وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة: (ما اختلف دعوتان في الإسلام إلاوكانت أحدهما ضلالاً أوكما قال) وأقول مع أني على بصيرة من ربي مالبست على نفسي ولا لبس علي من المحب للدنيا الذي باين أعداء الله منذ عرف عقله إلى أن قام غاضباً لله تعالى عملاً بقوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، أم الذي وازر أحمد بن الحسين بن عز الدين الذي لم يوجب الله إلا مناواته ومعاداته، ثم عادى إمام الحق الولي الحسن بن علي فقام وجد مع أحمد بن الحسين الذكور محارباً للإمام عليه السلام وأفتى بقتل الأخيار من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كالسيد علي بن عبد الله الغرباني القاسمي الشهيد رحمة الله عليه ورضوانه، فهو لأجل ذلك داخل تحت قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ...} الآية، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:((لا يحل دم امرء مسلم إلا في ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم مامعناه: ((من شرك في دم المسلم ولو بشطر كلمة...)) الخبر. ثم ألجاه الأمر إلى أن وقف بين يد ي الإمام الحسن بن علي عليه السلام حتى استكمل رفده من
الإمام عليه السلام مال إلى أشباهه الظالمين، فآزر لطف الله بن المطهر، فلما خاف [ق/202] على نفسه من الأتراك فر هارباً إلى بيشة، فلما من الله بقيامنا الميمون تشدد بنا وتوصل بما منح الله به علينا إلى الأمان والإطمئنان من الظالمين فقدم أولاده رهائن إلى أيدي الظالمين، وسكن بعد ذلك وقعد، وصار يفري أعراضنا بالشتم والسب ويمجد الظالمين بغياً علينا جزاء لما فعلناه إليه من المعروف ونسي ما صدر إليه منا من الجبا من غير ماله من البلاد، فاتقوا عباد الله وانظروا بعين البصيرة من العامل بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} أم من نابذهم أم ركن إليهم فإن اعتل بتقدم دعوته فإنها لم تصح عند أهل الورع والدين والعلماء الراشدين لما ذكرناه أولاً من ركونه إلى الظالمين، وبغيه على أمير المؤمنين الولي الحسن بن علي إذ صار لذلك ظالماً، والله يقول لخليله إبراهيم عليه السلام : {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، فسأل الإمامة لذريته فلم يجعلها سبحانه لأحد من الظالمين، وأيضاً إنه لم يجبه بر ولا فاجر فيما يعرفه حتى من الله سبحانه بقيامنا، وليس يمنع قيام الصالح للإمامة من أهل البيت عليه السلام من تقدم دعوته إمام حق مجاب كما ذكره أئمتنا عليهم السلام في كتبهم، ويكفيهم قول الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام: لم يتقدمه مجاب، وأيضاً قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في الأحكام ما لفظه بعد الاحتجاج على إمامة أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين بصفتهما من ذريتهما، وتعداد بعض من دعا بعدهما في صفة الإمام من ذريتهما الذي تجب طاعته ولا تجوز مخالفته قوله: فكان ورعاً تقياً في أمر الله سبحانه جاهداً، وفي حطام الدنيا زاهداً، وكان فهماً بما يحتاج إليه، عالماً بتفسير ما يرد عليه، شجاعاً، كمياً، بذولاً، سخياً، رؤوفاً بالرعية رحيماً متعطفاً، متثبتاً، حليماً مساوياً لهم بنفسه، مشركاً لهم في أمره، غير مستأثر عليهم ولا حاكماً بغير حق الله فيهم، قائماً شاهراً لسيفه، داعياً إلى ربه، رافعاً لرايته، مجتهداً في دعوته، مفرقاً للدعاة في البلاد غير مقصر في تأليف العباد، مخيفاً للظالمين، مؤمناً للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين، ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه قد باينهم وباينوه، وناصبهم وناصبونه، فهم لهم خائفون، وعلى إهلاكه جاهدون، ببغيهم الغوائل، ويدعو إلى جهادهم القبائل، متشرداً عنهم خائفاً [ق/203] منهم، لا يردعه عن أمر الله تعالى ولا تهوله الأخواف، ولا تمنعه عن الاجتهاد عليهم كثرة الإرجاف شمر تشمرة مجتهد غير مقصر، فمن كان كذلك من ذرية السبطين الحسن والحسين فهو الإمام المفترضة طاعته، الواجبة على الأمة نصرته إلى قوله: فأما من عبث بنفسه وتمنى وأقام في أهله وولده وتلهى، وساير الظالمين وداجاهم وقضوا حوائجه وقضى حوائجهم وعاشروه وعاشرهم، وأمنوه وأمنهم وكفوا عنه وكف عنهم، وغمد سيفه وطوى رايته وستر نفسه وموه على الجهال وأهل الغفلة من الضلال وادعى الإمامة، وأوهمهم أنه يريد القيام وهو عند الله من القاعدين النيام، ذوي الفترة والوناء طلاب
الراحة والرخا، وهو يظهر للرعية ويعرض لهم ويدخل قلوبهم أنه غير قاعد وأنه مباين للظالمين مجاهد، يوهمهم ذلك ويعرض لهم أنه كذلك ليجلب من درهم جلباً وخيماً دوياً، ويأكل بذلك من أموالهم حراماً دنياً، قد لبس عليهم أمورهم بتمويهه عليهم، وقعد لهم بطريق رشدهم، يصدهم بتمويهه عن ربهم، ويمنعهم بتلبيسه عليهم من أداء فرضهم، والقيام بما يجب لخالقهم، فهو دائب في التحيل لأكل أموالهم بما يلبس عليهم من أحوالهم، وتمويهه لجهالهم أنه قائم غير قاعد، وأنه أحد يوميه ناهض، على الظالمين مجاهد، والله يعلم من سرائره وباطن أمره غير ما يوهم الجاهلين، ويكتبه عند الله من الصادين عن سبيله الذين يبغونها عوجاً فهو يهلك نفسه عند ربه بفعله وفعل غيره، يفرق عن الحق والمحقين الأنام، ويجمع بذلك عليه الآثام، ويمكن دعوة الظالمين، ويقيم عهد ملك الفاسقين، ويوهن دعوة الحق والمحقين بما يموه به على الجاهلين للترؤس عليهم، وأكل أوساخ أيديهم، يأكل سحتاً تافهاً حراماً، ويجترم العظائم بالصد عن الله إجراماً، يفرق كلمة المؤمنين، ويشتت رأي المسلمين، ولا يألو الحق خبالاً يتأول في ذلك التأويلات، ويتقحم على الله فيه بالقحمات، ضميره إذا رجع إلى نفسه وناقشها في كل فعلة وأوقفها على خفي سره مخالف لظاهره، وفعاله في باطنه بغير ما يبدي للناس من ظاهره، يخادع الله والذين آمنوا وما يخادع إلا نفسه كما قال الله سبحانه: {يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
كأن لم يسمع الله عز وجل يقول: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فهو يمكر بالله وبالمؤمنين، والله يمكر به وهو خير الماكرين [ق/204]، فهو في بلية من نفسه من تحيله لديناره ودرهمه، والاستدامة لما هو فيه من تافه نعمه، يلبس الحرير والديباج والقز، ويلتحف السمور والفنك والخز، لا يرتمض في أمور الله ولا يصلح شأن عباد الله، فأين من كان كذلك فقط من الإمامة كلا لعمره أنه عنها بعيد مجنب، ومنها غير دان ولا مقرب، إن لعب بنفسه وخدع من كان من شكله بزخرف قوله وكذبه، واجترائه على ربه ومن يفعل ذلك يلقى أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، فلعمري أن من كان كذلك فقط لبعيد عما يدعي وينتحل مما لم يجعل الله له أهلاً ولم يشرع عليه إليه سبيلاً. انتهى كلام الهادي عليه السلام.
فانظروا رحمكم الله من العامل بما ذكره الهادي عليه السلام في أول كلامه هذا ومن العامل بما ذكره عليه السلام في آخره، الذي لم يزل مبايناً للظالمين، أم الذي رهن أولاده إليهم وإن ادعى أنهم في طاعته وأنهم من أعوانه فما باله رهن أولاده إليهم وما بالهم يخطبون لسلطانهم ويتركونه فإن كابر وجحد الضرورة في ذلك وزعم أنهم له مطيعون ولأمره منقادون غير عاصين له ولا مخالفين، وأن جميع ما يصدرمنهم عن رأيه، فلعمري لقد بانت لهم فيه سيرة الفراعنة حيث كانوا يمكنون المسلمين على الحوازيق ويسلخون جلودهم وهم أحياء وينصفونهم، وينوعون عذابهم أنواعاً، ويعكفون على اللواط وشرب الخمور، ويستحلون ما حرم الله، ثم هو يكذب في قوله حيث يقول: إنهم شادوا منار الدين وأحيوا سنة سيد المرسلين، وحيث يقول في شعر له:
أحييت من دين أهل الحق ما اندرسا .... وكاد في الأرض أن ينسى ويندرسا
وقد غرست لأهل البيت إن عقلوا .... غرائس العز فرداً في الذي غرسا
قد مسها عطش والماء محتبس .... عنها فلا قدس الرحمن من حبسا
تداركوها وفي أوراقها رمق .... فلن يعود اخضرار العود إن يبسا
لكي يكون لكم ظلاً يظلكم .... لأن في ظلهن الروح والنفسا
فإن رجع إلى المعقول وقال إن ذلك لم يصدر عن رأيه، وأنهم لم يكونوا من أعوانه فما باله يعتزي إليهم، ثم هو مع ذلك يدعي الإمامة والرئاسة على أهل الحق والزعامة، والله يقول سبحانه: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، ويقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}، والذي تمسه [ق/205] النار ماللمسلمين من ولايته من شيء، عاصٍ لله سبحانه وتعالى، والعاصي لا يصلح أن تكون له على المؤمنين الرئاسة والزعامة؛ لأن المؤمنين أولياء الله، والعاصي عدو الله، فإن كان متجارئاً على الله غير مستحل فهو كافر نعمة الله فاسق، وقد دلت الآية المتقدمة على عدم استحقاقه للإمامة لأنها لم تفصل بين كافر الشرك والجحدان، وبين كافر النعمة والإحسان، وأيضاً قال الله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}،وإذا لم يكن كالمسلمين فبطريق الأولى أن لا يكون أعلى باستحقاقه الرئاسة والزعامة عليهم، وقال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ} ، وإذا كانوا لا يستوون فبطريق الأولى أن لا يكون الفاسقون أعلى من المؤمنين باستحقاق الإمامة عليهم، وأيضاً لا يخلو إما أن يكون راضياً بما يفعلون أولا، إن كان راضياً فقد شاركهم في دماء المسلمين لأن من رضي بالمعاصي فقد شارك فاعلها فيها بدليل قوله تعالى في من عقر ناقة صالح عليه السلام: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}، وليس العاقر إلا واحداً،
وقوله تعالى لليهود الذين كانوا زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ الله مِنْ قَبْلُ}، وليس القاتل للإمامة إلا الأولون من اليهود، فنسب الله القتل إلى الذين رضوا بفعالهم من الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن قال إنه راضٍ، فما باله يدعو لهم بالنصر! وماباله لم يجاهدهم! فإن زعم أنه لم يدع لهم بالنصر، فإني أشهد الله جميع من عرف ذلك إلا ما شهدوا بما علموا، وإن ادعى أن جهادهم غير واجب عليهم، فذلك لا يخلو إما أن يدعي أنهم محقون في جميع أفعالهم، فذلك كفر لأن من ادعى أن اللواط حق وقتل النفس المحرمة حق، فقد كفر برده كتاب الله سبحانه لأنه ورد بتحريم اللواط، وقتل النفس بغير الحق، وظلم المسلمين، وإن ادعى أنهم لم يفعلوا ذلك، فالناس حياله، وكفى له بذلك خزياً، وإن ادعى أنه لم يجد الناصر فما باله فرق كلمة المسلمين الذين اجتمعوا على حربه ودعوه لقتالهم ومن عليهم أنه لهم من المعينين حتى أخذ قبضة من الدنيا وفر بها إلى من يجب عليه وعلى جميع المسلمين حربهم، فإن قال: إن له حقاً بتقدم دعوته وأنه إنما اعتزى إليهم مستجيراً بهم كما استجار المسلمون بالحبشة أيام هاجروا إليهم، وإنما استجار بهم لخذلان الناس له.
فالجواب: والله الموفق أنا قد بينا فيما تقدم من كلامنا هذا أن دعوته لم تصح لما صدر منه من مؤازرة [ق/206] الظالمين ومحاربة أمير المؤمنين، ولعدم إجابة أهل الدين والصدق واليقين لدعوته، وإن سلمنا على التنزيل، فلا يحل له أن يعتزي إليهم وله في الأرض متسع، أليس قد وفد إلينا فأحسنا قراه وأركبناه من ركاب خيلنا، وحبوناه بما استطعنا حتى بدا بالعداوة وفرق كلمة المسلمين حسداً لنعم الله التي أنعم بها علينا، فإن حمله الحسد وصده البغضاء فليعمد إلى الحجاز حيث كان لا يعضد ظالماً ولا يفرق كلمة المؤمنين، جمع الله شمل المؤمنين على ما يرضيه، وفرق شمله وأركسه بعمله، اللهم إنا ندعوك على المبطل منه ومنا، فعجل بنقمته وأرح العباد من شره، وانصر الحق واخذل الباطل بحق محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[وقعة المرازم]
لما اشتد الأمر والاختلاف وتعذر الائتلاف بين السيد محمد بن عبد الله المذكور وأصحاب الإمام عليه السلام اهتمه الإمام، وخشي أن تعظم فتنته، ويعم ضرره فأرسل الإمام السيد فخر الدين عبد الله بن محمد المحرابي بعسكر كثير من الأهنوم وغيرهم إلى جهات حيدان، وعالجوا في الصلح مرة أخرى فلم يتم لهم ما أرادوا، وقصدهم السيد محمد بن عبد الله إلى موضع عند وشحة يسمى المرازم في شهر محرم أول سنة سبع وألف [ابريل:1596]، فوقع حرب ضرير، ونصر الله أصحاب الإمام عليه السلام، ومنح من أكتاف البغاة فهزمهم هزيمة كبيرة وقتلوا من أصحابه قتلاً ذريعاً، ونهبوا خيلهم، وأكثر سلاح أصحابه، وتبعوا أثره فوصل إلى ساقين ومعه بقية من عسكره قليلة، وكان فيه والده عبد الله بن علي يومئذٍ لا يمر ولا يحلى، فحمله وحمل السيد محمد بن صلاح القطابري أسيراً، وكذلك السيد الفاضل العلامة أحمد بن حسن المؤيدي، وكان قد اعتقله قبل ذلك لأنه اتهمه بالميل إلى جانب الإمام عليه السلام وولى السيد محمد بن عبد الله منهزماً لا يلوي على أحد حتى انتهى إلى قراض من بلاد آل أبي الخطاب، ولما انتهى إليه سعى قبائل تلك الجهة إليه في إطلاق السيدين المذكورين، فأطلقهما وتبعه بعض أصحاب الإمام عليه السلام حتى انتهوا إلى قهر يسنم، ولما آلت حالته إلى ذلك وكان ربما يؤمل أنه إن صفيت له جهات من خولان من أصحاب الإمام عليه السلام استبد بالأمر فيها، ولما لم يحصل من سعيه على طائل كاتب الأتراك الذين بصعدة يومئذٍ على يد رجل من أشراف الجوف يسمى فارع بن حميضة، وشرط [ق/207] عليهم ولاية بلاد