواهق أعلى من بيته، ووصلت العجم هدمت منازله وبلده وقطعوا أعنابهم وبقي مدة لا يستقر في موضع حتى هلك سنان لا رحمه الله وعاد

ففتح الله عليه الرزق الواسع والخير المتتابع، وأصلح الله بلده، وانفجر له غيل وضرب به المثل حتى لقد غرس البن في الشرق، وانتفع به، وهذا من بركة غضبه لله وانتصاره لهذا المظلوم، واتفق للوالد رحمه الله قضايا شبيهة بهذه وسلمه الله سبحانه وتعالى، وكذا غيره، ثم إن سنان لا رحمه الله قبض رهائن من نهم وأخذ طاعتهم وعاد إلى بلاد الظاهر، وكان حي السيد الطاهر العلامة الزاهد شرف الدين، وقمر الساجدين الحسن بن شرف الدين بن صلاح الحمزي رحمة الله عليه في ثلاء كما تقدم ، وله نهضات وحروب هائلة وحامية، وكان أعظم من ينتصب لمراكزته الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين من كوكبان فكانت الحروب عليه فوق سنتين ونصف في كلها اليد له وقد يقصدهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى بما أمكن من أخباره، فوصل هذا الظالم وشن الحرب مع الأمير المذكور ومن إليه من العجم على ثلاء وكانت أياماً كلها لم تقع على طائل فتأخر سنان إلى خمر من بلاد بني صريم، وسنذكر من أخباره إن شاء الله تعالى وحروب القبلة مع ما أمكن.

62 / 109
ع
En
A+
A-