قال الفقيه أحمد بن يحيى الأكوع: إن عدو الله بعد أن فعل ما هو أهله بالسيد عامر رحمه الله وسلخ جلود أنفار من أصحابه كما تقدم وغيرهم، وغزا إلى خيار فقتل كثيراً، منهم الفقيه هادي بن حدقة قتل أولاده وحملوه رؤوسهم إلى حمومة، ثم سلخوه لعنهم الله فهابه الناس وواجهه كثيرون رهبة وقد تقدم ثم عاد إلى رجام من أعمال ذي مرمر يعني سنان لا رحمه الله، وذلك أن مقدمات الحاج شمس الدين وأهل المشرق ضيقوا على صنعاء، قال: وعاد لفتح ثلاء ثم صعد إلى كوكبان وخلعوا على الأمير عبد الله بن المعافا وجلعوه أمير الأمراء وأقطعوه بلاده وغيرها وجهزوا معه أمراءهم من العرب والعجم وجعلوا على الجميع الأمير المسمى ذي الفقار وجعلوه مع الأمير ابن المعافا وتدرك لا رحمه الله بلزم الإمام عليه السلام ومحاصرته في شهارة وكذا، وأعطوه الأموال، وجمعوا معه الرجال من العرب والعجم، وقد قتل سنان لا رحمه الله جماعة في هذه الوقعة بعضهم صبراً، منهم السيد عبد الله المؤيدي وقد أمنه ابن المعافا وغيره، والفقيه الفاضل الصالح [......] الآنسي قال: لا نفر عن إمام الحق والدفاع عنه فثبت يجالدهم حتى قطعوه رحمة الله عليه، ورأيت خطاً للحاج الفاضل المجاهد أحمد بن عواض رحمة الله عليه بعد هزيمة الإمام عليه السلام من السودة فيه طول، ويذكر أنه قد استحيا من كثرة معاودة ما أودعه فيه من النصيحة وسأله بالله العظيم أن يفعل ما نصحه أو يرجع له خطه، فكان الجواب عليه في ظهره ما لفظه:
الحمد لله وحده، المنصور بالله إن شاء الله بلغ كتابكم والله يتحفكم بشريف السلام، ويحققنا جميع ما ذكرتم وجمعنا قبائل عذر والأهنوم وظليمة، وطلبنا منهم أيماناً وقواعد فعلوه وافترقوا لنا ألف رجل وثمانمائة رجل وجميع البنادق همة تشبه الهمة الأولى والله متم نوره ولو كره الكافرون، وتأهبوا أنتم ومشائخ بني عمران [ق/214] وقبائلهم ووادعة وغيرهم إلى وادعة وبني مالك أو أي الأماكن تفعل عليهم قواعد مثل ذلك، ونتفاوض نحن وأنتم ونبني على ما هو الأصلح للمسلمين إن شاء الله تعالى ولا تشجنوا من رجوعنا من السودة إنما أراد الله بذلك هلاك الظالم الغشوم ومن يتعلق به وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، بعد شريف السلام هذا لفظه بخط يده الشريفة.
وفي كتاب الحاج طول وذكر أن الإمام يجعل على بلاد الأهنوم وغيرها أحد السادة ثم تقدم المشرق فهو خال عن الظالمين، ويقدم الفضلاء والأنصار ويكون ظهرهم في جهات المشرق مخافة مما وقع، وسمعت من حي مولانا المؤيد بالله سلام الله عليه أن الإمام عليه السلام تكلم في الناس وشددهم بعد هزيمته من السودة وذكر من كلامهم كثيراً.
قال السيد أحمد نفع الله به ما معناه: وبعد رجوع الإمام عليه السلام من السودة وقد وصل الحاج المجاهد سيف الإسلام أحمد بن عواض رحمه الله ومشائخ خولان العالية إلى معرجة من جاسف يلتمسون مسير الإمام معهم ويقاربون صنعاء بالحرب فلم يسترجح الإمام عليه السلام ذلك ودافع عن بلاد شهارة كما سيأتي في أخبار الشرف وغيره.
[موالاة وادعة للإمام]
ولما استقر سنان لعنه الله في حمومه، وكانت قضية السيد عامر رحمه الله اختلت بلاد الظاهر على الإمام عليه السلام وكذا غربان، فأرسل الإمام عليه السلام إلى وادعة بعد محاورة وعطاء كثير لكبارهم وطلب منهم الإجابة فأجابوه، وطلع إليهم السيدان العالمان الفاضلان صالح بن عبد الله الغرباني، وعلي بن صلاح العبالي واستقام لهم وادعة أياماً وأخربوا محطة للعجم في بهمان عليها الأمير عبد الله بن مطهر بن الإمام شرف الدين، ثم غلبهم عليها جنود الظالمين ثم في خلال ذلك والى غربان جانب الحق فأرسل إليهم الإمام جماعة من أصحابه فيهم الشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير، واستقر فيهم ليالي، وقصدهم الأمير عبد الله بن مطهر أيضاً فانهزموا من غربان مع تلازم الحرب وسلمهم الله تعالى، ثم توجهت المحاط المخذولة إلى جهات ظليمة فدافعهم جنود الحق بعض دفاع ثم طلعوا من موضع يسمى بينة فقتلوا من المسلمين عدة كما أخبرني ناصر بن عبد الملك بن عمران وبعد طلوعهم ظليمة أخربوا حبور سيما بيوت السادة.
قلت: وبلغني أن الإمام عليه السلام كان يرى الخراب في بيوت السادة وهم عنده فيدعو لهم ويدعو على ابن المعافا، وقال: إن شاء الله تعمر خيراً مما كان ويهدم الله بيوت ابن المعافا، فكان كما قال [ق/215] عليه السلام يضرب بعمارة حبور في الدولة الإمامية الأمثال فعاد الإمام عليه السلام إلى جوار شهارة ورتب مواضع، وقامت الحرب أياماً ثم دخلت جنود العجم بلاد عذر وطلع جنود الظالمين إلى حوالي وعر من أسفل وادي أقر فتعلق الإمام عليه السلام شهارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأما الحاج شمس الدين رحمه الله فعاد بلاد خولان وجهاتها.
قال السيد العلامة أحمد بن محمد نفع الله به: ولما عاد الحاج شمس الدين أحمد بن عواض الأسدي حماه الله من وادعة بعد إضراب الإمام عليه السلام من الخروج عن بلاد الأهنوم إلى بلاد خولان جمعهم ولف شملهم، وغزا أطراف الأتراك وأنزل بهم ضرراً عظيماً، وكان قد وقع في تلك الجهة فترة وفساد لما خرج الإمام من السودة، وخرج من صنعاء الشريف محمد بن علي بن بنت الناصر بدراهم كثيرة ودخل بلاد خولان لفساد أهلها وأظهر أنه موال للإمام عليه السلام ليتوصل بذلك إلى ما يريد، وروي أنه خرج بسم ليهلك من أمكنه من أعوان الإمام وأنصاره فلما تبين للحاج شمس الدين أمره طلب مشائخ خولان وأعلمهم بذلك، فقبضوا عليه بعد أن كاد يفلت بالهرب فأمر به الحاج إلى الحيمة فسجن في حصن يسمى ظفر، قلت: أظنه أرسله إلى آنس لأنه لم يكن في الحيمة حصن اسمه ظفر. والله أعلم.
[أخبار المغارب من جهة الحيمة وبلاد آنس]
فصل: ولنرجع إلى تمام أعمال المغارب من جهة الحيمة وبلاد آنس وما إليها من بلاد ذمار وبلاد جبل تيس وما يتصل بها من بلاد حراز، فذكرنا أن الباشا علي لا رحمه الله لما قتل في ريمة انتثر نظام العجم والتجأوا إلى الباشا حسن لا رحمه الله وأتم أهل ريمة وجهاتها على الامتناع من الظالمين نحواً من إحدى عشر سنة، وفتحها وزير الباشا جعفر لا رحمه الله المسمى عبد الله شلبي كما سيأتي إن شاء الله تعالى وغلبت العجم على المشارق والمغارب، وفيها اجتمع في كوكبان بعد أسر السيد عامر رحمه الله أيام سنان لعنه الله وأمراء من عظماء العجم، والأمير أحمد بن محمد ببن شمس الدين والأمير المحروم عبد الرحيم، والأمير عبد الله بن مطهر والأمير إبراهيم بن مطهر وغيرهم وذلك بعد أن صفا لهم جانب المغارب وأسرفوا في الأموال، وبسطوا في التهتك لمحارم ذي الجلال حتى روي من أخبارهم ما تنزه منه الأسماع كما تقدم قريباً مما أمكن من ذكر جمل [ق/216]أحوالهم.
وروي أن أمراء الأشراف أخرجوا مضحكاً يسمى زفاجر حاشا الشرف وأهله منه ولبسوه قميصاً أسود وعمموه بثياب كثيرة وجعلوا على رأسه عوداً كبيراً يهزؤون بالإمام صلوات الله عليه، والعجم أخرجوه مضحكاً لهم مصرياً فعل أعظم من ذلك لكن بغير ما يتعلق بمولانا عليه السلام فاحتال مضحك الأشراف على مضحك العجم حتى جنى عليه بما لا ينبغي تصديره، فرأوا في وجه سنان لا رحمه الله والأتراك الكراهة فأرادوا إتحافهم بما يهون عليهم فأمروا لأسد هائل من أسدين مع الأمير أحمد بن محمد بأن يخرج إلى الميدان بحيث لا يراه سنان لا رحمه الله ثم قال المضحكون وغيرهم بالأصوات المرتفعة: خرج سنان خرج سنان وعظموا القول حتى ذهب من سنان ما به، ثم أخرجوا ثوراً من بقر جبل تيس مما وصل لهم للضيافة.
قال القاضي الأفضل شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن أبي الرجال: ما هو بالكبير وإنه يعرفه ومولاته امرأة نهبوه عليها من بني الخياط، قال: وكنا مختفين في تلك البلد فلما أوصلوه الميدان صاحوا جميعاً: هذا الإمام قاسم هذا الإمام قاسم انظروا ما يفعل به سنان يعنون الأسد، قال من شهد ذلك من غير واحد: فتطولت الأعناق وازدحم الناس للنظر إلى هذه المضحكة، قال: فلما عاين الثور ذلك الأسد قصده فجمع الأسد نفسه للوثبة وافتراس الثور فما كان بأسرع من سبق الثور إلى أن وضع قرنيه في صدره فألقاه على قفاه ثم داس بطنه وخصيته حتى أحدث شيئاً فريا وولى هارباً والثور في أثره، والغوغاء تصيح، وكانت كرامة عظمى أظهرها الله سبحانه في هذا المحل الذي اجتمع فيه أهل الضلال، وغالبوا فيه ذي الجلال، وانتشرت هذه الكرامة في الآفاق، وتحدث بها أخلاط الرفاق كما قال السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الشرفي نفع الله به في ذكر شيء من كراماته الباهرة سلام الله عليه:
كالجمع ولوا بلا حرب وفتنتهم .... والأسد مذعورة ولت من البقر
وقام أولئك الأشرار من مجلسهم الخبيث، ونسوا مع هذه الكرامة كل حديث، وما كان عطاء ربك محظوراً، وفي صنعاء اجتمعوا على مثل ذلك مراراً وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر هذين المجلسين ولم ينجح فيهم هذه وأمثالها بل اجتمعوا إلى جهات القبلة حتى نالوا الأطراف وانحدروا إلى بلاد مدع وبلاد عفار، فحصلت حروب مهيلة [ق/217]وقضايا طويلة وقد جعلوا على حصن عفار محطة فحاصروه حتى تسّلموه، وكان في بلاد عفار السيد شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن عادت بركاته والفقيه علي الشهاري والفقيه عز الدين واشتد عليهم الأمر وانهزموا إلى بني حيش والفقيه عز الدين أمره الإمام عليه السلام بالغارة إلى الظفير فكان من أمره مايأتي إن شا الله تعالى، واتصلوا ببلاد حجة وكان جنود الحق فيها حافظين أطرافها وأميرهم وصاحب تدبيرهم مولانا محمد عليه السلام وهو في عنفوان الشباب ولديه السادة الكرام المقدم ذكرهم وغيرهم.
[أخبار حجة]
قال القاضي العلامة جمال الدين المهدي بن سعيد الهبل عافاه الله تعالى: أنه كان الفقيه المجاهد عزالدين بن سعيد الأكوع رحمه الله في جانب القروات من بلاد قدم حجة، وكان الشيخ حسن بن عاطف الأهنومي في الجاهلي وأن السيد العلامة عبد الله بن محمد المحرابي رحمه الله في جمع من الأهنوم في حصن ماذن بالقرب من كوكبان الجبر فكان أول من دخل حجة من الظالمين الأمير محمد بن عبد الرحمن، ثم اتفقت حروب شديدة (ثم ما راعهم) إلا دخول الأمير المحروم عبد الرحيم من القروات، وانهزم الفقيه عز الدين وأراد الاتصال يعني الفقيه عزالدين بجانب الظفير حتى انتهى إلى بني هجر وجعل في المصنعة رتبة بني الحسام وهم من أهل الصبر قريبة من بلاد الجبر مما يلي الظفير والتجأ إليها فاتفقت حروب شديدة في مواضع كثيرة من بلادحجة فما أمسى إلا وقد اتصل عبد الرحيم لارحمه الله ببلاد الجبر وأحاطت جنودهم بالفقيه عز الدين ومن معه وبالسيد عبد الله ومن معه فاجتمعت الغارات من كل جهة من البلاد الإمامية فما قدروا على الإفراج عنهم، ولقد أرسل مولانا محمد سلام الله عليه رسلاً إلى بلاد حاشد وبكيل ينكفون (ولبس) أهل التنكيف الخصف وغيرها فأتى من المشرق غوائر نافعة، وانضموا إلى الحاج شمس الدين بن أحمد بن عواض رحمه الله، وقصدوا المحيطين بالفقيه عز الدين ومن إليه فأفرجوا عنهم بعد شدة شديدة وملاحم وقتل كثير، وبقي الفقيه عزالدين وبنو الحسام محتارين خمسة أشهر من غرة رمضان سنة سبع إلى آخر محرم سنة ثمان [وألف] ، وكان مولانا محمد والسادة وأهل الظفير يشغلوا عسكر عبد الرحيم
من جهة القبلة وتختلف إليهم بالمدد من قوت وغيره، رجل اسمه المطري، ووصلت الغارات مع الحاج شمس الدين أحمد بن عواض والشيخ عبد الله الطير وغيرهما، وكان الإمام عليه السلام [ق/218] قد تابع الغارات وأكثرها لم ينفذ إلى الطير لانقطاع الطريق وبعضها حروب فحصل الفرج وذلك الغوائر عادوا وقد أحربوا حرباً عظيماً ولم يقدروا على الاتصال بالفقيه عز الدين ومن معه فأيس المحتازون من التفريج فخاطروا بأنفسهم وخرجوا ونجوا من القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين، كما أخبرني بذلك أحمد بن يحيى الأكوع وهو مع المحصورين، وأخبرني أيضاً أن بني صريم وبني جبر تخلفوا عن الغارة والغوث، واعتلوا بأن المحتازين من بكيل فالغارة والغوث متعينة على بكيل، فابتلوا بالوقعة الآتية، من قتل بني جبر وغزوا موضعاً من بني صريم يسمى دلوان واحتز منهم ستة وعشرين رأساً، ومن بين جبر أربعون رأساً كما سيأتي.