[وقعة السودة]
نعم! ولما ضايق جنود الحق صنعاء وانقطعت موادها وقد انحصر سنان لا رحمه الله في بلاد الطرف كما تقدم.
أخبرني الشيخ أحمد بن علي بن خضر وغيره: أن الوزير حسن طلبه للوصول يفرج عن صنعاء وطرقها فلم يتمكن لملاحمة جنود الحق له، وقد هزموه من السودة، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وما حمله يعني سنان وكان علق رهنه إلا النقيب حاتم الحارثي وجماعة من العرب على أكتافهم وقد أحيط به ووقع فيه صوائب، وأخذ حصانه وحليته، وصارت الحلية مع رجل من بني صريم، والحصان مع الشيخ عبد الملك بن عامر بن عمران وأخفى اسمه بعض المنافقين عمن قد عرفه ليرميه، وأطفى عليه الفتيلة لصنائع قاتلهم الله، ثم إنه احتال هو أو بعض مماليكه بأن طرح أكياساً مملوءة نقداً من على البغال فاشتغل بأخذها خفاف الناس، وكان الملاحم له من قبل مولانا عليه السلام الفقيه جمال الدين علي بن محمد الشهاري المشهور والشريف صلاح بن محمد الغرباني، والشيخ عبد الملك بن عامر بن عمران.

[وقعة نغاش]
وقال السيد عيسى: ووقع في أيام نغاش وقائع هائلة خاض فيها سنان لعنه الله المتالف.
قال السيد أحمد عادت بركاته: وكان القتل من أصحابه في هذه الوقعة نحو مائتي رجل من شجعان العجم والعرب، وغنم المجاهدون في هذه الوقعات أنواعاً من السلاح والبنادق العظيمة وغيرها شيئاً كثيراً، وكانت هذه الوقعة مقوية [ق/ 132] لأعضاد أصحاب الإمام، مثبتة لأقدامهم، ومزلزلة لقواعد الأتراك، وهادمة لقواهم، وكان لها موقع عظيم، ووقع بسببها فتوحات كثيرة، وقيلت فيها الأشعار الكثيرة، ومما قيل فيها قول السيد العلامة صلاح الدين صلاح بن عبد الخالق بن يحيى بن الهدى الجحافي، وهو قوله:
النصر والفتح والتأييد والظفر .... جرى بها لك من دون الورى القدر
وساعدتك عنايات الإله ففي .... جيوشك الغر من أملاكه زمر
مذ قمت لله لا تلوي على أحد .... والأرض فيها نيار الجور تستعر
نصرت بالرعب والأعداء قاطبة .... بحد سيف شديد البطش قد قهروا
ما سار جيشك إلا أمه رعب .... تكاد منه قلوب الخصم تنفطر
لم أنس يوماً بطوف السود كان له .... ذكر بروق ونشر طيب عطر
فصدق الله منك الظن وانفتحت .... لك الفتوح وزال المكر والغرر
فما سمعنا بفتح كان يشبهها .... إلا الذي خص في أيامه عمر
يوماً شفيت فؤادي من بلابله .... به وأدركت ما قد كنت أنتظر
لدن تمشت جنود البغي يقدمها .... الشيطان والزهو والطغيان والبطر
لا يحسبون لهم كفؤاً يقاتلهم .... ولا يردنهم بدو ولا حضر
فصادفوا عصبة سيان عندهم .... أقل أعداؤهم في العين أم كثروا
أهل الحفيضة من حنب وهل أحد .... يفوقهم أو يسامي مجدهم بشر
وأهل كحلان تاج الدين إن لهم .... مجد على من يساميهم ومفتخر

ولست أنسى بني حيش وما صنعوا .... فإنهم عصبة حين الوغى صبروا
وعصبة بذلت لله أنفسها .... من الذين هم آووا وهم نصروا
ومن أتى قاصداً للقوم من كشر .... ما صدهم عنهم جبن ولا خور
فأخشنوا الحرب حتى انقض مركزهم .... والطعن يأخذ منهم فوق ما يذر
وأعملوا السيف فيهم والرماح معاً .... وكل ما سفكوا من دمٍ هدر
فأصبحوا جزراً للطير تأكلهم .... وسوف تأخذهم في أهلها سقر
تباً لمن عاند القهار فيك وما .... درى بأنك من أنصارك المطر
أعشى عيونهم فانقض جمعهم .... وأسلموا كل ما يهوون وانتشروا
[ق/133]
غمائم يوم بدر كنَّ تكرمة .... لجيش جدك جاءت وهي تنهمر
طهرت جيشك من رجز وكن لهم .... سكينة فاستقلوا القوم فانتصروا
فالأرض تشكر صوب الساقين له .... جماجم وسماء فوقها درر
مولاي أكرم داعٍ من بني حسن .... ومن به فخرت في عصرنا مضر
ومن هو الثمر الحلو الذي كرمت .... أصوله فزكى من طيبها الثمر
أعيذ مجدك من كل العيون فما .... أتت بمشبهك الأيام والعصر
عصراً أقول لدهري فيه من عجبي .... أرُد موسى إلينا اليوم والخضر
أعصر أحمد هذا أم صحابته .... غابوا زماناً وجاءوا بعد ما غبروا
مولاي واعذر إذا قصرت في كلمي .... إن الكرام إذا ما سألوا عذروا
وهاك مزجاة شعر ما لها ثمن .... في غير سوقك في أذيالها قصر
والله يحمي بك الإسلام ما طلعت .... شمس وما لاح في أفق السماء قمر

ولما صار سنان لا رحمه الله إلى نغاش بقي حائراً أن يرجع لاغاثة صنعاء خاف على نفسه من العرب، وكان معه أثقال من أعظمها مدفعان، أحدهما المدفع الخباني المذكور في حروب هزم، والآخر قريب منه، وتتابعت رسل الوزير يطلب وصوله حتى كان آخرها: إن لم تصل بالعسكر وصلناك بنفوسنا، قال الشيخ المذكور: فطلب المخذول نقيب العرب المسمى سعدان العبدلي الشقي لا رحمه الله، وكان عيبة نصحه، وقال: اطلب من في المحطة من يافع ولا تحضر أنت معهم وهم نحو خمسمائة، فلما حضروه أخرج من عنده من العرب من الزيدية، وقال لهم: يا يافع أنا في هذا المكان غريب وأنتم مثلي غرباء، وأخبرهم بحال صنعاء، وشكا عليهم وتباكى لهم، وقال معي ثقل أخاف العار بتركه وهما هذان المدفعان وأنا طالب منكما تجروهما فأنا لا أقدر على تحصيل أحد من القبائل أو كما قال، فأجابوه إلى ذلك وجروهما، وارتحل على حين غفلة حتى اتصل بصنعاء فتلقاه الوزير والأعيان بالمحطة إلى باب اليمن بمشورة بعض العرب قاتله الله فإنه قال إذا دخلتم صنعاء فسد من فيها، ويظنوكم اجتمعتم للحوزة، واجتمع جنود العجم وأمراؤهم والأمير المحروم عبد الرحيم.

قال السيد عيسى بن لطف الله: وغزوا خربة سعوان وهي قرية خارج صنعاء إلى جهة المشرق فقتلوا أهلها جميعهم، وكانوا فوق مائة [ٌ:134] نفس ولم ينج منهم إلا من كان غائباً عنها، وذلك في سادس شهر ذي الحجة سنة ست وألف [10يوليو 1598م]، ثم لا زالت منهم المغازي إلى مشارق سنحان وإلى روس سنحان وغيرها والحرب سجال، ثم اختلت بلاد سنحان، وصار أهلها إلى العجم، وخيم المخذول سنان لا رحمه الله في القبتين من أعمال كنن سنحان، والحاج شمس الدين ومن إليه من أعيان المجاهدين مع خولان ومن معهم من العسكر الإمامية يدافعوهم، وكان في تلك المدة حروب حرمان المشهورة، ثم إن الحاج شمس الدين رحمة الله عليه عاد إلى نواحي خولان ومخاليفها، ولما استمر للعجم الطريق من ذمار إلى صنعاء بعض استمرار وفسد إليهم من بلاد مذحج وقيفة من فسد مع ما تقدم من أخبار الشيخ زيد بن أحمد الحداي، عاد سنان لعنه الله والأمير عبد الرحيم وغيرهم جهات القبلة، ولهم أخبار طويلة في اجتماعهم في صنعاء، ثم في كوكبان كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعض من تفصيل ذلك، وكانت حروب مدع المشهورة وأيام حروب سهران الظاهر وغيرها وهي ملاحم لا تنحصر كما قال السيد العلامة الزاهد شيخ العترة أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي عادت بركاته:
ومن يحدثك فيما كان في مدع .... وفي ثلاء قلت ماذا الفعل من بشر

أخبرني القاضي العلامة المهدي بن عبد الهادي الثلائي المعروف بالحسوسة مكاتبة عن والده رحمة الله عليه إن عدة الحروب في مدع وثلاء أكثر من نيف وسبعين وقعة، في وقعتين منها هزم أصحاب الإمام عليه السلام، ودخلت مدينة ثلاء وانتهبت، واستشهد من أهلها ومن المجاهدين كثير، ثم استعادها جنود الحق فكان فيه حي الحاج الفاضل أحمد بن علي بن دعيش، والقاضي المجاهد يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله حتى أخرجهما منه سنان لعنه الله بأمان ووفى لهما به كما أخبرني سيدنا عماد الدين يحيى بن صلاح رحمه الله تعالى.

[ذكر استقرار الإمام في السودة]
لما بلغ الإمام عليه السلام عساكر الأتراك وإجماعهم كافة على السيد عامر رحمه الله إلى جبل تيس وهو يومئذٍ في حبور وابن المعافا عنده رأى عليه السلام أن يتقدم إلى السودة ليشدد أصحابه الذين في ثلاء وغيره والذين في جبل تيس، ويشغل [ق/ 135] قلوب الأعداء من ورائهم، وليحسن أيضاً استخراج ولده عز الإسلام محمد بن أمير المؤمنين، وذلك أنه كان في مدع لأنه لما ساير الخارجين من حصن السودة ورفقهم كما ذكرنا من قبل سار معهم إلى المضلعة، ثم تقدم إلى مدع، ولما وقع الحرب في جبل تيس اجتمع السادة الذين هم السيد حسن بن شرف الدين، والسيد صالح بن عبد الله، والسيد أحمد بن محمد المحرابي وأرسلوا القاضي سعد الدين إلى حبور ورأوا تقدم الإمام إلى السودة، وأخذ شوره ورأيه في ولده عز الإسلام محمد بن الإمام لا يبقى في مدع بل يعود إلى أبيه، فتقدم الإمام عليه السلام إلى السودة، والسيد عامر حينئذٍ في جبل تيس فتأخر السيد عامر عقيب ذلك، وتقدم الإمام إلى السودة في شهر صفر سنة سبع وألف [سبتمبر1598م] حتى استقر بالسودة، ووقع مع الناس تضعضع من تأخر السيد عامر رحمه الله وساغ للمرجف القول، وتفرق من كان في ثلاء من أصحاب الإمام وعادوا إلى نواحي جبل عيال يزيد وبني قطيل، وانتقل السيد شمس الدين أحمد بن محمد المحرابي من قرية مدع إلى مسور واجتمع بالسيد عامر هنالك، وبقي في حصن مدع الحاج الفاضل المجاهد شمس الدين أحمد بن علي بن دغيش- وقد تقدم ذكر ذلك-ومعه جماعة من العسكر المجاهدين، ولما خلت بلاد جبل تيس ونواحي ثلاء غير حصن ثلاء من

أصحاب الإمام عليه السلام انتقل سنان بعساكره إلى حول حصن مدع، فحط في جرن مدع وحاصر أهل الحصن، ثم شرع في حرب من في مسور من أصحاب الإمام عليه السلام، واتصل به بعض قبائل مسور كعيال على وعيال مومر خفية، وكان ظاهر هؤلاء مع أصحاب الإمام عليه السلام وباطنهم مع الأتراك، وكان سنان لعنه الله لما وصل مدع أصابه الله بألم نحو أربعة أشهر وأشيع موته، هذا معنى ما ذكره السيد أحمد نفع الله به.
وفي أيام بقاء الإمام عليه السلام في السودة قضايا، منها: أن الشيخ ناصر البهيلة صاحب حقل كاتب الإمام عليه السلام أنه يسلم له الحصن بشرط أن يقدم الإمام لقبضه هو، فتوكل على الله، ولما كان بالقرب منه وقف لينظر في الأمر وينتظر وصول الشيخ المذكور وظلل عليه أصحابه من الشمس فرماه عدو الله بثلاث بنادق لم يحصل عليه ولا على أصحابه منها ضرر، وعاد عليه السلام إلى السودة.

ومنها: أنه بلغ الإمام عليه السلام أن سنان لعنه الله قال: إن الإمام قد بدن في السودة [ق/136] واستراح فلا يقدر على الحركة، وكان عليه السلام معروفاً بزيادة القوة والخفة، وقد رأى من الناس مللاً من الجهاد فصلى الجمعة يوماً في السودة وسار مسرعاً حتى صعد مرتفعاً ولم يلحقه أحد لعجزهم عن لحوقه، فلما حصلوا قال لهم: اسمعوا ما أقول لكم وليس ما أقول في أمر الجهاد الذي قد ثقلتم عنه، هذا شهر رجب من تعمده بالتعبد ونسك فيه فقد خالف دين الله، ودين رسوله إذذلك من أفعال الجاهلية أو كما قال، ثم مضى إلى غربان، ثم إلى خمر وبلاد الكلبيين ورأى في الناس تثاقلاً ومللاً عن الجهاد، وقد طلب الحاج شمس الدين أحمد بن عواض فوصل في نحو ستمائة رجل إلى بلاد الكلبيين، وعاد إلى جبل عيال يزيد، ثم إلى بني جيش وأمر بالحرب على مراتب الترك في بلاد قضوى من بلاد كحلان تاج الدين فأخذهم أسرى، فأما الذين في قضوى فوهبهم لخولان أصحاب الحاج أحمد لكونهم منهم، وأما الذين في مدع فأخذوا أسرى، واستشهد في ذلك اليوم الحاج الفاضل المجاهد علي بن عواض الأسدي كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ثم عاد إلى السودة واستقر فيها، وكانت السرايا والمراكز شرقاً وغرباً منها، واجتمع لديه علماء كثيرون، ولهم معه مسائل وفوائد، وممن وصل إليه إلى حبور أوالسودة السيد العلامة محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين عليه السلام وأظهر توبة مما كان منه من معاونة سنان لعنه الله ومجالسته حتى كان منه أشعار يرد عليهم ويصوب فعلهم، وللإمام عليه السلام الجواب المسمى( حتف أنف الإفك) وشرحه، وهو كتاب مشهور، ولا أدري هل استقام أم لا، وفي الكتاب المذكور ما يفهم أنه عاد إليهم ومات معهم على غير الصواب. والله أعلم.

[ضرب الإمام للعملة]
وإنما أخبرني بوصوله إلى الإمام الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي، قال ورآه وكان يخضب بالحناء، وضرب الإمام عليه السلام في السودة الضربية المنصورية، وكانت نصف درهم مكتوباً في جانب منها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الجانب الآخر اسمه عليه السلام والتأريخ، وانتشرت وأخذها الناس بركة ولطيب فضتها، (وفي آخر إقامته عليه السلام في السودة تزوج الشريفة الطاهرة فاطمة بنت الإمام الأعظم الناصر لدين الله الحسن بن علي عليه السلام، وأمها بنت الأمير عبد الله بن يحيى بن المعافا، وحصل في تلك الأيام مسائل ورسائل [ق/137] طارت في البلاد ولم أقف على ترتيبها ومجالس أدب، من ذلك أنه كان حي السيد الأديب الصدر صلاح بن عبد الخالق الجحافي القاسمي، والقاضي العلامة الفاضل علي بن الحسين المسوري رحمهما الله تعالى في منزل بالقرب من الإمام عليه السلام فراسلاه بهذا الشعر تناشداه بيتاً بيتاً، فكان له موقع في المفاكهة بالفوائد، والتحف الوافية المقاصد، وهو:
خليفتنا أنت بحر الأياد .... وغوث الموالي وحتف الأعاد
بك الله أنقذ دين الهدى .... وأهليه من معضلات شداد
وشد بك الله أزر الصلاح .... وهد بك الله ركن الفساد
وسماك منصوره فانتصرت .... على المفسدين وأهل العناد
نصرت الضعيف أغثت اللهيف .... دعوت إلى الله كل العباد
أنالك ربك ما ترتجي .... وبلغك الله أقصى المراد
ومتعك الله بالصالحات .... ولا زلت من فضله في ازدياد
وهناك ما هو أولاك من .... سرور ومن فرح مستزاد
سنا النور زفت إلى النور .... والضياء المنير على كل ناد
فنور على النور أذكى سنا .... وأضوأ لملتمس للرشاد

45 / 109
ع
En
A+
A-