وأخبرني الفقيه الصالح ناصر بن عابد الشهاري قال إن الإمام عليه السلام فرغ من صلاة الجمعة وهو في ميدان شهارة فذكر له الربخي فقال: اللهم عجل نقمته وكذا من الدعاء قال: فما والله [ق/224] أمسى عليه تلك الليلة حتى قال فلان من أصحابنا ما أظن هذه الدعوة صعدت إلى السماء بل أخرجها الله إلى هذا الفقيه الشقي، وذلك أن الإمام عليه السلام بقي إلى بعد العشاء الآخرة ورأى فوانيس وشمعاً خرجت من مكان ابن المعافا إلى جبل ذري فحصل مع الإمام ومن عنده الشجن وظنوا الظنون وخافوا على مواضع من شرق شهارة الفيش، قال: وكان في حي صنوه الفقيه صلاح بن عابد قوة ورجالة، وكان بينه وبين ابن المعافا معرفة ويوهم أنه عين له على الإمام عليه السلام وهو للإمام عليه السلام فيأخذ لذلك الإمام كثيراً من أخباره، فقال للإمام عليه السلام: أتأذن لي يا مولانا آتيك بخبر هذه الفوانيس والحركة؟ قفال: نعم فذهب إلى منزله وأخذ عشاه وعليه قطيع لحم وأخذ معه من حائط له بقلاً ثم جعله في خرقة وغير هيئته وهو من أهل المكان، وخرج على أنه يطوف على الحرس على عادته، ثم خرج إلى محطة أهل كوكبان وعليها الشيخ عبد الله الرواس فلا زال يتلطف لدخوله محطتهم فوجده سامراً في خواص من أصحابه وكان يعرفه ويوهمه كما ذكرت من أخباره مع ابن المعافا، قال فسأله كيف كان الوصول إليه مع شدة الحرس، فذكر أخباراً فيها شدة اختلاس وقوة مراس والموجب للوصول أن بيني وبينك كذا من الصحبة وقد أرسل الإمام عليه السلام جماعة يكمنون علي الغيل حين يخرج أصحابك للإغتراف فيقتلونهم وخشيت اللوم وكذا، فشكر له وصدقه،
وقال: رأيت حركة في محطة الأمير وشموعاً وكذا فحصل معي أيضاً شجن ماهي؟ قفال : لا شجن إنما هو الفقيه الربخي كان في حضرة الأمير قبيل صلاة العصر فحدث معه ورم في بطنه وخرج معه شيء ووجع هائل (بحيث أنه أنتن ريحه من حينه فأمر من يوصله بيته المحراب فحمل بعد المغرب) وهلك، وقد تقدم في الكرامات تفصيل هذه من رواية السيد أحمد نفع الله به.
قال الفقيه صلاح: فعلمت أنه أصيب عقيب تلك الدعوة وكان مصداق ما قاله فلان من أصحابنا أنها لم تصعد إلى السماء، فرجع الفقيه صلاح في الليل فأمر جماعة يكمنون على الماء لأجل يراهم أهل كوكبان فيأمنوه لمثلها، ورجع إلى الإمام عليه السلام فأخبره الخبر فحمد الله سبحانه على هلاك المذكور، وفيما بين هذه الأمور منها أن الإمام عليه السلام أمر بصنيعة عرادة وكملت على أحسن ما يكون فخاف الذي اصطنعها [ق/225] العواقب فغيرها وبعث في أيام حصاره رسائل إلى المسلمين يستدعي غارة فلم يقدر أحد أن يقرأها فضلاً أن يعمل بها.
قال الشيخ محمد بن حسن دشيلة الجبري وغيره من مشائح بني جبر: وأنا أسمع أنها وصلتهم قصيدة السيد الإمام الزاهد صلاح الدين صالح بن عبد الله الغرباني المعروف بابن مغل عادت بركاته إلى بلاد حاشد وبكيل وهو إذ ذاك في محروس شهارة محصور مع الإمام عليه السلام في جماعة من علماء الآل الكرام وشيعتهم الأعلام كما سيأتي بعض تعدادهم وهي هذه:
ألا هل إلى نيل العلى من يساعد .... وهل لحسام المجد كف وساعد
وهل بقيت للمسلمين حمية .... إذا هي قد ذلت بكيل وحاشد
أفيقوا عباد الله من غشواتكم .... فليس سوى قاعد ومجاهد
إمامكم المنصور قد أحدقت به .... طوائف أهل البغي كيف التقاعد
ترون سحاب الروميات وبرقها .... وما برحت منها تحن الرواعد
وأنتم وقوف في البيوت كأنكم .... بهائم ترعى أو نساء قواعد
تحاليتم أكل العصيد وربما .... تقب عليكم أن ونيتم عصائد
أترضون هذا في إمام زمانكم .... وفيكم علي عهد حماه أماجد
نسيتم عهوداً طوقت في رقابكم .... وخابت ظنون فيكم وعقائد
جحدتم جميلاً منه والحق شكره .... فما شاكر عرفان كمن هو جاحد
وإني لأخشى إن تطاول حربهم .... تقطع رؤوساً منكم وسواعد
ولا تأمنوا كيد العدو فإنه .... له ظغن في قلبه ومكائد
أما فيكم من غاضب لإلهه .... يعيد الذي كانت عليه العوائد
فيا حاشداه بل يا بكيلاه ما لكم .... تقاعدتم والخاذل المتقاعد
أما آن أن تحموا بقية أرضكم .... وأن تتواصوا بينكم وتعاقدوا
وتتبعوا ما أسستته جدودكم .... فهم ناصروا آل الرسول وعاضدوا
وأثنى عليهم بالذي هم أهله .... فكم دونت بالمدح فيهم قصائد
وقد كنتم في الابتداء أهل سطوة .... لكم سطوة تنهد منها الجلامد
تعالوا إلى نهج سوي ومشرب .... هني فقد طال الجفاء والتباعد
[ق/226]
ولا تخذلوا المنصور وارعوا حقوقه .... فهو حجة لله فيكم وشاهد
أما قرعت أسماعكم من شهارة .... بنادق لا تنفك منها تراعد
وفيها من الآل الأكارم سادة .... لهم شيم مرضية ومحامد
بهم يهتدى في المعضلات ويقتدى .... ويستدفع المكروه ممن يعاند
ومن عسكر المنصور كم من سميدع .... ملاحمهم قامت عليها شواهد
وأنصاره أهل الشهارات والأولى .... تخلوا عن الأوطان ثمت جاهدوا
تراهم إذا ناداهم صارخ الوغى .... صقور إلى حوماتها يتواردوا
وإن أمطرت فوق الخصوم رصاصهم .... يفلق هاماً منهم وقماحد
حمى الله بالآيات من في شهارة .... ونجاهم من مكر من هو حاسد
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى .... وتنحل إلا منك عنا الشدائد
وخص دعائي بالقبول لأنني .... على كل حال شاكر لك حامد
أغثنا أغثنا يا كريم بنصرة .... تبدد شمل المعتدي وتباعد
وصل على المختار ما ذر شارق .... وعترته الأخيار ما خر ساجد
قال: فاجتمعنا بجماعة من الفقهاء ينظر موضعاً يقرأها فيه ولما وجدناه وقرأناها بكينا كثيراً وإذا بفلان يتخلل الناس حتى وقف علينا فأخرج قصيدة مع رسالة من السيد العلامة الحسن بن شرف الدين عادت بركاته في حصن ثلاء وهي هذه:
أمثلكم يطيب له منام .... ويهناه الشراب أوالطعام
ويضحك ضاحك عجباً ولهواً .... حرام ذلكم منكم حرام
وكيف يلذ للأحرار عيش .... وسوح ثلاء تغاوره الطغام
وشرد ساكنوه بكل نجد .... وأعقبه به بوم وهام
فحيناً من نغاش الترك يغزو .... وأحياناً تغازيه شبام
أحصن ثلاء حماه الله يرضى .... بأن يعلوه قهراً واهتضام
ومولانا الإمام له جنود .... يضيق السهل منها والأكام
وسادات الأنام بكل قطر .... لكم منهم جيش لهام
فصح فيهم واسمع إن أجابوا .... ونبههم إذا ما هم نيام
[ق/227]
وقل أحباءنا كم توعدونا .... أما يرجى لموعدكم تمام
فيا أنصار مولانا قعدتم .... فلا يرى لقعدتكم قيام
غفلتم بل رقدتم ثم نمتم .... فكم ذا تغفلون وكم تناموا
أجدوا في الجهاد فقد دعاكم .... إمام ما يقاس به إمام
إمام من بني المختار طابت .... أرومته وأنسله كرام
وبدر من بني الزهراء تجلى .... فزال بنور غرته الظلام
فنحمد ربنا إذ قام فينا .... ألاح السر وهو بنا غلام
فجزاه الإله جنان خلد .... يحيا حين يدخلها سلام
وتفرق الأعوان، وقل المعوان، قال الشيخ سعيد بن راشد القميحي النهمي رحمه الله: فما كان نجد في القبيلة بيتاً واحداً أو اثنين ممن يحفظنا من شدة الخوف حتى أنكرتنا المعارف، وفرقتنا المخاوف، وتطير بأهل الحق الجاهلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
قال الشيخ محمد بن حسن[دشيلة]: فما قدرنا على غير البكاء والله المستعان، ثم كان ما كان من تسليم حصن ثلاء وقد تقدم حصن مدع وعفار، وكان في حصن عولي سيدنا العلامة المهدي بن أحمد الرحمي أحد مشائخ مولانا عليه السلام فغلبه الرتبة وهم من أهله كما رأيت منقولاً من خط الإمام عليه السلام، وتعنتوه وطلبوه خطاً من الإمام عليه السلام أنهم يسلمون الحصن وأنهم أهل الوفاء، وعرف الإمام ذلك وفعله لهم لخلاص القاضي المهدي رحمه الله ولا أدري أين صار رحمه الله بعد خروجه من الحصن المذكور.
قال السيد أحمد بن محمد نفع الله به: ولم تحصل للفقيه السلامة إلا بعد وضع الإمام عليه السلام لوالي الحصن الذي كان تسليم الحصن على يده وهو من بني القدمي كتاباً أنه طيب في الإمام ففعل له الإمام عليه السلام تفادياً للفقيه المذكور ولغيره من المؤمنين من الهلاك، وهذه صورة الكتاب:
ليعلم الواقف على هذا المسطور أنه إذا انسلخ شهر رجب الأصب من سنة ثمان وألف سنة،[1599م] ولما يمن الله سبحانه بالفتح من عنده فقد أذنا لمشائخ من بني القدمي وأصحابه من ولاة حصن عولي وكذا السادة الساكنون معهم أن يصالحوا على أنفسهم إذا خافوا على أنفسهم التلف وهم أهل الطيب والنقاء والصدق [ق/228] والوفاء، ولنا من ذلك عوض من الله وخلف، والله متم نوره لو كره الكافرون. انتهى بلفظه.
وأما سيدنا المهدي رحمه الله فاعتقله الأمير أحمد بن محمد في كوكبان وبقي مع أولاد الإمام عليه السلام والسادة ثم أخرجه إلى الأهجر، وتوفي بها رحمة الله عليه.
[رسالة الإمام إلى السادة والفقهاء لحثهم على الجهاد]
وللإمام عليه السلام رسائل لا تحصى كثرة، وقد جمع منها مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه كثيراً، وبقي الأكثر لم يكتب لطول المدة وتفرق الرسائل في البلاد، منها إلى السادة والفقهاء وأهل العلم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكرناها هاهنا، وإن كان أنشأها في السودة لمناسبتها نهاية الشدة عليه صلوات الله عليه، وهي هذه:
كتابنا هذا إلى المعترين إلى المعرفة والدين من السادة والشيعة وسائر الفقهاء من أمة محمد صلى الله عليه وآله، أما بعد:
حمداً لله المفترض حمده، والنافذ حكمه، والواجب امتثال ما أمر به ونهى عنه، والصلاة والسلام على سيد البشر وآله الغرر، والسلام على من اتبع الهدى، وتجنب طرق الغواية والردى، فإنا قد دعونا هذه الأمة إلى سبيل الرشاد، وإلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، فنظرنا في كثير ممن يعتزي إلى المعرفة والعلم يقر بوجوب طاعتنا بلسانه ويخالفنا في جميع ذلك بفعاله، لا يجاهد في الله بنفسه ولا بماله والله يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ....} الآية، ويقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ...} الآية، ومعنى قوله: (كتب عليكم القتال): أوجب وحتم وألزم، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تقتضي الوجوب عقلاً وشرعاً ولغة؛ لأن العقل يقضي بوجوب امتثال أمر المالك المنعم على الإطلاق وهذا منه، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ولأن العرب تؤدب من لم يمتثل أمرها ونهيها، ويعتدون في التأديب بأمرهم ونهيهم، وما ذاك إلا لأنه يفهم ما ذكرناه من لغتهم.
فإن قلتم: إنه فرض كفاية وقد تكاثرت العساكر المنصورة وهي تقوم بذلك.
قلنا: كيف نقوم بذلك والأعداء خذلهم[ق/229] الله وأقمأهم كما عرفتم لا نستطيع على استئصالهم وأخذهم مع تفرقهم في المدائن والله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، ألستم تعلمون أنهم صاروا يصولون في حدود البلاد، ويكثرون فيها الفساد، ويسفكون الدماء، والمجاهدون من ذلك في تعب وعناء، وأنتم تتلقطون الأخبار من جهتم كأنكم غيرمخاطبين، ولا بالجهاد مكلفين، ورضيتم بالقعود مع الخوالف، لا تحملون سلاحاً، ولا نرجوا منكم فلاحاً، ألا ترون ما فعل بمدينة الطويلة وهزم وغيرهما.
فإن قلتم: إنا لم نلزمكم بذلك، فهذا غاية المكابرة لأنا لم نزل نطلب الناس للجهاد من كل أوان، وهانا ذا الآن أقول لكم: أنا مطالب لكم في كل لحظة وعند كل فريضة القيام بالجهاد، فإن قلتم: إنا لا نجدسلاحاً فأعطنا سلاحاً، وعلينا الجهاد، قلنا: إن الله يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ...} الآية، وهذه الآية تقضي بوجوب كسب ما استطعتم من السلاح فمن استطاع كسب الخيل وجب عليه ذلك، ومن استطاع كسب البنادق وجب عليه ذلك، وعلى كل امرئ ما استطاع، فإن قلتم: إنا معاشر السادة والشيعة والفقهاء فينا الضعف، قلنا: وبالله التوفيق إنا نراكم بخلاف ذلك والله يقول: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ} ، فإن قلتم: إنا نخاف على من ورائنا الضياع إن اشتغلنا بذلك، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)) ، قلنا: وبالله التوفيق إن الله وعد من امتثل أمره واتقاه وتوكل عليه بالرزق واليسر والكفاية، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ}وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} ثم إن الله تعالى وعد عباده مع الهجرة بمراغمة الأعداء والسعة قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ