وأما السيد عبد الله ومن لديه من الأهنوم فإنهم أحربوا وقتلوا كثيراً من العجم، جنود المحروم عبد الرحيم ولم تتصل بهم الغارات وقل عليهم الطعام، ولقد أكلوا بغلاً للسيد عبد الله رحمه الله، ولما طال حصارهم على عبد الرحيم لارحمه الله، وقد رأى كثرة الجموع في جانب الظفير ورأى ما حصل على المصنعة فخاطبوه بالصلح، وأنه يفرج لهم يخرجون ويسلمون له الحصن ففعل لهم أماناً، وكان معه الأمير أحمد الأخرم من العجم وغيره، واشترط السيد ومن معه ضمانة العجم، وكان أركن إليها وآنس من الأمير المذكور، وكان عبد الرحيم وأصحابه في جانب والعجم في جانب وقد شرط لهم عبد الرحيم أن طريقهم عنده ولاعلم لهم بما هو مضمر فاتفق أن أمير العجم كره العيب، وقال: لا أرضى بالعيب والغدر، وأرسل إلى السيد أني أبرأ ممن كانت طريقة جانب عبد الرحيم فخرج السيد ومن إليه ليلاً من العجم وألصوا الفوانيس فأمرهم الأمير الأخرم بتطفيتها ووفى لهم وخرجوا سالمين والذي خرج من جانب عبد الرحيم غدر به وقتل جماعة من المسلمين بعد الأمان وصارت حجة عليه، ثم أرسل صنوه محمد بن عبد الرحمن وكثيراً من أمراء العجم فاستولوا على بلاد الشرف، ولهم أخبار سمعت جملها وذهب التفصيل وصار مولانا الإمام محمد في حصن الظفيرمع مشائخ الظفير، وعبد الرحيم يدبر الحيل عليه وعليهم فلم يقع على طائل وقد راوحتهم الغارات وباكرت، وفي بعضها وقع فيه صائبة رصاص في لحيته وذهب منها بعض أضراسه، وروي أنه لا رحمه الله اختفى [ق/219] وأظهر أنه قد مات وأنه أوصى أن يدفن في الظفير عند الإمام شرف الدين سلام الله علية وحمله
أصحابه لعله يدخل باب الحصن للفتك به، وكان له غدرات حجاجية قاتله الله وأرجعوه من قرب الباب وخيب الله أمله، هكذا سمعنا من غير واحد.
وأخبرني بعض من كان في جنوده أنه فعل التابوت المعتنى به على قبر الإمام شرف الدين عليه السلام فشع أنه فعله مكيدة فأرجعوه -والله أعلم- وبقى مولانا الإمام محمد في الظفير أياماً وحصل من أهل الظفير الملل من الجهاد وخافوا على أطيانهم واستهلاك منافعهم، فصالحوا على أنفسهم وجرى خطابهم إلى الأمير عبد الله بن المطهر بن الإمام شرف الدين وأخرجوا مولانا محمد على حالة محمودة فاتصل بوالده عليه السلام، وسمعت أن في طريقه إلى والده عليهما السلام لحقه مشاق خفي علي تفصيلها وسلمه الله تعالى كيد الكائدين، وعداوة المعتدين، والحمد لله رب العالمين.
ومن فروع هذه الجمل أخبار بلاد حراز فإنا قد ذكرنا إستيلاء أهل مسار على حصنهم كما تقدم مع السيد محمد بن علي القراع وحفظوه من العجم ومن الباطنية وحاربوا دونه وأجابهم حلفاؤهم من الزيدة والشافعبة، وتغلب على العجم مع اشتغالهم بأطراف المغارب كريمة الريمي وما إليها وبلاد حراز وبلاد برع وما إليها، وكذا بلاد الحجرية ومشارق اليمن ويافع حتى فرغوا من أعمال القبلة وفتحوا بعضاً وبقى على الامتناع بعض كما سيأتي إن شا الله تعالى في أخبار مسار وما يتعلق به.
[وقعة اللطية]
فصل: ولنعد إلى أخبار الإمام الزاهد شرف الدين بن صلاح الحمزي رحمة الله عليه قد ذكرنا كيفية استيلائه على الحصون، ثم استقراره في حصن ثلاء، وكان الحرب بينه وبين العجم وكوكبان فيما بلغني نحو ثلاث سنين، وكان رضوان الله عليه محبباً إلى جميع المسلمين فضله معروف، وعلمه موصوف، وكرمه مألوف، وكان قبل قيام مولانا عليه السلام كما قال الإمام المنصور بالله عليه السلام في السيد الإمام عماد الدين يحيى بن علي السليماني رحمه الله تعالى:
فلو يحيى دعا قدماً إليها .... لكان بها إماماً للإمام
وكان مجاب الدعوة، ويسعى السعاة في كثير من بلاد الزيدية لاسيما مغاربها [ق/220]، وكان قد قبضه الترك أخذهم الله وحملوه إلى صنعاء قبل الإمام عليه السلام لما اشتهر من فضله وكثر عند العامة والخاصة ذكره فخافوه فضمن عليه الأتراك بني الحسن أهل كحلان وبقي إياماً ثم هاجر إلى الظفير، وبقي أياماً مقصوداً للقرى والإقراء حتى قام الإمام عليه السلام فخرج من الظفير إلى كحلان، ولما قام الإمام عليه السلام خرج من كحلان إلى بلاد بني جيش وكحلان كما تقدم.
وأخبرني بعض أصحابه أن عدة عسكره الذين صبروا معه [ألف ومائتي نفر] ، وكان يأتي لهم المدد من كل جهة حتى أيس منهم الظالمون، وعاد سنان لا رحمه الله إلى بني صريم كما تقدم وأهل كوكبان يحاربونه ومن عندهم من العجم اليد له في أكثرها عليهم، وكان معه من العيون الحاج الفاضل أحمد بن علي بن دعيش الغشمي والفقيه علي بن محمد الشهاري عمدة في الجهاد كثيراً ما يمده ويحضر معه ،وكذا السيد الرئيس الهادي ابن الحسن بن الإمام شرف الدين الكحلاني وانقلب على عقبه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقد تقدم من أخبار السيد العلامة أحمد بن محمد المحرابي رحمه الله تعالى فكان هؤلاء يمدون ثلاء ويحضرون أكثر حروبها حتى استشهد السيد أحمد وما حصل بعد ذلك مما تقدمت الإشارة إليه، وامتحن رضوان الله عليه في وقعة باب اللطية وهي أنه زحف إلى حوالي الضلع بجموع كثيرة ولم يحصل من بعضهم وقوف على تدبيره النافع، بل تقدموا وجعلوا شاهق الحيد وراء ظهورهم فحصل تخاذل بعد أن كانت اليد له في أول النهار، فحمل الأمير أحمد بن محمد في نحو خمسمائة فارس، فانهزم المسلمون فقتل منهم نحو مائة نفر، أو يزيدون أو ينقصون، وبعضهم هلك من التردي من أعلى الجبل {الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}.
قال السيد أحمد بن محمد نفع الله به: إن هذه الوقعة ثاني مقدم السيد أحمد بن محمد المحرابي إلى حضور وذلك أن السيد المجاهد حسين بن علي [سحلة] رحمه الله كان قد أرسله السيد عامر رحمه الله إلى بيت منعين في عسكر كثير فقصده ابن شمس الدين ووقع الحرب بينهما في ضلع بكر فأغار إلى السيد حسين على عسكر من أصحاب الإمام عليه السلام الذين في حضور فوصلوا إلى موضع يسمى اللطية، والتفت ابن شمس الدين عليهم وأحربهم وترك أهل بيت منعين فانهزموا فقطعهم الخيل فقتل منهم وجعل في ذلك بياضاً، والرواية التي في الكتاب من السيد [ق/221] علي بن المهدي والشيخ عبد الله الحارثي والفقيه صلاح البريشي وغيرهم من الثقات، وذكروا فيها من الأعيان كثيراً مع السيد الحسن نفع الله به والسيد أحمد منهم، والحاج الفاضل المجاهد أحمد بن علي بن دغيش وغيرهم من العيون لعل في الرواية سهو وإلا ما في الكتاب أظهر وأشهر من غير واحد، واستمر على ذلك حتى انحاز مولانا عليه السلام في شهارة المحروسة بالله وبقي على حالته حتى خرج مولانا عليه السلام من شهارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وله مكاتبات إلى مولانا عليه السلام وجوابات مشحونة من الحكم والعلوم الدينية وبعد غور،ٍ ودهاء، وصبر، في الأمور الدنيوية رحمة الله عليهما، وسمعت من جماعة من أصحاب مولانا عليه السلام أن سبب الظهور عليه في حصن ثلاء على يد الفقيه أحمد الدعاني من بلاد عيال يزيد وأنه كان من أصحاب مولانا الإمام عليه السلام، وكان متاخماً له ويعرف كثيراً من مكاتبته فغرته هذه الفانية وصار إلى سنان لا رحمه الله على يد بعض
مشائخ الظواهر فقال وقد ذكروا إياسهم من الحرب على ثلاء: أنا أدلكم من أين مدد السيد الحسن وكيف حاله وعمد المغور إلى قرطاس وسود خطاً على لسن مولانا عليه السلام إلى السيد الحسن، وعلم علامة مولانا عليه السلام، وفي ذلك من الخط وشبهة والعلامة الشريفة وشبهها، واللفظ والأغراض التي لا يعرفها إلا الخواص، وأرسل للسيد الحسن رضي الله عنه بشيء من الإمام، وفي الكتاب أخبار عامة وخاصة وأنا صرنا في سجن عليكم فتعرفنا كيف أموركم والحصن المحروس بالله أو كما قال، فأجابه السيد الحسن وأخبره بمن يمدهم ومن يواصلهم وإنما عندهم شيء مدخر إلا ما حصل من المحبين أو كما قال، فلما عرف سنان لا رحمه الله، وكان في خمر تجهز مغيراً إلى ثلاء وأحاط به من جميع أقطاره وانضم إليه الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين ومن إليه من كبراء دولته حتى منعوا على السيد عادت بركاته المواد فدافعهم وجرت حروب كثيرة حتى عرف رضوان الله عليه عدم صبر من عنده فجرى الخطاب على تسليم الحصن وأمان من فيه، وخرج السيد إلى كوكبان إلى نظر الأمير أحمد بن محمد، وأما أصحابه فلهم سلاحهم والأمان إلى بلادهم وتقررت الأحوال وصار السيد الحسن إلى محطة الأمير أحمد بن محمد وعظموه فأراد سنان لا رحمه الله أن يصل إليه فلم يتمكن من ذلك لتوسط الأمير المذكور.
وأخبرني بجملة هذه غير واحد من أصحاب الإمام عليه السلام وأن السيد الحسن سلام الله عليه كان في خيمة عند خيمة الأمير أحمد بن محمد [ق/222]، وعنده الرسم الموكلون بحفظه فلم يشعر إلا بالمخذول سنان لعنه الله في جماعة من خواصه فارتاع لذلك الأمير أحمد بن محمد وأصحابه وظنوا منه الغدر الذي هو أهله فقال سنان لا رحمه الله ما معناه: على رسلكم إنما أريد أنظر إلى صورة هذا السيد فلما رآه وخاطبه أجابه السيد بكلام صحيح مستقيم، وخفى على حالها تحقيقه، ثم أرسلوه ليلاً إلى كوكبان خوفاً من الغدر ولما صار إلى كوكبان طلبوه يقيدونه فانكسر القيد الأول ثم الثاني والثالث لزمه السيد عادت بركاته بيده الطاهرة فبقي لم ينكسر وبقي في حصن كوكبان حتى وصل مولانا محمد بن أمير المؤمنين والسادة الكرام المذكورون في أخبار شهارة المحروسة بالله فإنهم خرجوا من شهارة بعد تسليم حصن ثلاء بنحو عشرة أشهر وانضم إليهم.
[أخبار بلاد الشرف]
وأما بلاد الشرف فقال السيد أحمد بن محمد الشرفي نفع الله به ما معناه: أن الإمام عليه السلام بقي حافظاً لجانب شهارة بعد الخروج من السودة أياماً وتحركت جنود الظالمين لدخول بلاد الشرف ودخلوها من جهة حجة، وكان السيد نفع الله به واليها كما تقدم.
قال رضي الله عنه: ولم يكن معه من العسكر من يضبط بهم أطراف الشرف لاتساعها وعظم الأمر، وأرسل الإمام عليه السلام بغارة مع الفقيه علي بن محمد الشهاري واجتمع بالسيد أحمد عادت بركاته وقد طلع الشيخ زاهر بن عرجاش وغيره من مشائخ الشرف إلى الإمام عليه السلام وطلبوه أن يمدهم بولده مولانا محمد عادت بركاته فأجابهم عليه السلام بإرساله معهم ولم يحصل طائل إلى مراكزه أياماً، وعادوا إلى الإمام عليه السلام، ودخل الظالمون الشرف، وبعد ذلك أرسل سنان لعنه الله الشيخ مجلي بن صلاح بن وهان العذري وكان معه في الاعتقال فاسترضاه وأرسله للفساد علىالإمام، وصار في الصرارة من عذر مع عسكر من الظالمين فأرسل الإمام عليه السلام لمحاربته السيد الفاضل شرف الدين الحسن بن محمد المحرابي مع عسكر منصور، فحاصروه أياماً وقتلوا من أصحابه أنفاراً وأتوا به وبباقي أصحابه أسرى، فأمر الإمام عليه السلام بهدم الصرارة فهي إلى الآن، والحمد الله رب العالمين، وقبض على المفسدين إلى شهارة المحروسة بالله وأعطى الأمير الحسن بن ناصر الغرباني بغل الشيخ المذكور.
[حصار شهارة]
فصل: ولنرجع إلى تمام رواية الشيخ [ق/223] ناصر بن عبد الملك وأنه لما طلع جنود الظالمين من وعر أسفل وادي أقر، قال الشيخ المذكور: فلما عاد من كان عند مولانا عليه السلام وهو حينئذٍ في الحبس من شرقي فبقي الإمام عليه السلام ينظر ما زحف إليه من العجم والعرب وكأن الأرض تميد بهم، وسماع أصوات المرافع والطبول وغيرها تصك الأسماع، قال: فرأيت الإمام عليه السلام يهتز ويقلقل سيفه ويقول فيما بين ذلك: شهيد كزيد بن علي إن شاء الله وارتفع صوته بذلك، قال: فقال جماعة من أصحابه: في بقاك نفع عام وكذا، ثم لا زالوا به حتى تعلق بشهارة، ووقع وقعة مع ذلك في وادي من غربي سيران قتل فيها جماعة من المسلمين وفي غير ذلك أقل فيما سمعت جملته، وقد قامت المراتب أياماً مع السيد العلامة علي بن صلاح العبالي بجانب الغربي والسيد عبد الله بن محمد المحرابي بالأبرق، ثم المسارحة والسيد العلامة صالح بن عبد الله في الهجر واستعد للحصار، وصار الأهنوم إلا القليل إلى الأمير عبد الله بن المعافا وأطلعوه إلى نجد بني حمزة ورتبوا على شهارة المحروسة بالله الحصار حتى أحاطوا بأقطارها وألبوا العرب مع العجم على حصارها، والإمام عليه السلام يحاربهم بمن بقي معه من أهل الصبر والهجرة، وفي أكثرها اليد له عليهم، وكان جعل مراتب في مواضع وجعل الحرس ثم من يطوف عليهم بالنوبة، وله ولأصحابه أخبار طريفة، وجعل بعض أهل شهارة الفيش لأجل التنقل إليها للإحتياط والتماس الحفيظة وأنه غير مكترث وإنما يطوف على أهله، وكان بينهم قوماً ممن معه بمسارة ابن المعافا كما أخبرني السيد
جمال الدين علي بن محمد الغرباني عافاه الله أن الشريف صلاح بن محمد الغرباني لما أخذ المال من سنان لا رحمه الله على الفتك بالإمام عليه السلام في السودة وخاف من العجم تعلق بمولانا أيده الله كالعائذ به، وصار معه في شهارة فأراد الإمام عليه السلام وقد عرف بقاه على أنه أعظم من حاله الأول، قتله وأراح المسلمين من شره فلم يحصل إسعاد وخاف لا يكون بسببه وحشة وافتراق كلمة فحبسه، وكان الفقيه عبد الله بن علي الربخي المحرابي من خواص مولانا عليه السلام فصار إلى ابن المعافا ولم يدخل مع الإمام عليه السلام في شهارة.