قال مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله سلام الله عليهما حاكياً في مذاكرة القراءة، وما يجوز فعله وما تقدم من مصلحة العامة على الخاصة، فقال: كما اتفق لحي الفقيه علي بن يحى المحيرسي رحمه الله وصنوه عبد الواحد وأن الظلمة كانوا يخرجونه في أيديهم حتى يقابلوا به صنوه وهو في تلك المرتبة، ويقولون: لئن لم تترك هذا الموضع وتنهزم لنسلخن جلد أخيك ونفعل ونفعل، وهو يصيح في أيديهم مما يعذبونه، قال: فعظم عليه الأمر إن ترك المرتبة وهلك أخيه، وكانا من أهل العلم، فطلب منهم مهلة حتى يراجع الإمام عليه السلام فشرح عليه السلام الصورة، وما الأوسع له في الشرع وأقرب إلى مراد الله سبحانه وتعالى، فكان الجواب عليهم ما معناه: أن ما تقدره يكون بأخيك مظنوناً وما يحدث على المسلمين من الهزيمة والهضم، وما يتعقب من القتل معلوم، وتنزل الأول منزلة الترس أو كما قال، قال: فصبر ودافع الله عن أخيه رحمة الله عليهما فنسوه في الحبس حتى استشهد أخوه، وبقي في الحبس مدة طويلة، وأخرج في جملة أسرى، وكان هذا الفقيه علي بن يحيى من أهل العلم والعمل والعبادة بمحل، وكان من الواعظين، يحكى أنه باع جميع ما يملكه وصرفه في الجهاد، واستشهد وولده سيدنا العلامة الغرة في العلماء العاملين، والعلامة عبد القادر بن علي حفظه الله وأطال بقاه حمل في بطن أمه، وقال عليه السلام مع ذكر قضية المحيرسي: إنه اتفق فتوى من الإمام عليه السلام في مثل هذه مما يجب معه تقديم المصلحة العامة على الخاصة أن السيد علي أبا حضارة الغرباني استحق عليه القصاص
وانتظر شروطه، فقام الإمام عليه السلام وهو في ذلك فطلبه فقال للإمام عليه السلام: ما الأوسع لي عند الله أحفظ نفسي لأهل الدم أو أخرج للجهاد؟ -وكان من أهل النفع والتأثير في الجهاد بالبندق-؟ فقال عليه السلام: لا بل الجهاد، وذكر أدلة على وجوب تقديم المصلحة العامة على الخاصة.
وأما بلاد حراز فهم زيدية كبلاد الثلث وحصبان، وإليهم شافعية حلفاء لهم وباطنية، ولهم حلفاء من الشافعية أيضاً، فالزيدية وحلفاؤهم مالوا إلى جانب الحق وحاربوا الباطنية، والباطنية حينئذٍ يدٌ، ورجل للعجم كما هي عادتهم دعوى التشيع الكوفي والنصب الأصبهاني، فوجه إليهم السيد الشهيد عم الإمام عليه السلام السيد محمد بن علي المعروف بالقراع، فحاصروا حصن مسار وفيهم رتبة من العجم مع آغا من أغواتهم وشيخ من الرحبة من بلاد صنعاء يسمى الشيخ سعيد القشم وقتله سنان لا رحمه الله لأجل ذلك، وغالب أهل مسار الميل إلى الزيدية لأنهم حلفاؤهم، فاستولوا عليه وأخرجوا من فيه من العجم، وبقي الحصن في يد أهله كما سيأتي من أخبارهم إن شاء الله تعالى.
[وقعة ريمة بني السياغ]
فصل: وأما السيد عامر وسيدنا يوسف رحمة الله عليهما فإنه خرج عليهما غارة من صنعاء مع أمير من العجم سموه، وعدة من العرب، فوصل أعلى الأحبوب وبني السياغ، ولازمه المجاهدون بحرب عظيم، قتل من جند العجم جماعة، ومن أهل الحيمة القليل [ق/121]، ووقع أمر ليس بالهزل، ثم وصل أمير آخر يسمى إبراهيم طويل كان من عظماء الروم بمحطة أعظم من الأولى حتى اجتمعوا في ريمة بني السياغ، وانضاف الشيخ عبد الله بن محمد الرماح المطري وجمع كثير من بني مطر وغيرهم فانفتح الحرب العظيم، وأقبلت قبائل الحيمة وطلع السيد عامر فوقع حرب عظيم، وكان في آخر نهار فإذا أقبل الليل قرب جنود الحق من العجم لمعرفتهم بالبلد حتى أنه حمل الأمير إبراهيم بنفسه فهزم المجاهدون، وقتل جماعة سمى الراوي بعضهم حتى أخبر غير واحد أن هذا الأمير إبراهيم لا رحمه الله دخل بحصانه بين القبائل فاحتمل رجلاً من أهل الحيمة على ذهني أنه سماه، وحمله بشعر رأسه حياً، ثم إن الحيمي قطع الشعر وهو في الهوى معلقاً ونجا، قال: فرماه بعض أهل الحيمة -يعني الأمير فقتله، فانهزم العجم وألفافهم، وأحاطت بهم جنود الحق من كل جهة طول الليل فقبر العجم أميرهم، وفزعوا إلى الشيخ عبد الله الرماح يخاطب لهم إلى السيد عامر وأهل الحيمة، وبذلوا كساً كثيراً وعطايا واسعة فأفرجوا لهم، وخرجوا إلى بركة متنة أعلى سهمان، فلما أصبح انتهب الناس ما وجد بعدهم، ثم نبشوا قبر أميرهم، وطلع السيد عامر بالمسلمين وهم كثرة إلى قرية جبل بيت خولان، وقد خرج من صنعاء من عند الوزير حسن الأمير حسين الناظر، وجمع
من العجم والعرب وابن حميد والقشم، والأمير يحيى الداعي من همدان، واجتمع معهم عالم كثيرون، ثم وصل الأمير سنان لا رحمه الله بنفسه، وقد طال الحرب أياماً وجنود الحق تقصدهم إلى مخيمهم حتى أن سنان ومن معه طلعوا الجبل من نواحٍ كثيرة وأحاطوا بأقطاره، فقتل من المسلمين جماعة، وانتهب الجبل ولولا دفاع الله وجماعة من أعيان الحيمة منهم الشيخ محمد بن ثامر الأحبوبي وإليه جماعة سماهم حفظوا مغربة المسجدين حتى انحدر السيد عامر ومن معه لكانت العظيمة، [كان قد وصل] من كوكبان الأمير أحمد بن محمد بنحو خمسمائة فارس من غير الرجالة مدداً لسنان، وكان مدخلهم من جعلل فأخذ كثيراً من الضعفاء حتى قتلوا النساء مع من وجدوا من الصبيان قاتلهم الله أنى يؤفكون، ثم استقر مخيمهم في جبل الثويرين، ووصلهم مشائخ خولان وقايفة بنو ظبيان مدداً لهم، وتشرعوا لحرب الحيمة، وسيدنا نجم الدين في العر، والسيد عامر عاد إليه بعد الهزيمة ورتبوا[ق/122] أعلى الحيمة على خوف شديد والحرب قائمة في جميع المراتب، واتفق قتلة في الترك وأعوانهم في موضع يسمى الزرقات (من بني مهلهل).
وأخبرني الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي خضر القشيبي الآنسي، وكان في جملة من أغار مع الترك أخذهم الله وأصحاب الشيخ الدهاق الدريدي ومشائخ آنس إلى عند سنان لعنه الله، قال: فبلغ سنان لا رحمه الله أن طائفة من خولان خرجوا مع عينة من قبل مولانا الإمام عليه السلام وأخذوا جمالاً كثيرة خرجت للوزير من صنعاء إلى نواحي مسور للحطب فانتهبوها، وقتلوا من معها، فقبض على من عنده من مشائخ خولان، حبس بعضاً وقتل بعضاً بالخازوق، وصفته: أن ينجر الأخشاب ويدخلها من دبر الرجل حتى يخرج من فيه، فخالفت عليهم خولان وشغلوا صنعاء ومن فيها حتى أشرفوا على صنعاء من نقم، ثم دخل السيد العلامة عمدة الزاهدين، وقمر الساجدين: الحسن بن شرف الدين بن صلاح الحمزي رضوان الله عليه على حصن ثلاء بعد أن فتح الله عليه جهات كثيرة، وأخذ بعده حصن عفار وكحلان تاج الدين، وله أخبار طويلة فأرسل سنان لا رحمه الله إلى أهل الحيمة من يتوسط بصلح ليلة واحدة فعقدوا له ذلك، وأصبح هارباً من جبل حضور مغيراً إلى ثلاء فلم يقدر أن يدرك ما فات بل حصل حروب عظيمة تعقبه عوده منهزماً.
[الحرب على ثلاء]
وصفة الحرب على ثلاء أنه بلغ عدو الله (أن شحنته قد تعطلت) فإن القبائل أخذوا ما فيه ولم يقفوا على حقيقة رأي السيد الحسن كما سيأتي من خبر الفتح.
قال السيد أحمد نفع الله به: وقد عرفوا يعني الترك تعطل الحصن من الشحنة من الطعام والباروت والرصاص وتقلل أصحاب الإمام عليه السلام في مدينة ثلاء حين استولوا عليه، فوقع مناوشة حرب خارج المدينة وانهزم أصحاب الإمام عليه السلام لقلتهم وتفرق أهل البلاد، ولما داخلهم من الريبة، واستشهد نحو من ثلاثين نفراً، من جملتهم الشريف الفاضل الهندي المسمى شاه عالم، وكان هذا الشريف من الفضلاء وصل من الهند، وشرع في قراءة العلم وتزوج في مدينة ثلاء وسكن حتى استشهد رحمه الله، ودخل الأتراك المدينة وانتهب ما فيها، وحمل القبائل الذين بالقرب منها من أبوابها وأخشابها كثيراً، وانحاز السيد شرف الملة وبدر الأهلة الحسن بن شرف الدين الحمزي رحمة الله عليه في جماعة قليلين من أصحاب أهل كحلان[ق/123] إلى الحصن، وسار السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد المحرابي تلك الساعة إلى الأهنوم إلى عند الإمام عليه السلام، وكان لم يتفق بالإمام قبل ذلك الوقت بعد إطلاقه من كوكبان، ولما وقعت هذه الوقعة ألزم الإمام الناس من جميع جهاته بالغارة إلى ثلاء، وحضهم وحرضهم في ذلك وقام القبائل في ذلك مقاماً محموداً، فسار السيد الفاضل العلامة الزاهد حسام الدين صالح بن عبد الله بن علي بن داود القاسمي الغرباني أيده الله بعسكر كثير من جنب وبني حشيش وبني قطيل وغيرهم إلى حضور، وسار أيضاً الشيخ المجاهد عبد الرحيم بن
القدمي وكثير من قبائل قدم إلى حضور أيضاً، وأغار أيضاً السيد شمس الدين أحمد بن محمد الأعضب الحوثي والمشائخ بنو عمران بقبائلهم ومن انضم إليهم إلى نواحي بني عقيف والمحالي ونحوها بالقرب من ثلاء، وأراد السيد أحمد وبنو عمران ومن معهم أن يقصدوا المدينة ولم يأخذوا بالحزم، فأحربهم عسكر الأتراك خارج المدينة من جهة القبلة، وكان مع الأتراك خيل كثيرة، ولم يكن مع أصحاب الإمام شيء من الخيل فانهزموا بعض هزيمة، وقتل منهم جماعة، وكان من جملة أصحاب الإمام المنهزمين بعض الأتراك الذين كانوا في شهارة، وكان الإمام عليه السلام قد قررهم في الخدمة وأمرهم يومئذٍ مع جعفر بن علي بن يحيى بن المطهر بن الإمام شرف الدين وجعله أميراً عليهم فلم يلبث جعفر المذكور أن انقلب على عقبه، وانحاز جماعة من أصحاب الإمام عليه السلام إلى أكمة هناك فقطعتهم الخيل، (واستشهد جماعة) من أصحاب السيد أحمد بن محمد الأعضب ووقعت في ذلك كرامة عظيمة للإمام عليه السلام وهي ما رواه القاضي الفاضل العالم علي بن الحسين بن محمد المسوري، قال: أخبرني السيد أحمد بن محمد الحوثي المذكور أنه لما توسطوا الحرب ولم يكن معهم من الباروت إلا اليسير فأنفقوه جميعاً ولم يبق معهم منهم شيء، وطالبه أهل البنادق بالباروت فتحير ولم يدر ما يصنع إذ لا قوام لهم بغيره، فبينماهم كذلك إذ طلع أصحابه بين صخرتين هناك فإذا بطة كبيرة فحملها بعضهم فإذا هي مملوءة باروتاً، فحمدوا الله على ذلك وأيقنوا بالنصر، ولما عاد بعض أصحاب الإمام عليه السلام بعد الحرب إلى نواحي الماخذ وحواز البون طمع الأتراك في
العسكر الذين يحضرون من أصحاب الإمام عليه السلام فقصدوهم إليه في اليوم الثاني من الحرب الأول بجنود كثيرة، ورزق الله أصحاب الإمام عليه السلام الصبر فإنهم في تلك الأيام [ق/124]، وما كان أكثر طعامهم إلا الجراد، فوقع الحرب قريباً من قرية حضور وفتح الله على أصحاب الإمام عليه السلام بالنصر وانهزم الأتراك هزيمة كبيرة، وقتل منهم جماعة، ثم عاودوهم بالقتال يومين آخرين وأصحاب الإمام عليه السلام يهزموهم وينتصرون عليهم، وكان رئيس أصحاب الإمام عليه السلام في حضور السيد العلامة حسام الدين بن عبد الله الغرباني القاسمي وأراد ابن شمس الدين صاحب كوكبان أن يأتي من وراء أصحاب الإمام ويتركوهم حتى يشغلوا بحرب من يقصدهم من ناحية ثلاء، ثم تأتيهم من قبلي حضور فخرج من كوكبان، وكانت طريقه مغربة الحمام مريداً أن يأتي من وراء أصحاب الإمام عليه السلام فوافق لما وصل إلى المغرب المذكورة، وصول غارة قد أرسلها الحاج الفاضل أحمد بن علي بن دغيش من مسور بعد استقامة الحرب، ورئيسهم السيد الكامل المجاهد علي بن محمد بن علي المعروف بسحلة يريدون تقوية أصحاب الإمام عليه السلام فوقع بينهم وبين ابن شمس الدين حرب نصر الله فيها أصحاب الإمام عليه السلام، وردوه خاسئاً ذليلاً، وخيب الله سعيه، وجرح السيد المذكور في رجله برصاصة، وكانت سبب موته رحمه الله.
قال: وبعد هذه الحروب العظيمة في حضور ونواحيه وما منح الله به أصحاب الإمام عليه السلام من الصبر والنصر وقع التنفيس على أهل ثلاء، واطمأنت قلوبهم واشتدت ظهورهم، ودخل إليهم ما يحتاجون إليه من الباروت والرصاص وغير ذلك، ولقد أخبرني من أثق به أنه لما أشرف الأمير سنان لعنه الله في قاع حوشان وقع مع الجماعة الذين تحيزوا إلى الحصن أمر عظيم، وأن السيد شرف الدين رحمه الله أمر بعض أصحابه أن ينحت من الأحجار الرخام الأبيض ما يشبه الرصاص ليرموا به إذا اضطروا إليه، فجعل الله سبحانه الفرج عليهم والنصر، وكان مدة حصرهم في الحصن ثمانية أيام فقط، ولما كثرت العساكر الإمامية بحضور وانسد ذلك الثغر ورد الله الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين والأمير سنان خاسئين، والتهبت نار الفتنة والحرب بنواحي صنعاء كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وقال رحمة الله عليه: إن سنان لا رحمه الله قد طمع في استئصال الحصن وكتب الباشا حسن إليه بالغارة على صنعاء تترى حتى كتب إلى العسكر والأمراء أن من هو في طاعة السلطان وصل إذا ساعدكم الأمير سنان، قال: فحملوا ما قدروا عليه من أثقالهم، وأحرقوا بعضاً ونهب المسلمون بعضاً [ق/125].
[الحرب على ذمار]
فصل: ولما اتفق ما تقدم من هزيمة السيد عامر من الجبل اتفق الرأي منه ومن سيدنا نجم الدين عادت بركاته أن السيد عامر يستقر في العر، وسيدنا يوسف يخرج آنس ونواحيه، فانفصل بقوم ليسوا بالكثير لمحبته والمصلحة في تقوية السيد عامر حتى انتهى إلى آنس فدخلها بعالم لا تحصى، وكتب إلى جميع نواحي المغرب واليمن فأطاعه من لا يحصى كثرة، ووصل أعيان المغارب وفقهاؤها، ولقد أخبرني الشيخ أحمد بن علي وغيره من إقبال القلوب إلى القاضي حتى لقد سمع من بعض رؤساء الناس أنه قال يخشى على الناس لا يغلوا في هذا الرجل حتى يخرجوا عن الإسلام، فأقام الحدود والأحكام واستوفى القصاص حتى انتهى إلى نواحي بكيل، ووصله مشائخ الحدا، ثم المشرق كله والمغرب جميعاً حتى لا يضبط الناس قلم ولا يحيط بهم حساب، واجتمع خيل كثيرة فأشار عليه أهل الفضل من العلماء ومن لا معرفة له بقتال العجم [بالمبادرة إلى ذمار فدخلها وأخذ من فيها وكان فيها الأمير إبراهيم دُرة من العجم] وحصر قلعتها، ووصل مشائخ اليمن الأسفل مثل الحاربي والكهالي وغيرهم رهبة ومشائخ قيفة وكان قد أرسل سنان لعنه الله وهو في حضور مشائخ آنس لما رأى بلادهم قد دخلت فوصل الملاحي والدريدي وغيرهم فصاروا في جملة سيدنا رحمه الله، ولما استقر في محروس ذمار وقد أرسل القاضي الفاضل جمال الدين علي بن صلاح الحضراني الحاكم رحمه الله إلى مدينة رداع ونواحي خبان فدخلها مع قائفة، وأخذوا من فيها من عسكر الظلمة وأعوانهم ،والفقيه الزاهد العابد محمد بن علي العياني أرسله إلى حقل يريم، فلا زال حتى انتهى إلى جبل