[موالاة الأهنوم للإمام]
[ن1691] فصل: ولنرجع إلى رواية حي الفقيه المجاهد قاسم بن سعيد الشهاري رحمه الله تعالى.
قال: لما صح ظهور الإمام عليه السلام في شرقي بلاد عيال أسد والحرب في وادعة أظهرنا في الأهنوم الدعا إلى الإمام حتى تعاقدنا على إلصاء النار وإظهار الخلاف في البلاد، فحصل اختلاف بيننا وبين قرابة المشائخ والعسكر الذين مع ابن المعافا، وقالوا: إظهاركم ذلك وأصحابنا في أيدي الظالمين سبب هلاكهم، فاتفق الرأي على تأخير النار ليلة واحدة حتى يرسل كل واحد لصاحبه ففعلنا وفعلوا، فلما كان بعد غروب الشمس ألصى جميع جبال الأهنوم النار وأظهروا الخلاف والعسكر انحازوا إلى وادعة كما تقدم وسلمهم الله مما كانوا يخافونه، وله الحمد كثيراً، ثم اجتمعت الأهنوم إلى الفقيه علي بن محمد الشهاري وظليمة وما إليها إلى السيد العلامة المهدي بن إبراهيم بن المهدي وتقدموا بلاد شظب فأحاطوا بالسودة فأخذوها، وكان قد انهزم ابن المعافا من وادعة فحاصروه ثم استأمن إلى مولانا الإمام كما تقدم، وكان قد عزم (من وادعة ومعه مشائخ الأهنوم حول ثلاثين شيخاً، وأما قبائلهم فلما رأوا النار في بلادهم عزموا من التحيد ومن غيره تلك الساعة إلى الأهنوم، والمحاصر له في قرن الناعي السيد العلامة المجاهد المهدي بن إبراهيم بن المهدي الجحافي رحمة الله عليهما في عسكر ظليمة وغيرهم والفقيه علي بن محمد الشهاري في عسكر الأهنوم، ولما طلب ابن المعافا الخروج قال: إن مشائخ الأهنوم الذين عنده قالوا ما يخرجون إلا إلى يد السيد المهدي بن إبراهيم رحمه الله لأن صاحبهم الشهاري من أهل

الجرأة والغدر فخرجوا إلى يد السيد رحمه الله، وأما من في السودة من عسكر الأتراك اشترطوا وصول مولانا عز الإسلام محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عليه السلام فوصل وعزم بهم إلى جبل عيال يزيد والفقيه عبد الله بن المعافا فأخرج إلى عند الإمام المنصور بالله عليه السلام إلى حبور وبرز له الإمام بيت السيد جمال الدين علي بن المهدي بن جحاف وهو صهر الإمام عليه السلام وبقي إلى أن طلع الإمام عليه السلام إلى السودة، ولهم مواقف وأمور واختص بالإمام عليه السلام ودخل في نفوس السادة والفقهاء [ق/170] الملازمين ونصحوا لمولانا عليه السلام وحذروه من المذكور، وللسيد العلامة صلاح الدين صلاح بن عبد الخالق وللقاضي العلامة علي بن الحسين المسوري قصائد إلى مولانا ونصائح قد ذكرت).
قال السيد العلامة أحمد بن محمد نفع الله به: إن ابن المعافا وكثير من عسكر الظلمة من أصحاب الترك عليهم أحمد آغا عيون وابن البيطار، ومن كوكبان رئيساً سماه احتازوا في السودة يعني في حصنهما وكانوا كثيراً وطلبوا مسير ابن الإمام محمد بن أمير المؤمنين عليهما السلام ليرفقهم فسار بهم إلى المضلعة من بلاد عيال يزيد وعاد إلى جهة مدع وعفار، ثم عاد إلى الإمام عليه السلام إلى السودة كما تقدم، وبقي ابن المعافا عند الإمام معظماً واستخلفه وأبقاه على حصنه بسعاية من يحب ابن المعافا ويصانعه، وكان رأي الإمام عليه السلام إخراجه من الحصن فأعجله أهل ذلك القول بجريرة الرهائن والمحابيس لئلا يهلكوا جوعاً وقد كان هلك أكثرهم قبل الخطاب، وذلك في القعدة أو محرم عام سبع وألف[1598م].

[فتح شهارة]
نعم ولما استقر مولانا عليه السلام في جبل سيران وفتح الله عليه حصن شهارة المحروسة بالله وحصن الظاهرة، وحصن جميمة ظليمة، وحصن جميمة السخدا وحصن كحلان الشرف، وكانت هذه الحصون بيد الشيخ جمال الدين علي بن الحسام الحمزي الصريمي.
قال السيد أحمد نفع الله به: كان فتح شهارة في أول شهر جمادى الأولى سنة ست وألف [12اكتوبر 1597م]، وكذلك الحصون المذكورة وقرر ولاتها في البلاد وأحسن إليهم.
قال عيسى بن لطف الله: وكان مع الشيخ آغا من العجم يسمى مقلوش آغا على جماعة الترك، والشيخ المذكور على العرب، وكانت مشحونة مضبوطة فهدى الله الشيخ المذكور إلى الصواب وأخبروا لتوبته أسباباً من كرامات مولانا عليه السلام لم أضبط تفصيلها، منها ما أخبرني الوالد السيد المقام جمال الدين علي بن إبراهيم بن المهدي الجحافي أطال الله بقاه مكاتبة أن الشيخ المذكور سلخ شاة فوجد في لوح الشاة مكتوباً الإمام قاسم، وأن الشيخ المذكور قال هو السالخ للشاة بنفسه وعادته يفتش اللوح على قاعدة عيار القبائل فرأى هذه الآية، وحلى هذا اللوح بالفضة وظهر ذلك وانتشر، وسمعت من الفقيه الفاضل ناصر بن عابد الشهاري مثل ذلك وذكر غير ذلك.

وأخبرني غير واحد من أصحابه عليه السلام أنه كان يقول [ق/171]: يأتيكم النصر وكذا من بلاد كحلان وجهاتها، وكان يرمق كل ليلة الجهة متى تقد فيها النار، فما كان أسرع من أن ألصت تلك البلاد وهي بلاد بني حيش الأعرام، وبني شاور وبلاد عفار، وبلاد كحلان وما إليها في ليلة واحدة وإذا بالبشرى بقدوم السيدين العابدين الفاضلين شرف الدين الحسن بن شرف الدين بن صلاح الحمزي وصالح بن عبد الله الغرباني عادت بركاتهما إلى بني حيش وقد أجابته تلك البلاد كما مر.
وأخبرني القاضي العلامة صفي الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه أنه بلغه أظن من طريق والده رحمة الله عليه أنها حضرت أول جمعة في بني حيش عند السيد الحسن سلام الله عليه وتأهبوا للصلاة فقال القائل: يا مولانا من الخطيب؟ فقال: يأتيكم الآن إن شاء الله تعالى القاضي سعد الدين من السودة ولا علم له بالقاضي وإنما ذلك من الفراسة الصادقة، قال: فوصل سيدنا القاضي سعد الدين رحمه الله من السودة والخطبة في رأسه، ثم تقدم بلاد كحلان فأخذها وجعل على الحصن من حاصره، ثم جعل على حصن عفار من حاصره وتقدم على حصن ثلاء فأخذه عنوة كما تقدم ، واستقر في حصن ثلاء المحروسة بالله كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[فتح بلاد الشرف]
وأما بلاد الشرف فأرسل الإمام عليه السلام لفتحها السيد الشهيد عبد الله بن الهادي الحيداني رحمه الله، والقاضي المجاهد حسن بن علي بشاري وغيرهما من المشائخ والمجاهدين، وامتد السيد فخر الدين عبد الله بن الهادي المتقدم إلى جهات الحقار، وقدم القاضي حسن بلاد نهم فأجابه ضاعن وعاهم وقبائل حجور، وخيران وقدم القاضي حسن بمن معه من القبائل إلى بلاد بني عبد وقصدهم الأتراك الذين في طهننة فنصر الله المجاهدين وهزم أعداءهم، ولم يزل أصحاب الإمام عليه السلام في أثرهم إلى أن بلغوا قرية فصر، وكانت جنود الأتراك كثيرة بنادقها نحو الألفين وأربعمائة، وبنادق أصحاب الإمام عليه السلام لا تبلغ العشرين، وبعد هذه الوقعة انهزم عسكر الأتراك ومن معهم من عسكر عبد الرحيم إلى حجة، وتركوا كثيراً من أثقالهم في طهننة فأخذه القبائل، ودخل أصحاب الإمام بلاد الشرف بغير قتال وطلع السيد فخر الدين عبد الله بن الهادي بمن أجابه من أهل الحقار من طريق المحرق، واستقر بجهات الشرف وأطاع أهله جميعاً، وأما كبار مشائخهم فلحقوا بالترك ثم عادوا إلى موالاة الإمام عليه السلام [ق/172] ظاهراً كما نقل. والله أعلم.

[حروب حجة]
فصل [في حروب حجة]: وأما حروب حجة ومصير الأمير عبد الرحيم في أسر مولانا الإمام عليه السلام فإن مولانا الإمام تقدم إلى حبور من أعمال ظليمة بعد فتح بلاد الشرف، وجهز السيد العلامة شمس الإسلام أحمد بن محمد الشرفي عادت بركاته والياً لبلاد الشرف فطرد من فيها من أعوان الظالمين، وقد صار إليه الشيخ ناصر المحبشي وغيره وملك الشرفين جميعاً، وله نهضات وغزوات إلى تهامة، وقرر الأحكام الشرعية، وعمر الدولة الإمامية، وأرسل أمداداً إلى حجة وغيرها، وعظم الأمر في حجة فأمد بنفسه كما سيأتي، وقد أرسل الإمام عليه السلام لحرب عبد الرحيم شيخ العترة السيد العلامة أمير الدين بن عبد الله المطهري عادت بركاته في عيون من الشيعة وغيرهم، وكان السيد أمير الدين رحمه الله في بيت قدم مختفياً فلما بلغه ظهور الإمام عليه السلام سار إليه فوصل نيسا من بلاد عفار ووجد أهله قد والوا الإمام فعولوا عليه بحفظهم ومعاونتهم، وأرسل إليه الإمام عليه السلام ولاية حجة فتقدم لحرب عبد الرحيم فضايقه وأخذ عليه حصونه لم يبق معه إلا مبين والذنوب وراسل العجم، فكان جوابهم: ومن يفرج عنا حتى نفرج عنك، فاحتال بموالاة الإمام عليه السلام كما سيأتي إن شاء الله تعالى وأمده الإمام عليه السلام بالسيد أحمد بن محمد كما تقدم، ثم بالشيخ زاهر بن عرجاش، وكان فاتكاً، وله جهاد ونكاية في العدو، وبعد مضي عام أمد الله الإمام عليه السلام بولده مولانا محمد كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفتح الله بالظفير وأهله وأول من والى الشيخ شمسان ووصل إلى الإمام عليه السلام إلى حبور الشيخ

الرئيس الكبير الحصين شيخ ظفير حجة وكان من المعظمين في ذلك الزمان، وكان يروى عنه العرابة وصدق الحديث فإنه قال مع وصوله إلى الإمام عليه السلام بلغة الظفير: اشهد يا مولانا على نفسك بوصولنا لا تقل يوم القيامة عند جدك: (مد رمين مد رمين) يعني لا تقل أنا لم نصل، فأجاب السيد أمير الدين أكثر بلاد حجة وعظم جانبه، ثم إنه وصل الشيخ الرئيس أبو زيد صاحب الهيجة وغيره ووافق قدوم مولانا محمد إلى حبور من سيران فكان صحبته عليه السلام [ق/173] ومولانا الإمام المؤيد بالله إذ ذاك في أول التكليف، وكان من صغره عليه السلام فيه حدة ومعرفة للأمور الدينية والدنيوية كما يليق بمنصبه الشريف، وكان في حبور جموع من كل ناحية من العلماء وغيرهم ومراجعة حسنة، منها: ما أخبرني الفقيه العدل الصالح محمد بن علي بن عباس الآنسي وكان من عباد الله الصالحين، وإمام مسجد سيدنا القدوة العلامة الزاهد محمد بن عبد الله الغشم عادت بركاته أن حي سيدنا العلامة إبراهيم بن مسعود وصل من حجة وقد أعد مسائل:

منها: ما الوجه في إبطال بيع الرجاء وغيرها من المسائل، وأنه سأل مولانا عليه السلام وعرف الإمام منه الانتصار لما قد تقرر عنده وقد سمع من جواباته أنه قال: إلحق بالوالد أمير الدين إلى الجهاد، وهذه المسائل مدركة أو كما قال، فعزم القاضي وفي نفسه شيء ويظن أنه عسر على الإمام عليه السلام الجواب في تلك الحال ، ثم لما انفصل أخذ الإمام في الجواب عليها جواباً شافياً في يوم عزمه، قال: وهو موجود، ثم أمر الرسول أن يسير مع القاضي ولا يدفع له الجواب إلا في حجة، قال فأعجب القاضي استيفاء الجواب الذي اطمأن به، وحسن النظر في إرساله على الصفة لمحبة الميل عن طريق الجدل والمراء المنهي عنهما.

[وصول الإمام إلى حبور]
قال السيد أحمد نفع الله به: إن وصول الإمام عليه السلام إلى حبور في شعبان عام ست وألف [1597م] ووفدته الوفود، وكثرت الفتوحات والأرزاق وأعطى العطاء الواسع، وذكر وصول القاضي إبراهيم بن مسعود، ووصف كثيراً من تعظيم الإمام له، وقال ووصل الفقيه الفاضل العالم جمال الدين علي بن صلاح الحضراني من بلاد آنس وهو من كبراء فقهاء الزيدية في تلك الجهة، ووفد إلى حبور الفقيه المجاهد الفاضل الشهيد علي بن يوسف الحماطي وهو يومئذٍ حدث السن لم تنبت لحيته إلا أن مخائل الكمال تلوح عليه، وأيدي الرئاسة تشير إليه، ولم يزل رحمه الله بعد عودته من مقام الإمام عليه السلام يرتقي درج الرئاسة حتى بلغ أقصاها ويستولي على أقطار السياسة حتى بلغ منتهاها، وجاهد في الله حق جهاده، وساس الأمور، وظهر صيته عند الجمهور، وهابه العدو، ورجاه الصديق، وانتهى الأمر إلى أن غدر به بعض أعداء الدين من مشائخ الحيمة فقتله غدراً كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ثم إن الإمام عليه السلام بعد استقراره في السودة كما سيأتي إن شاء الله تعالى استرجح[ق/174]توجيه ولده مولانا الإمام محمد وأصحبه جماعة من السادة والفضلاء ،منهم الفقيه الصالح صلاح بن عبد الله بن داود الشظبي مؤدب مولانا محمد عليه السلام.
ويروى عنه معرفة للأمور وأن يلحقوا بالسيد أمير الدين، وقد اتفق بينهم يعني السادة وبين عبد الرحيم حروب كثيرة، اليد في أكثرها لجنود الحق حتى ألجؤه إلى المصالحة والخطاب.

قال السيد أحمد نفع الله به: إنه دار قدر شهرين والمراتب عليه من جميع الجهات، منهم السيد عبد الله بن الهادي الحيداني في العبالي ووقوف السيد أمير الدين في مأذن والشيخ الحصين ملازم له، والشريف صلاح بن محمد الغرباني والسيد إبراهيم الوشلي في دار حاجب، وأرسل الإمام عليه السلام باستدعائه مراراً وفي بعضها اختلف عليهم وفي بعضها أغضبوا وأرسل أخرى إخوته، وأرسل الإمام سادة وفقهاء ومشائخ وجعل على كل طائفة رئيساً، فعلى السادة السيد محمد بن علي بن إبراهيم صاحب الشاهل، ورئيس الفقهاء القاضي سعد الدين بن الحسين، ورئيس المشائخ الشيخ علي الحسام حتى صلح الحال وشرط له الإمام حصنه مبين والصوافي وأن له ولعسكره كفايتهم، ثم كان منه الوصول بجميع من معه من عسكره وحفدته إلى مولانا عليه السلام فوصل إليه إلى المدان من أعمال هنوم فأنصفه الإمام عليه السلام، واستتابه فتاب وأظهر ذلك وحبس نفسه ومن معه للجهاد في سبيل الله ونصرة إمام الزمان عليه السلام، فوجهه عليه السلام مدداً لأهل هزم كما تقدم وعمدة في أهل الجهاد، وواعده بإرجاع بلاده وغيرها حتى كان منه ما تقدم من الغدر والعود إلى ما هو أشر من حاله الأول كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

51 / 109
ع
En
A+
A-