إريان، وفي خلال هذه قضايا وحوادث منها ما أخبرني حي الشيخ الأجل عمر بن علي بن فلاح الحداي أنه دخل مع والده عالم من بدوان الحدا ذمار.
وكان الشيخ علي بن فلاح الحداي صادق المحبة للإمام عليه السلام وللقاضي، فاتفق منهم تعد على أهل ذمار ودخلوا البيوت فشكا أهل ذمار على القاضي فلم يحصل من الحدا امتناع ولا مقابلة أمر القاضي بما يحق له، فأمر أهل ذمار بالدفاع عن بيوتهم وأجابهم من أجاب من الناس فخرج عليهم ألفاف ذمار فقتلوا من الحدا جماعة كثرة، وأخرجوهم من ذمار منهم من المشائخ الشيخ أحمد بن بدر، والشيخ أحمد بن حسن، والشيخ سعيد بن [ق/126] محمد المسخر وغيرهم، فاشتغل القاضي بهذا الحادث عن أمر كان دبره وهو إرسال الشيخ علي بن فلاح وإليه جماعة يحفظونه طريق صنعاء لا تمد إلى ذمار حتى خرج من صنعاء جريدة خيل ورجل مع أمير لهم يسمى الواعظ وسمى هذا واعظاً لأنه كان منعزلاً عن الدنيا، ثم أماله الترك حتى صار منهم فخاف سيدنا من الملاحمة في المدينة وقد افترقت القلوب للوقعة المذكورة بعض الافتراق ولكثرة من مع الأمير المختار، فأشار عليه من أشار بالخروج من ذمار إلى صنعة وافق غربي ذمار، فخرجوا على سبيل الإنهزام والعجم على وصول من غير ملاحمة فعرض الرأي من بعضهم أن يخرجوا إلى يفاع قرية غربي ذمار بالقرب منها يحيط بها القاع، فلما كان ثالث دخولهم ذماراً أخرجوا خيلاً ورجلاً وأحاطوا بالقرية، وتلازم الحرب في جهاتها الأربع حتى أن بعض من انضم مع سيدنا رحمة الله عليه من أعوان الظلمة دلوا الترك على عورات البلد وكلموهم بلغة الروم على أنهم ناصحون،
وقولهم أن هؤلاء كثرة من غير آلة حرب فجرى الخطاب بسلامة الناس بخروج القاضي يوسف فقط بعد أن استشهد جماعة، منهم القاضي الزاهد العابد عبد الله الغشم، فخرج القاضي، وكان بغيتهم ولم يعترضوا لغيره.
قال السيد عيسى بن لطف الله: وكان ذلك في نصف شهر جمادى الآخرة سنة ست وألف [25نوفمبر 1597م] وكان ولده العالم الشهيد علي بن يوسف رحمه الله تعالى حاضراً في ذمار، وعرض له مرض فحمله بعض مشائخ آنس وهو الشيخ صالح بن جار الله الملاحي على فرسه، وحصل بعد انفصاله ما حصل، واجتمع إليه أهل بلاد آنس وانضموا إليه، فلما وصولوا آنس وجهاتها وقد ارتجفت البلاد وحصل مع الناس الخوف الشديد، فاتفق أن بعض الفضلاء رجح تقوية ما يقوله عامة الناس في القاضي عادت بركاته أنه لو شاء لطار، ورووا عنه أنه قال: هو يخرج ما بين السيف وقرابه لميلهم إليه رحمة الله عليه وإلا فلا يقول ذلك، فأظهروا أنه أصبح بمسجد أيوب في جبل ضوران، وكان عليه يعني المسجد فقيه من المغرب الصغير يسمى الفقيه ناصر الموشكي فكان يغلق الباب، ويحلف أن الفقيه في المسجد يعني نفسه فيقولون أدخلنا عليه فيقول هو ساجد ونحو ذلك، فأوقدت النيران في البلاد واجتمعوا إلى ولده وحفظوا البلاد مدة قدرها شهر، وكان في ذلك مصلحة، ثم وصل من قبل مولانا الإمام عليه السلام السيد عبد الرحمن [ق/127] من سادة حبور، وعزم القاضي علي بن يوسف إلى الإمام عليه السلام فعاد والياً.
وأخبرني الشيخ أحمد بن علي خضر أن القاضي رحمه الله رجع من عند الإمام عليه السلام، وكانت طريقه على حي السيد عامر رحمه الله إلى سافوف وأنه لما انفصل من عنده يريد بلاد آنس وجهاتها، اتفق أن أهل جبل تيس خالفوا على السيد عامر رحمه الله ووالوا دولة كوكبان، وكاد المركز في سافوف يختل، فوصلت كتب السيد عامر إلى القاضي فأغار بأهل الحيمة واستعاد جبل تيس وصلح الحال، ثم عاد بلاد آنس فكان فيها نحو أربع سنين، وفي كلها حروب شديدة وقضايا عديدة، وأما القاضي جمال الدين علي بن صلاح الحضراني رحمه الله تعالى، فأخرجه مشائخ قائفة من رداع ووافوا له وعاد سالماً، وأما سيدنا محمد العياني فغدر به بعض أهل اليمن وهو الشيخ السرحي صاحب سمارة ولزموه ومن معه وأدخلوه صنعاء، واغتالوه فيها رحمة الله عليه، ولم نعرف قبره، وأما سيدنا يوسف فبقي أياماً في محبسهم، و كان ربما تظهر كتبه ونصائحه للمسلمين، والإشارة إلى القيام بما يجب لله من نصرة إمام الزمان من ذلك إلى ولده وغيره، ووصايا وحكم، وفي أيام حبسه حمله الترك أخذهم الله أن يكتب إلى الإمام في صلح مدة يكون فيها، وفيها، ولا غرض لهم إلا معرفة حاله بعد لزم الحماطي، وقد عرف ذلك القاضي رحمة الله عليه، فكتب إلى الإمام وبالغ في طلب الصلح، وفي إعطافه ما يفهم الإمام أنه معروض عليه يعني الكتاب محمول على كتابته.
وأخبرني الوالد السيد الفاضل عز الدين محمد بن ناصر بن عبد الله الغرباني عافاه الله أنه كان حاضراً عند مولانا الإمام عليه السلام وفهم الإشارات وقال: جزى الله القاضي يوسف خيراً عرفنا بما لا يفهمون، وأن مرادهم معرفة حالنا بعده، ثم قال: احفظ على الباب حتى أتم الجواب فأفرغ جواباً عظيماً لم نضبطه حاصله: كيف تأمرنا بمصالحة قوم فعلهم كذا، وحالهم كذا وهم غاصبون أرض العرب كلها، وقد سلطنا الله سبحانه عليهم، ولا في أيدينا مالاً ولا رجالاً ولا معقل ففرقنا بحمد الله وفضله جماعتهم، واستأصلنا عظماء دولتهم، وأما الآن فنعم الله أكثر وكذا لنا من فضله من القوة والسلطان ما نأخذ به إن شاء الله ما بقي، ولكن إذا مرادهم الصلح فالصلح خير تفعل لهم أماناً ولا يلحقهم صوت أحد حتى يخرجوا من أرض اليمن وكذا، قال: وأرسل الجواب ولا أعلم أنه وصل غيره. والله أعلم.
[ق/128] فصل: ولما انقضت أيام هزم وحوادثها وحروبها على نحو ما ذكرناه من إهمال إجمال عيون الحوادث من دون تفصيل فشرح ذلك يطول: اجتمع الظالمون إلى عمران البون، ثم طلع سنان لا رحمه الله إلى بلاد الطرف وانتهى إلى السودة من بلاد الطرف، وكادت مغارب قدم وحجة وما إليها تختل على مولانا عليه السلام ففتح الله سبحانه بلاد المشرق كله من بلاد حاشد وبكيل ونهم وخولان حتى انتقض على العجم إلى بلاد قيفة والرصاص، وبلاد يافع وشرق اليمن وقام فيهم الأمير جعفر الجماعي وأحرب من يليه من أمراء العجم حتى ضايقهم، وبقي أياماً وعاد لموالاة الظالمين مع عود علي باشا من الحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، واحتال العجم بعد ذلك واغتالوه يعني الجماعي، فانقطعت مواد صنعاء وتقطعت سبلها، فأما ما بين صنعاء وذمار فلا يكاد يمضيها أحد وإنما كان الشيخ زيد بن أحمد الحداي وبعض الحدا يتوخون أوقاتاً ومواضع فيحملون للعجم المال من اليمن والبنادر في مخالي الخيل، ويقطعون بها غير طريق الذراع، وأما بعضهم فموالون لدولة الحق مع الشيخ الرئيس علي بن فلاح بن طوس، ويأتي من تفصيل هذه الجلمة ما يحتمله هذا الاختصار إن شاء الله تعالى، وهذا الفتح في بلاد المشرق.
وأما الجهات الغربية كبلاد الحيمة ويتصل بها حضور إلى عصر من أعلى قاع صنعاء، وبلاد كوكبان ونواحي حراز إلى بلاد آنس من مغارب ذمار وبلاد ريمة وما إليها من بلاد وصاب ونواحيها، فأجابوا على ما يأتي إن شاء الله تعالى من بعض تفصيل لهذه الجمل، وأما الإحاطة بها أو الأكثر فما أبعده لكثرة الوقعات وطولها وتراخي الأيام عن نقلها حتى ذهبت، ولنشرع إن شاء الله تعالى فيما أمكن من تفصيل هذه الجمل.
[ذكر جمل من فتح المشرق]
لما عاد الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله من بلاد حاشد وبكيل وجهات الظواهر تقدم إلى بلاد نهم وخولان والتأم إليه عيون من العلماء والرؤساء وغيرهم من الأعيان، فشن الحرب والمغازي على صنعاء [ق/129] حتى ضايق الوزير حسن، وكان الرمي بالبنادق يصل إلى القصر وقد يرمى الوزير على نفسه بالمدافع وغيرها.
ولقد أخبرني حي الوالد رحمه الله أنه كان في أهل المشرق مشائخ يتجارون إلى المحامد، ولقد تواعدوا يوماً للحرب على صنعاء، وكان على نهم الشيخ شهران بن شندق الصيادي مع غيره منهم فقدم رؤساء خولان لطردهم من صنعاء قبلهم حتى بلغوا نقم وأعلى القصر، ورموهم من القصر، قال: فرأيت شرهان المذكور كاد يخرج من إهابه آسفاً على تأخره، ثم جمع نهم وقال ما عاد إلا أن يغلقوا منا الباب وإلا أهلكت نفسي فلا زال حتى دنا من فروة فرآهم وقد أغلقوا الباب فمال بأصحابه إلى نقم، وغلظ جند الحق، واتسق له المدد والفتوح حتى لقد غزى الحاج شمس الدين رضوان الله عليه حدة، والعجم في صنعاء فلم يتخذوا من فيها من الرتبة ولا من أهلها فاستولى عليها كما ذكر سيدنا العلامة محمد بن علي الشكايذي في قصيدته المشهورة الآتية إن شاء الله تعالى:
وحدة هَدّاها لما عتت وبغت .... عليه بالقول تزويراً وبهتانا
فمما روى من جهلهم وعنجهيتهم أنهم كانوا يسمرون في تلك المدة ويلقبون أرذالهم بأصحاب مولانا فإذا وصلوا عند الحاج شمس الدين رضوان الله عليه دعوا باسمه الكلاب قاتلهم الله أنى يؤفكون:
المسك من أطيب الأشياء رائحة .... وقد يموت إذا ما شمه الجعل
هذا قول الجهلة العمين في هذا الرجل الفاضل المجاهد الأمين، وأما قول علماء الإسلام وسادة الأنام، فإنها دونت فيه الأشعار، وسمرت بمناقبه السمار، كما إليه أشار سيدنا القاضي عز الدين محمد بن علي الشكايذي رحمه الله في قوله:
أما الأمير شهاب الدين حطه ولا .... تجعل عليه سبيلاً أينما كانا
قد أهلك الترك في سهل وفي جبل .... وبات منهم وزير الترك سهرانا
ما زال يقصدهم إلى مخيمهم .... وهم كشاة رأت في القاع سرحانا
فالله يكلؤه من كل نائبة .... فذاك أشترنا وأبو سرايانا
أراد مالك الأشتر النخعي وزير أمير المؤمنين عليه السلام، وأبو السرايا الشيباني السري بن منصور وزير الإمامين الفاضلين محمد بن إبراهيم بن إسماعيل ومحمد بن محمد بن زيد سلام الله عليهم أجمعين.
نعم! وكان منه المغازي قبل حدة [ق/130] وبعدها مستمرة، ومن ذلك ولعلها قبل حدة غزاه همدان فإنه انتهبهم وزعزع بهم دعاتهم ومن يليهم من العجم، وقتل منهم عدة، وهي مشهورة بغزاة الحمزي وما إليها.
قال السيد عيسى بن لطف الله: إن الحاج أحمد الأسدي غزا ليلة المحطة السلطانية إلى باب اليمن وكاد يأخذها، وذلك بعد صلاة العشاء من شهر محرم سنة سبع وألف [أغسطس 1598]، وما دافع عنها إلا عيال خزانة الباشة حسن، وأمسى الحرب على القصر وهذه الوقائع واشتغال العجم كما تقدم من انفتاح مشرق اليمن وتغلبهم على بلدهم، وحازت كل بلد واليها، أو أخرجته لم يبق إلا بطن اليمن فقط والمدائن والحصون.
[ذكر وقعة نجد السلف من نواحي رداع]
فمن ذلك أنه كان في حلقة يافع أمير من العجم يسمى الأمير علي، وكان نظير سنان في المرتبة، وكان من عظمائهم، وكان إليه كثير من اليمن فعمر مدينة الخلقة وقبض رهائن يافع إليها ورهينة الرصاص، وغيرهم، فأحاطت به العشائر ويافع وحاصروه كما أخبرني غير واحد فتضعضع وضعف، وكان لا يأتيه المدد إلا على يد الشيخ الكهالي صاحب آل عمار من شرق اليمن، وحصل له بسبب ذلك المرتبة من العجم حتى لقد أجروا الجامكية والقطائع لنسائه، واتفق على هذا الأمير حروب كثيرة فأمر الوزير حسن الأمير طرموش من العجم، والأمير محرعلي، والأمير محمد الصديق من اليمن، والأمير حسين الناظر، والأمير إبراهيم ذرة من العجم وغيرهم بمحطة عظيمة، وانضم إليهم من رؤساء اليمن عدة فكان الأمراء من العرب والعجم نحو سبعة أمراء من كبارهم، ومن الجند فوق خمسة آلاف على أنهم ينجدون هذا الأمير فانتهوا إلى نجد السلف من أعمال نواحي رداع، وتقدم إليهم الشيخ الرئيس الرصاص الجرهمي الأرضي ومن انضم إليه فلزموا عليهم نجد السلف وقائفة ومن إليهم من ورائهم فأحربوهم وقتلوا من جنودهم كثيراً، ونجا أكثر أمرائهم وأخذوا جميع ما أجلبوا به، وانقطع عن ذلك الأمير المدد، ثم أخرج من الخلقة صلحاً بعد بذل مال كثير، ورجع إلى تعز العدينة واغتاله الوزير وقتله، وذلك أنه خاف على اليمن فجعل لبعض الجند ورماة مع تعشيرة وهلك لا رحمه الله، ثم أخرب القبائل مدينة الخلقة والقلعة وأخرجوا الرهائن وما فيها [ق/131] من المحابيس.
وأما مشائخ قائفة كالشيخ الرئيس مقبل بن أحمد، وصنوه الأمير الكبير حسين بن أحمد فاتفقا على نصر الحق وأعانا في قتل الأمراء المذكورين في نجد السلف كما تقدم، ثم إن الأمير حسين بعد [إن] والى العجم على أسباب خفي علي تفصيلها.
وأما الشيخ مقبل بن أحمد فاستمر في الجهاد وقطع طريق عدن، وغالب طريق اليمن الأسفل، وأخذ مدينة رداع كما تقدم، وغزا كثيراً من محاط العجم المقاربة له، وأعان الأمير جعفر الجماعي المتقدم ذكره آنفاً، ولقد أخبرني غير واحد أنه كان أحد أمراء العجم يسمى الأمير شوبان في بلاد يريم يتنقل من موضعه مراراً من شدة الخوف ولا يمسي هو وأصحابه إلا على ظهور خيلهم.
قال السيد عيسى: إن قائفة قتلوا من محطة العجم فوق ستمائة، أمراؤهم ممن ذكر في وقعة الزهري من نجد السلف وأنهم قتلوهم جميعاً، وذكر أنها في صفر سنة ثمان وألف [أغسطس 1599] وأن أميرها طرموس المتقدم ذكره، والأمير محمد الصديق أمير ذي جبلة.