[أخبار بلاد وادعة]
فصل: وأما دخول السيد العلامة الحبر أحمد بن محمد المحرابي (عادت ببركاته بلاد لاعة وأعمال بلاد ابن شمس الدين فلم أقف على تفصيلها) غير أني سمعت من الفقيه الفاضل العالم المجاهد عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله، ومن حي الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي أنه رحمة الله عليه دخل بلاد لاعة كلها ومسور والمغارب وأمدته بمالها ورجالها، وذكرا عنه انتظاماً في أمره وقوة في تدبيره حتى أن العساكر لديه تكاثرت، والأمور الإمامية في تلك النواحي على يده انتشرت، واتصل ببلاد الطرف، واجتمع فيها مع السيد العلامة العابد الزاهد شرف الدين الحسن بن شرف [ق/175] الدين نفع الله به، ولهما في بلاد مدع حروب شديدة وملاحم عديدة كما قال السيد العلامة الحبر شمس الدين أحمد بن محمد الشرفي عادت بركاته في تتمته للبسامة في وصف شيء من تأييد الله ونصره لمولانا عليه السلام :
ومن يحدثك فيما كان في مدع .... وفي ثلاء قلت ما ذا الفعل من بشر

[فتح بلاد مسور]
قال السيد أحمد بن محمد نفع الله به في صفة فتح مسور وما إليه من بلاد لاعة وجهاتها: إن الإمام عليه السلام أرسل الحاج الفاضل شمس الدين أحمد بن علي بن دعيش الغشمي إلى بلاد مسور فعاقد جماعة من أهلها سراً، ثم وصل بجماعة عسكر من أهلها إلى الإمام عليه السلام قبل وقعة نقيل عجيب، ثم رجع بعد وقعة نقيل عجيب إلى جهة مسور وقد عظم أمر الإمام عليه السلام في صدور الناس فنهض الفقيه العالم العامل الفاضل جمال الدين المهدي بن أحمد الرجمي والحاج الفاضل أحمد بن علي بن دعيش المذكور في جمع من أهل تلك الجهات وطلعوا على مسور، وفيها عسكر كثير من جهة الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين صاحب كوكبان، وكانت جهات مسور ولاعة وبحرة، وقراضة وجبل تيس وما يوالي هذه الجهات كلها أمرها إليه، وهو من أعوان الأتراك وأعظم أعضادهم وتركوا له هذه البلاد ليس لهم منها شيء مع جامكية ابن عمهم مسلمة للعسكر إليه في كل سنة شيء معروف، فوقع الحرب من أصحاب الإمام عليه السلام للعسكر الذين في بيت قابس وهو حصن بأعلى مسور كانوا فيه نحو ثلاثمائة رجل أكثرهم أهل بنادق فاستسلموا وطلبوا الأمان وخرجوا إلى بين يدي الفقيه الفاضل جمال الدين المهدي بن أحمد، والحاج الفاضل أحمد ومن معهما فعاهدوهم على طاعة الإمام عليه السلام والجهاد بين يديه، وكان أكثرهم من قبائل حاشد وبكيل وانضم بلاد مسور كلها في سلك طاعة الإمام عليه السلام إلى حد حصن مدع وبني العباس وإلى حد جبل نمرة وبلاد المراوح وغير ذلك، ووقع الحصار على حصن عولي مدة، ثم تسلم إلى الإمام عليه السلام، وأقام

الحاج الفاضل أحمد بن علي دعيش بجبل مسور إلى أن وصل السيد ابن شمس الدين أحمد بن محمد المحرابي فسمعت أنهم في أيام السيدين رحمهما الله تعالى حصروا العساكر الإمامية في تلك المدة فكانوا زهاء ثمانين ألفاً، وكذا سمعت معنى ذلك في محضر الفقيه عماد الدين [ق/176] يحيى بن صلاح رحمه الله وأن أمراءهم كانوا لا يجدون أرزاقهم فيحلون لهم إلى المغارب فيحصل بذلك خلل في المراكز أو كما قال، وسمعت أيضاً القاضي العلامة صفي الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه يحدث بحضرة حي مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله بقريب من ذلك وأن الفقيه فلاناً قال للإمام المنصور بالله: عسكرك كذا وكذا مما يكون إلى تجمعهم فيصيرون محطة واحدة ثم يقصد بهم الأتراك أخذهم الله يوماً واحداً ويهلكون في يوم واحد ونستريح من شرهم، قال: فضحك الإمام عليه السلام وقال: أما أصحابنا فلعلهم يساعدونا بالاجتماع وبقي الترك وجنودهم من ذا يجمعهم لنا يا سيدنا فلان خفي علي اسمه فكانت طرفة وبعد فتح مدع وثلاء كما تقدم.

قال حي الفقيه عماد الدين رحمه الله: أنه وحي الحاج العالم الصالح أحمد بن علي بن دعيش الغشمي رحمه الله كانا ولاته وما إليه من الأعمال بنظر السيدين وأخبر أن مولانا عليه السلام لما كثرت الحروب واشتد الحال أمد بولده مولانا الإمام المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين سلام الله عليهما وذلك بعد عوده من مصاحبة العجم الذين كانوا مع ابن المعافا كما تقدم، وعاد إلى الإمام عليه السلام وبقي عنده في شظب، ثم تقدم إلى نيسا ثم الظفير وكانا فيه واليين حتى طال عليهما الحصار من سنان لعنه الله فاشترطا سلامتهما وسلامة من معهما وخرجا وسلمهما الله من شره ومكره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[وقعة سافوف]
ولنعد إلى أخبار جهة الحيمة وحروبها وأيام سافوف، وأخبار السيد الشهيد عامر بن علي رحمة الله عليه ورضوانه وكيفية أسره والمثلة به، وموضع قبره رضوان الله عليه، وذلك أنه لما بلغ السيد عامر ما اتفق لحي القاضي الفاضل علي بن يحيى المحيرسي رحمه الله وبقي من في بلاد كوكبان من جنود الحق فوضى، خرج السيد عامر ممداً ومسدداً فلا زال حتى دخل سافوف وحصلت مراكزة وحروب هائلة اليد فيها لجنود الحق.
قال السيد عيسى في تاريخه: لما استقر السيد عامر في مقفوز الحصان واطمأن به المكان قصده الأمير أحمد بن محمد في يوم الأحد سادس شهر شوال من السنة المذكورة [28 مايو 1598م] يريد سنة ست وألف فكان قريباً من المحطة في موضع يسمى تريادة وأمر إخوته من آل الإمام شرف الدين عليه السلام بالنزول لقتال أصحاب السيد عامر فوقع بقدرة [ق/177] الله مطر أطفأ فتائل البنادق وتكاثر أصحاب السيد عامر على عسكر الأمير أحمد بن محمد فوضعوا فيهم السيف فقتل عدة من أعيان عسكره وقتل من أهله الهادي بن رضي الدين بن الإمام شرف الدين ولطف الباري بن محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين، وأسر علي بن الحسين بن علي بن الإمام شرف الدين، وعاد الأمير أحمد بن محمد إلى كوكبان كاسف البال حليف البلبال، ثم قصد السيد عامر مرة أخرى فوصل إلى محل يقال له يفعان وتلازم الحرب بينه وبين أصحاب الإمام وقد تقدم بنفسه في جماعة فأحاطوا به، وخرج من بين الأسنة والسيوف، وكان هماماً نبيلاً مقداماً، وقتل من أصحابه جماعة وسمعت من حي سيدنا يحيى الثلائي رحمه الله تعالى ذكر شجاعة هذا الأمير أحمد.

قال السيد أحمد نفع الله به: وروي أن بعض كبراء عبيد بن شمس الدين في هذه الوقعة لما عرف أن سيده قد أحيط به وأيقن أنه مأخوذ صرخ بأعلى صوته يا عسكر سيدي يا عسكر سيدي يا عسكر سيدي، فما زال يكررها حتى افتلج ومات، قال رحمه الله روى ذلك من شاهد الوقعة، وهذا العبد هو المسمى بقرزان الذي أسره الإمام الحسن بن علي في السودة، وكانت مدة المراكزة سنتين ونيفاً، وفيها ملاحم عديدة وحروب شديدة ثم إنه اجتمع عليه سنان لا رحمه الله والأمير أحمد بن محمد وعبد الرحيم المحروم وعدة من أمراء العجم فأحربوه فيما أخبرني الشيخ أحمد بن علي خضر وغيره تسعة وعشرون يوماً، كل يوم والحرب الثاني أشد من الذي قبله حتى أنه وصله الفقيه علي الشهاري بغارة ومدد من عند مولانا عليه السلام فحصل بعض إعجاب بكثرة الناس ففرقهم للمساء فاغتنم الأشرار الفرصة وباكروهم القتال.

قال السيد أحمد نفع الله به: اجتماع الأتراك وأعوانهم على السيد عامر رحمه الله تعالى فانتقل الأمير سنان في جميع عساكره وحشد من أمكنه من جميع البلاد التي بقيت تحت يد الأتراك من اليمن وهمدان وغيرهم فوصل إلى بركة الخلب في ضلع كوكبان في أول شهر صفر من سنة سبع وألف [3سبتمبر 1598م] ومعه الأمير عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن مطهر، والأمير عبد الله بن مطهر والأمير يحيى الداعي، والأمير علي الدقاق التركي، وقيل: إن الأمير علي الدقاق وكان في حفاش وإنما طلع جبل تيس بعد ذلك الأمير شملي علي التركي والأمير علي بن المطهر بن شويع وجمع الأمير [ق/178] أحمد بن محمد بن شمس الدين عساكره ومن أمكنه من أقاربه وأهل كوكبان واجتمعوا كلهم في بركة الخلب فالرجل شيء كثير والخيل نحو ثلاثمائة فارس. والله أعلم.

وأخبرني الثقة عمن أخبره ممن حضر ذلك الجمع أن الأمير سنان لعنه الله جمع الأمراء والرؤساء جميعاً في ذلك وتكلم بكلام معهم مضمونه أن هذا الداعي عدو لكل أحد منا لا يترك لأحد منا باقية، والرأي أن نجتمع كلنا على هذا الرجل يعني السيد عامر لأنه أعظم أصحابه نكاية لنا ولو يحصل لنا قصد الداعي نفسه لكان هو الأولى وإلا نفع ولكنه غير ممكن لشدة حذره، والآن لا بد لنا من عهود نؤكدها بيننا أننا يد واحدة على هذا المقصد، ويكون أمرنا إلىواحد منا وهو الأمير أحمد بن محمد صاحب كوكبان لأنه صاحب البلاد التي فيها السيد عامر فامتنع صاحب كوكبان أن يكون الأمر بيده، وأجمع كل الأمراء أن يكون الأمر وتدبير الحرب إلى الأمير سنان فحلف كل واحد له أنه سامع ومطيع ممتثل لأمره كائناً ما كان فقال: الرأي أن نجمع الخيل مع الأمير عبد الله بن مطهر والأمير يحيى الداعي في عسكر كثير يبقون عند بكر في الضلع مركزاً خشية من أن يقطعهم السيد عامر رحمه الله من ورائهم، وكان السيد عامر رحمه الله في مقفوز الحصان والأمير علي بن شمس الدين بن الإمام باق في موضع يسمى حجر الزكاتين في عسكر معه من أهل كوكبان خشية من أن يقطعهم من في ثلاء من أصحاب الإمام عليه السلام ثم قصد الأمير سنان ومن بقي معه من الأتراك وأهل كوكبان من في الطويلة من أصحاب الإمام [فأخبرهم] يوماً كاملاً، وقتل من الفريقين كثير، ثم كثر الأتراك ففضوا ما قدامهم فدخلوا المدينة، وكان في موضع يسمى القرانيع بالقرب من مدينة الطويلة رتبة من أصحاب الإمام وفي موضع يسمى القاهرة رتبة أيضاً، وكانت طريق الأتراك

الطويلة بالقرب من القاهرة ولم يقدر أهل القاهرة على دفعهم مع كون الأتراك لم يتعرضوا الحرب بل جعلوا همهم من كان في المدينة من أصحاب الإمام عليه السلام، ولما دخل الأتراك المدينة انحاز أهل القرانيع وانحصروا في مواضعهم ولم يقدر أصحاب الإمام عليه السلام على استخلاصهم حتى خرجوا إلى أيدي الأتراك برفاقة وهم نحو ثلاثمائة وعشرون رجلاً فسلموا لم يقتل منهم إلا السيد محمد الصادق من بني سحلة أصابته حجر المدفع قبل خروجه، واستقر الأتراك في المدينة واشتد عليهم الحرب وضاق الأمر [ق/179]، وثبت السيد عامر رحمه الله ثباتاً يضرب به المثل ويعجز عنه شجعان الدهر، وكادت الطريق والمواد تنقطع عن الأتراك ونزل أهل القاهرة يوماً فنهبوا طعاماً وباروتاً ورصاصاً كان أهل كوكبان قد أرسلوا به إلى محطة الأتراك بالطويلة، وكادت أمور الأتراك تضمحل وتنهار لأنهم كانوا كالمحصورين وكانوا يقصدون السيد عامر وأصحابه فما يرجعون إلا بالخسران والذلة والنقصان، وكان أهل مدينة الطويلة قد هربوا عنها، وأهل حصن الطويلة قد تضعضعت أحوالهم وركت من طول الحصار فلم يقدروا يقوموا ببعض مؤن جند الأتراك فبقي الأمر كذلك نحو تسعة أيام، ثم وقع خدع من بعض أهل الحيمة الذين مع السيد عامر مثل الشيخ محمد البعبعي وغيره من مشائخ الحيمة بدراهم جعلت لهم من الأتراك كثيرة ففارقوا السيد عامر في نحو ثلاثمائة من أهل الحيمة وعزموا بلادهم والحرب قائمة، فوهن بذلك أمر السيد عامر رحمه الله وانكسر من بقي معه من مقفوز الحصان في بعض الحروب، وكان السيد عامر رحمه الله في ذلك اليوم الذي وقع فيه

الحرب والهزيمة في سافوف وهو بالقرب من مقفوز الحصان، وكان له هناك بيت يقف فيه وسرية، فاستشهد من أصحاب الإمام عليه السلام نحو أربعة وعشرين رجلاً وتأخر السيد ومن معه إلى جبل أهنم بقي فيه نحو ثلاثة أيام وأحس بركة تلك البلاد وضعفهم فتأخر إلى بلاد لاعة، ثم وصل إلى عند السيد شمس الدين أحمد بن محمد بن علي المحرابي إلى بلاد مسور، ثم وصل الإمام عليه السلام كما سيأتي إن شاء الله تعالى. انتهى.

52 / 109
ع
En
A+
A-