[فتح بلاد عفار وكحلان]
[ق/163] وأما عفار وكحلان ومايوازهما من البلاد فذلك أنه تقدم الشيخ زاهر بن عرجاش في جماعة من القبائل والعسكر إلى جبل نيسا، وتقدم اليسد شمس الدين أحمد بن المهدى بن جحاف بجماعة معه من دهمة وغيرهم إلى بني جيش ثم طلعوا إلى موضع يسمى شعبان وهو حصن خراب بين صبرة وعفار، فثبتوا فيه وتقدم ابن عرجاش إلى بلاد قيدان، وكان في صبرة محطة للأتراك عسكر كثير من جملهتم أحمد ذماري الذي كان في الشرف لما وصل إلى حجة هارباً أمره الأمير عبد الرحيم إلى بلاد عفار رتبة في عسكر كثير، وكان فيها أمير من الأتراك، والهادي بن الحسن بن الإمام شرف الدين أيضاً في عسكر من الأتراك وغيرها رتبة فقدم الأتراك جماعة منهم إلى المصنعة وهو حصن في بلاد قيدان فأحربهم الشيخ زاهر بن عرجاش وأصحابه، ولما وصل السيد أحمد بن الهادى وأصحابه إلى شعبان وقع الحرب بينه وبين من في صبرة من الأتراك، فمنح الله أصحاب الإمام النصر والصبر وهزموا الأعداء وقتلوا منهم، فلما كان كذلك واجه أهل صبرة إلى أصحاب الإمام عليه السلام ودخلوا في الطاعة وتحيز حرب الأتراك إلى جبل جرع وهو يومئذٍ خراب فحاصرهم أصحاب الإمام من كل جهة، ثم وقع صلح على أن يرفقوهم بسلاحهم وخرج بعضهم إلى حجة فبقوا في حورة وطلع بعضهم وهو الهادي بن الحسن ومن معه إلى حصن كحلان تاج الدين، ودخلت بلاد عفار وكحلان وبني عشب وما يوالي هذه الجهات في طاعة الإمام عليه السلام ونفذت فيها الأحكام الإمامية، وكانت ولايتها إلى السيد شرف الدين الحسن بن شرف الدين واحتاز الهادي بن الحسن وإخوته في حصن كحلان
تاج الدين أياماً قليلة، ثم تسلم الإمام عليه السلام الحصن وواجه إلى الإمام بعض أولاد الحسن وبعضهم لحق بالأتراك إلى صنعاء ووقع الحصار على حصن عفار وكان فيه ولاة للأتراك من همدان وغيرهم حتى تسلم إلى الإمام بعد نحو سنة.
[فتح مدع]
وقال نفع الله به: فتح مدع، وكان فتح مدع في خلال الحروب التي كانت في جبل تيس بين السيد عامر رحمه الله والأتراك، وذلك أن السيد العلامة مفخر الآل شرف الدين الحسين بن شرف الدين، والسيد الأكمل الأعلم شمس الدين أحمد بن محمد بن علي المحرابي رحمه الله [ق/164] التقوا إلى نواحي مدع في من معهما من القبائل والعسكر ثم أحربوا أهل مدع ليلة واحدة ودخلوه من الغد وقت شروق الشمس قهراً، فقتل جميع من فيه من الولاة وغيرهم، وانتهبت جميع ما فيه من أثاث وسلاح وغير ذلك إلا الباروت والرصاص فإنه بقي فيه.
وروي أنه لم يسلم من أهل الحصن غير واحد اختفى بين النساء، واستشهد في هذه الوقعة من أصحاب الإمام عليه السلام اثني عشر رجلاً، وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقعات شبيهة بوقعة فتح ثلاء لأن حصن مدع هذا من أحصن الحصون وأمنعها، وكان فيه رتبة قوية من الأتراك وهمدان فيسر الله سبحانه وتعالى فتحه بسرعة (فله الحمد) ما كان ذلك إلا بتأييد الله سبحانه ونصره للإمام عليه السلام وأصحابه، ثم بعد فتح مدع رجع السيد شرف الدين الحسن بن شرف الدين أيده الله تعالى إلى ثلاء وتقدم السيد شمس الدين أحمد بن محمد إلى حضور لغرض دعا إلى ذلك ثم رجع إلى مدع.
[حروب المغرب]
وأما حروب المغرب فقد ذكرنا ما اتفق لسيدنا العلامة نجم الدين وأويس الآخرين يوسف بن علي الحماطي رحمه الله وما عرض من ذكر ولده الشهيد القاضي العالم علي بن يوسف الحماطي رحمه الله مع بعض أخبار الحاج شمس الدين رحمه الله تعالى، وأول أخبار السيد العالم الشهيد جمال الدين عامر بن علي عم مولانا عليه السلام أنه لما سكنت الزعازع وقرت الأمور اجتمع إلى ولده الشهيد عيون المغارب من بلاد آنس ومغارب ذمار، وبلاد ريمة ووصاب وما إليها، وتوجه إليها حي الشيخ ناصر بن راجح وغلظ جانب دولة الحق، وفيها أخبار طويلة واختلاف مع القبائل سيما بلاد الشافعية فإنهم امتنعوا من الظالمين باشتغالهم بحروب بلاد الزيدية كثرهم الله وحفظوا بلادهم واختلفوا في ذات بينهم فممن نزل بلادهم الشيخ ناصر بن راجح كما تقدم فأحربوه في بلاد عتمة في موضع منها يسمى المنصورة من بلاد الثلاثاء وحازوه فيها فأدركه القاضي جمال الدين رحمه الله، وكان المنتصب لحرب الشيخ ناصر بن راجح، الشيخ عبد الله بن معوضة البحري وإليه قبائل، فلما وصل القاضي جمال الدين رحمه الله انهزم البحري وأصحابه [ق/165] بعد حرب شديد وخراب لبعض بلاده ووصل إلى القاضي مواجهاً وستر نفسه بالمواجهة إلى القاضي وأنه لا يرى ابن راجح ولا يراه فقبله القاضي، واجتمع إليه أكثر المغارب ثم افترقت القبائل من بلاد عتمة وغيرها حتى سرى إلى آنس فمال قبائل حمير مع ابن راجح لهذا الداعي، والآخرين عولوا على القاضي أن ينصب لهم من جهته لقبائل نزار فجعل معهم الشيخ أحمد البصير السلامي على نزار فاجتمع الطائفتان
معاً وفتحوا بلاد وصاب، ولهم أخبار وحروب، فلما وصل الباشا علي من الحبشة كما تقدم خرج عليهم الأمير محمد الزوم ومعه طوائف كثيرة فوق أربعة آلاف أو خمسة من العرب والعجم فهزموهم من وصاب ودخلوه وفي بلاد ريمة كذلك، وتمنعوا بسبب اشتغال العجم بحروب مولانا عليه السلام سنين لم يتمكنوا من فتحها وتغلب عليها أهلها، ولضعف عقائدهم في أهل البيت كانوا يخطبون لسلطان الروم وينصرون له وهم على محاربته ومخالفته، فنعوذ بالله من الزيغ الشديد، والضلال البعيد، ولما اتفق ما تقدم ذكره من وصول علي باشا لا رحمه الله بعد قضية خولان دخل صنعاء متفقاً بالوزير حسن، وكان فيما بينهما يعني الوزير حسن وعلي باشا لا رحمهما الله مصانعة وإظهار الصفا وقد أحبه لتفريج كربه وهو غير آمن له.
وأما سنان لعنه الله فهو أشد خوفاً ويظهر الكراهة للباشا علي، ثم إن الباشا حسن لا رحمه الله خرج مشيعاً للباشا علي إلى الصريات أعلى من ريشة أعشار من بلاد سنحان وأقام معه أربعة أيام، وخرج الباشا علي يريد فتح ريمة وما إليها، وكان مغرماً بها، وله فيها أخبار طويلة، وكان مقيماً في ولايته الأولى في موضع منها يسمى ظلملم من مواضع بني جعفر وكانوا ملوك ريمة ولهم موالاة مع العجم أخبار فأذلهم هذا الباشا علي في الأيام الأول واتخذ أولادهم ومساكنهم، ولقد روي عنه وعنهم ماتنزه منه الطروس، فلهذا كان مبادرته إلى ريمة والعجلة إلى ذلك الموضع وعرف أعداؤه أنه لايبرح عن تلك البلد ويمضي تلك الطريق فكان من أمره ماسيأتي إن شا الله تعالى قريباً، ولما استقر في الصريات وقدروا لعنهم الله أن المشارق قد سكنت فتنتها وأمنوا جانبها توجه لفتح ريمة بجموع هائلة وأمراء كثرة من العجم والعرب حتى أحط في بلاد [ق/166] ألهان، ثم جعل كثيراً من خزائنه وأثقاله عند الشيخ داود الملاحي وكان من أهل الرئاسة والميل إلى الظالمين الله المستعان،ثم خرج إلى بلاد الشيخ الدهاق الدويدي، ومنها واجهت المغارب كلها وخرج القاضي الشهيد علي بن يوسف الحماطي رحمة الله عليه وغيره إلى فيوش من أعمال عانز وغيرها وانفردوا وكانوا في مشاق بحيث أنهم كانوا كما أخبرني غير واحد من خواصهم امتنعوا من الأكل والشرب لشدة الإختفاء في الشواهق وأسفال البيوت لئلا يحتاجون إلى الخلاء لأنهم لا يظهرون إلا في الليل ثم خرج المخذول إلى بلاد يفعان موضعاً منها يسمى السلف وقتل قوماً وصلب آخرين، وسلخ
جلودهم قاتله الله.
(قال الشيخ علي بن إبراهيم المقبح الإسلافي ثم الريمي إنه كان مع الباشا وقد كان أمر أمراء عدة من العسكر لغزو بعض قبائل السلفية ولا خبر معهم بهذا الباشا وأمر أن يقتلوهم ذكراً وأنثى وصغيراً وكبيراً فأرسل الله في تلك الليلة مطراً مخالفاً للعادة تردد سبع مرات فحال بينهم وبين مقصدهم، فأمر هذا الطاغي بالكف عنهم ونجاهم الله)، ثم ولى على عتمة ووصاب أميراً سموه منهم الأمير علي مهردار، والآخر الأمير علي بهلوان وبسط في الظلم والجور بحيث أنه استعجل الحبوب في غير وقتها وشحن يفعان وحصون ريمة.
نعم ولما أراد الله إراحة المسلمين منه، وكان الشيخ الرئيس صبر بن رسام الطليلي قد احتال على حصن حزر وملكه وأخذه سابقاً على بني جعفر وغيره من حصون الجعفرية، واستقر فيه وامتنع على العجم فيه مدة، ثم ولده الشيخ الرئيس الكبير سعيد بن صبر بن رسام كاتبه سنان لعنه الله سراً، وأخرج بعض بني جعفر الذين كانوا معه في الاعتقال وصاروا معه في جهات الحيمة لأنهم لما أمنوا من جهة المشرق خرج الباشا علي ريمة وما إليها، وسنان لا رحمه الله الحيمة وما إليها وصار في عر الحيمة وأظهر أن صبر آغا الجعفري وأحمد بن علي بن سليمان الجعفري هربا واستجارا ببعض مشائخ آنس، ثم أدخلوهم حصنهم على أنهم مفتسحون من سنان أو هاربون وقد عرفوا من هوى هذا الباشا علي أنه يريد ظلملم على المعهود ولا يرضى بغيره، فأظهر سعيد بن صبر له الطاعة وكذا وهو حافظ نفسه وحصنه وبلاده منه، فعزموا اليوم الذي [ق/167] نزل فيه إلى ظلملم فكمنوا في الليل في جانب الطريق مما يلي حصن حزر وانحدرت جنوده في النقيل الذي ابتناه المسمى مراش بحيث أن مثله قليل في العمارة والصنعة العجيبة والطول، وتسهيله لكل دابة ضعيفة وغيرها، وقد عرفوا أنه يكون في آخر المحطة في خاصة مماليكه فرماه بعضهم بحجر في رأسه ثم رماه آخر ببندق أصابت رأسه أيضاً فاحتز المماليك رأسه خوفاً لا يغلبهم القبائل عليه، وقد قتل القبائل من قاتل معه من المماليك، فما راع أول المحطة إلا والصائح يقول: قتل الباشا، فعادت الجنود فوجدوه مقتولاً هو وجماعة من مماليكه وقد طلع أصحاب سعيد بن صبر حصنه وامتنعوا فيه، فحصل في العجم الذل حتى
لقد نهبتهم النسوان ولاذوا إلى الأمير جعفر الجماعي اليمني فدافع عنهم، وقد اجتمعت عليهم القبائل مع الشيخ سعيد بن صبر فحازوهم في كسمة، وعظم الأمر حتى أخذوا الرفاقة من القبائل المذكورة ممن حضر ورأى وسمع أنهم عرضوا من يحمل معهم الخزائن والأثقال من القبائل بعد الصلح على خروجهم من البلاد، فأقبل القبائل على أنهم يحملونها، والكاتب يكتب على كل شيخ وأصحابه ما حملوه إلى السهل للجمال ويثبت اسم الشيخ واسم الحمال من أصحابه حتى أن بعض القبائل أحس أن حمولته حاصل فقال له الكاتب: ما اسمك؟ فقال: (إليك لك) الشيخ داري فظن الكاتب أن ذلك اسمه فأثبته على هذه المقالة فأرسلت مثلاً، ثم أخذت أكثر الخزائن مما حمله القبائل وتغلبوا عليها ورضيت المحاط الكثيرة بالسلامة.
ويروى أن هذا الكاتب أخذ عليه بعض مشائخ ريمة الدفتر من خوف العواقب فقال فيما قال: إذا ذهب الدفتر فالخزائن موقعة في صدره فاغتالوه وقتلوه لئلا يخبر بذلك، وخرجت المحاط إلى وصاب وظنوا أنهم يستقرون فيه فحصل فيهم الفشل بعدها وقد نصبوا لهم الأمير علي مهردار كما أخبرني الشيخ شرهان الرازحي وغيره، وكان هذا الأمير على ذا مال عظيم الحال، فانحدر من عتمة إلى وادي النار فيما بين عتمة ووصاب وخيم هنالك مستقيماً للأمراء الذين أخرجوا من ريمة فأرسل الله مطراً عظيماً مخالفاً للعادة فنزل السيل فاحتمل محطته وأثقاله وخيامه وتفرق أصحابه في جنبات الوادي، وتعلق المذكور في شجرة حتى تمكنوا من إخراجه، وكانت آية ظاهرة وعبرة سائرة [ق/168]، وهذا من إمداد الله تعالى لولد نبيه سلام الله عليه فلم يلتئم له بعدها حال فخرجوا من وصاب جهات اليمن، وتفرقوا على ما يأتيهم من الباشا حسن وسنان لا رحمهما الله من التدبير.
وأخبرني الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي الحضوري قال: إنه كان عند الإمام عليه السلام في تلك الأيام في موضع حوالي المحراب من الأهنوم، قال: لما بلغه قتل علي باشا لا رحمه الله، قال عليه السلام: قد كنا هممنا نصعد شهارة للحوزة حتى رأيت ليلة هذه البشرى قائلاً يقول:
وما من يد إلا يد الله فوقها .... ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
وكان مصداق الرؤيا أن سنان لا رحمه الله الذي اغتال الباشا علي، وأما القاضي الشهيد جمال الدين علي بن يوسف الحماطي رحمه الله والشيخ ناصر بن راجح، وصنوه الشيخ عاطف ومن انضم إليهم فإنه لما صح لهم قتل الباشا المذكور وخرجوا من الاختفاء، وكان قد لحق الباشا عسكر وعليهم رئيس من العجم ومعهم خزانة تلحق بالباشا المذكور فسارع إليها الشيخ ناصر بن راجح في جماعة وانضم إليهم قبائل من بلاد مقرا في موضع يسمى القحصة من حدود ريمة فاستولوا عليها وقتلوا جماعة منهم وأسروا من بقي، وكان في ألهان رئيس من العجم يسمى حسن آغا من كبرائهم بنحو مائة وثلاثين بندقاً على خزائن للباشا المذكور، فلما بلغه قتله نزل حتى دخل بلاد الشيخ الدهاق ثم أحاطت به جنود الحق في حجر قران موضعاً هنالك فأخذوه وقتلوه ومن معه على كيفيات مختلفات، وغنموا سلاحهم، ولما كان ذلك وصل من عند سنان والوزير حسن لا رحمهما الله أمير يسمى الأمير أحمد شوبان فأحط في خذاو موضعاً في ألهان، ثم تقدم إلى رأس نقيل ستران ولزم العجم شرف ألهان وجنود الحق في موضع أسفل منه فلا زالت الحرب قائمة قريباً من تسعة أشهر، ثم عجز القبائل وانهزموا، وهتكت حرم بعد الهزيمة وأخرب العجم ومن انضم إليهم من القبائل جبل الشرق حتى المساجد قاتلهم الله أنى يؤفكون، ولقد حكى لي غير واحد أنهم أحرقوا المساجد وما فيها من المصاحف، وأن بعض جهلة القبائل أراد إخراج شيء من المصاحف فضربه المستقيم عليهم من قبل العجم حتى ردوه إلى النار لعنهم الله، ثم إن القاضي جمال الدين انهزم وعاد جهات عانز ثم عاد إلى الحيمة.