بعض الأمان قد يقصده عدة من العلماء والفضلاء من المشرق والمغرب، وقد يطلع نواحي خولان الطيال، وله فيها أتباع وهجر معروفة يأوي إليها.
قال الفقيه أحمد بن محمد بن حسان رحمه الله: فكنا عنده في أواخر عام خمس وألف [1596م] في حصبان، وكان له في موضع منها يسمى بني الشريحي شرقي جودا وزوجه، وقد حضرنا بعد صلاة الظهر للقراءة عليه في كتاب سماه وإذا ببريد من غير جنس البلد لايعرفون بلاده ولا هيئات لباسه عليه قشف السفر البعيد فاستدعى سيدنا فقام إليه وغاب عنا ثم عاد منشرح الصدر طلق المحيا فعجبنا من ذلك، ثم قال: إنه زلجه بالجواب ذلك اليوم أو قال نهار ثاني، ثم لم يلبث بعد أيام قليلة وإذا به قد وصل مثل ذلك الأوان، فقام هو وسيدنا وإذا بسيدنا متغير اللون، ثم قال الفقيه يوسف نطلب له حجراً وشجراً تواريه، قال هذا الإمام أو قال الهاشمي قم يا فقيه يوسف بعصاك قاتل العرب والعجم وإلا دخلت النار، ثم قال لنا: قام الرجل واستبشرنا لجهلنا عظم التكليف أو كما قال، وقلنا: هذا الذي كنا نترقبه ونسمعه من سيدنا حفظه الله، قال ثم غاب سيدنا في البيت إلى حوالي وقت العصر ثم خرج وصلى العصر، ثم أخرج أربع رسائل من مولانا الإمام سلام الله عليه ومعها أربع رسائل منه مضمونها الدعوة وقيام الحجة كما يفعله الأئمة سلام الله عليه أحدها إلى الحيمة، والثانية إلى بلاد آنس وما يتصل بها من نواحي ذمار، والثالثة إلى جبل تيس ونواحي بلاد كوكبان، والرابعة إلى بلاد خولان المشرق وما يتصل بها ثم عين على جماعة [ق/114] من الطلبة المسير بها منهم الفقيه حسن المعقب الخولاني ومن

أثبت اسمه غيره، ثم دخل البيت وغاب ساعة ثم خرج بجراب يجمع آلة السفر من نحو مهمات المسافر وقطوط طهوره وهي دبة مفتوحة الفم من أعلى للوضوء تحمل له في كل حركاته، وقد كان نحيفاً بحيث أن أكثر أسفاره يحمله أصحابه على أكتافهم من غير مشقة، ولهم وله في ذلك أخبار طريفة مملوءة مواعظ، وكان وجهه نيراً.
قال الفقيه شمس الدين: ولما خرج أمر لآلة الريح من طبل وطاسة من قبيلة يسمون بني الركود فحضروا بالطبول وأمر بالدواعي وقد أمر أن المساء في حج حج من أسفال الحيمة فاجتمعت إليه في أقل من ساعة نحو ستمائة نفر، وأخذ شاشاً من أضعف جنس لحي الفقيه العالم العابد الشهيد علي بن يحيى المحيرسي رحمه الله بطيبة منه وفضلة راية وهو يذكر الله سبحانه ويسميه ويقول: لا تحقروا هذا العمل فأول الحمير ماء إن شاء الله تعالى، قال: ثم سار ما أمكن وحملوه فما عسر فما كان صلاة العشاء الآخرة إلا هو في حج حج، ثم أرسل في الليل حي سيدنا العابد المتبتل محمد بن علي العياني رحمة الله عليه في أكثر الناس، وأصبح في شط بني يوسف مكان المشائخ بني الورد وهم ممن يخالطه صلحاؤهم ويسمعون مواعظه، ولهم بعض قراءة وتمييز حسن ولما طلع الصبح أو قرب منه تقدم إلى موضع يسمى حذاف من أطراف حج حج جهة وقد أرسل للشيخ صلاح بن معوضة الجحاحي، وكان من مشائخ البلاد وعنده جوالة من جند العجم نحو أربعين نفراً فأخبرني الشيخ المذكور من فيه قال: لما وصلني رسوله في الليل بحفظ العسكر وسلاحهم قال حصل معي ومعهم من الخوف العظيم ما لم يكن ولم نقدر أن نخرجهم، وكان لهم طريق تتصل بمحطة العجم فخفت إن هلكوا

ولي رهينة في صنعاء هلك أولادي وأهلي، قال: فتجاسرت وعزمت إليه وأقسم أنه قد خالط كذا كذا من طغاة العجم ممن يقتل ويطلب لا كان يدخل بعض ما ذكره من الهيبة لهذا العالم رحمه الله فلا زلت به حتى سمح بالأمان لهم ليذهبون عند أصحابهم.
قال الفقيه أحمد بن سعيد الظفاري رحمه الله: وقدمت عليه من عند سيدنا محمد العياني نلتمس رأيه أين نصير من بني يوسف ونخبره بمن قد وصله من القبائل وإذا به إلى جنب جدار في نحو ثمانمائة نفر [ق/115] ما أعلم أني رأيت معهم سلاحاً ولا مع سيدنا إلا الجراب والقطوط حق طهوره بين يده، وعليه هيبة ما شاء الله، قال: فلما أشرق النهار وإذا بالنصير والبشارة، فسأل سيدنا فقالوا: هذا السيد العالم عامر بن علي عم مولانا الإمام عليهما السلام، قال: فأمر سيدنا بطاسة من مدر وقبائل قليلة يلقونه وأظهروا سروراً وأمر بشراء عقيرة فأحضر ثوراً عظيماً فربطوه فبسطوه للذبح وأقسم أنهم لم يجدوا عند الجميع ممن حضر سلاحاً يذبح به مما قد ضعف الناس من دولة العجم، فأخرج لهم سيدنا رضي الله عنه من الجراب شفرة وقال: بهذه فذبحوه، ثم قدم السيد ولم يكن عليه إلا قيمصه فقط لأنه هرب من حبس كوكبان وإنما دلوه بحبل، قال فيما بلغه: ثم إن سيدنا أمر إلى العياني بالقدوم بالناس نحو العدو ولا يبرح حتى يدخل بلاد الحدب، قال وكنت الرسول، قال فلما نهض العياني بمن معه إلى وادي السخنة وقد اجتمع عنده كثرة قبائل بغير سلاح وأرادوا دخول الحدب فوجدوا رتبة للعجم قد قدمت إلى أسفل الحدب وأعانهم أهل البلد فلم يتأت طلوع في تلك الليلة فأمسى الناس في الوادي، وكانت

الثمرة في وقت حصول الصعيف منها فأقسم أنه لا رأى ولا سمع على أحد أنه مد يده إلى سنبلة واحدة من حق الناس ورعاً وخوفاً من نهي الحماطي والعياني حتى أن فلاناً من أهل القرقرة بلد من أسفل بلاد بني عمرو وهب للعياني جربة عشاء للناس، قال: فلا أعلم بأحد أخذ غير ذلك، فلما أصبحوا عبى الناس للطلوع للحدب فناوشوا تلك الرتبة ساعة، ثم هزموهم وطلعوا إلى المحارم أعلى الحدب واستقام حرب عظيم وقد خرج العجم من العر من عند أمير لهم من قبل الترك لعله الأمير أحمد القرماني معه نحو سبعمائة أكثرها بنادق وعدة من كوكبان ورؤساؤهم فقتل من جند الترك جماعة، ومن القبائل القليل حتى أخرجوهم يعني جنود الحق من المحارم إلى مغربة العر، فلزم الترك بيت المرين وما إليه، قال: وحمى الحرب ولم يكن مع جنود الحيمة كلهم إلا نحو ثمانية عشر بندقاً وكثرة رجال بغير سلاح، فلما شق الحال وقد حكى من صبرهم ونصر الله سبحانه لهم عجباً، قال: فعدت إلى سيدنا أطلب منه باروتاً ورصاصاً لبعض أهل المتارس وإذا به يتضرع ويبتهل ويسأل الله النصر، قال: ثم أكثر من رقب الشمس وصاح صائح من عنده لا أعلم هل هو يراه أم لا: يقول لكم سيدنا محمد: ما قد هي ساعتكم [ق/116]، قال: فبرد القتال واستقر كل في موضعه حتى يسر الله غارة من بني المهلهل ماهي بالكثير ومعها السيد بدر الدين محمد بن علي بن حسين المعروف بالقراع هارباً من كوكبان على نحو ما تقدم للسيد عامر -رضي الله عنه- قال فصاح القاضي للناس بالحملة وهو يقول: ساعتكم، قال: فحمل الناس من كل جهة فوقع قتال عظيم حتى تكادموا بالأفواه وانهزم جنود

العجم، وجنود الحق ملازمون لهم يختلطون بهم يقتلوهم لكن أكثرهم بغير سلاح حتى دخلو محطتهم فانتهبوها، وقتل من العجم وجنودهم فوق ثلاثمائة رجل واحتاز الباقون في حصن الناصرة في العر، قال ثم قدم سيدنا يوسف ومولانا السيد العلامة عامر بن علي فجرى الخطاب على السيد عامر -رحمه الله- فاعتذر السيد عامر وقال: إنما هربت من الحبس على ما عرفت من الحال ولا قد معي ولاية من الإمام وبيننا وبينه مسافات وعوائق، فقال سيدنا يوسف: قد معي ولاية، قد وليتك وها أنا عندك فأخرج العجم وألفافهم وقبض سلاحهم، قال: فلقد طرح بين يديهما نحو ستمائة بندق وأنا شاهد وآلات كثيرة وسيوف وسلاح وغيرها ونحو ثلاثين رأساً من الخيل أكثر بالعدد المحلية، فأعطى السيد عامر من طلبه من الخيل.

وأما البنادق فعرضوها على القبائل يتقوون بها فكل أحد من القبائل لم يرض من خوف عاقبة دولة الترك، ولم يمد إليها يداً، فجرى القول أنها تفرق في كل قبيلة بمعنى يكونون جميعاً ممن قتل وسلب من شدة الخوف ففعلوا، ثم إن سيد يوسف عادت بركاته جهز سيدنا محمد العياني في أهل الحجرة وحراز على محطة كانت في مفحق المعروف من الحجرة كان فيها من العجم وأتباعهم نحو من أربعمائة، قال فأشار من أشار عليه إنما يحسن مسيره إلا راكباً، قال فكلفوه على ركوب حصان عظيم وأن يلبس فرجية للإرهاب، وكان لباس سيدنا -عادت بركاته- قطاعة من أغلظ ما يكون من غزل أمه وأهله، وعمامته قطعة منها لا يزيد على ذلك، ويصوم مستمراً، وكان له من الخشوع والرقة ما يضرب به المثل، قال فما كان ثاني أو ثالث يوم إلا والخبر عندنا بالظفر بأولئك جميعاً وقبض سلاحهم وأمنهم وأرسلهم إلى عند السيد عامر، وسيدنا يوسف، قال وعزم سيدنا محمد بيته حراز [ق/117] ولا يظن أن في ذلك خللاً، قال فعظم على سيدنا محمد فكتب كتاباً سمعت بعضه في فصوله يا أخي وفيه بلاغة، ومن جوابه في بعضها ما لفظه:
ليالي الوصل من أحبابنا عودي .... حتى يعود نظيراً مورقاً عودي
وصل الكتاب المودع بدائع الخطاب، الملاحظ فيه دقائق العتاب ومرارة الجواب، وعليكم أشرف التسليم وأزلف التكريم، ونوامي بركات الرحمن الرحيم.
سلام عليكم كلما هبت الصبا .... على الروضة الغنا وينفاح طيبها

وما ذكرت من أني قطعت التحية، وفضحتك على رؤس البرية، ولم أرد عنك الغيبة الردية، فحاشا وكلا، ومهلا أن أتخلق بذلك مهلا، وما أردت من ذلك الكلام، وإبداء العيوب وقطع السلام، إلا التحريض لكم بالاهتمام، واعتمدت على قول ذي الأرب، إذا صفت المودة سقط الأدب، ومن كتابك العجب كل العجب، وما كنت أظنك تأول كلامي تأويلاً معكوسا، وتصرفه تصريفاً منكوسا، وكنت أظنك من أشفق الولدان، وممن كشفت بيني وبينه الأردان، فغدا الظن على غير حقيقة، وصار الرجاء سالكاً في أصعب طريقة، وما ذكرت من أني لم أرد عنك الغيبة المردية، والألفاظ المزرية، فقد علم الله سبحانه وتعالى أني لم آل جهداً، ولم أزل لألسنة أهل البذا مسددا.
ثم قالوا تحبه قلت مهلا .... عدد الرمل والحصى والتراب
والعتاب سيما الأحباب، ومن صفة مودته من الأصحاب وأنت تستحق من الخصام أجزله، ومن العتاب أقتله، تركتنا والجهاد قائم على ساقه، وكل مؤمن قد رجع عن إشفاقه، وفزع عن قومة، واغتنم فضل نومة، وأنت تجود بنفسك هاربا، وتركت كل من كان لك محباً وصاحبا.
يا خليلي ويا شقيق فؤادي .... أنت خلفتنا لأمر شديد

وقد تناولنا كتابك على ثلاثة أوجه، إما أنك أردت بذلك الاختبار لنا بما عندنا لك، فعهدي ذلك العهد القديم، وقلبي ذلك القلب السليم، وإما أنك قد اعترفت بالذنب وتريد الذب باللسان فلا يقبل منك ذلك حتى تفعل ما أريد منك وأستغفر الله في حقك وحق كل مسلم، ولك السلامة من الجبن والبخل والملامة، ومن تاب بعد الذنب وتشجع بعد الجبن تاب الله عليه، ونظرت العيون إليه، ومدحه من كان ينقد عليه، فاستر هذه الفعلة بأحسن بدوة وأجمل جملة، وتصلون جملة أنت وأصحابك إن ساعدوك وإلا وصلت أنت [ق/118] بنفسك ومن ساعدك، وأنتم يا أهل الثلث تقولون أنكم رأس الزيدية فلا تبقوا تفرجوا على أصحابكم الزيدية وهم يحربون الإسماعيلية، فإما أن تصلوا وإلا فتحتم عليهم من بلادكم، والسلام. انتهى الموجود.
وكان سيدنا رحمه الله تعالى يكاتب القبائل بما هو أنفع لإفهامهم، من ذلك ما أخبرني الفقيه أحمد بن سعيد المذكور، قال: رأيته رضوان الله عليه يأمر القبائل برفع الأصوات بالأشعار المحركة لهم حتى أن بعضهم لم يكن لهم من يعرف ذلك، فأمرهم برفع أصواتهم بقوله:
الحرب إذا باشرتها .... فلا يكن فيك الفشل
واصبر على حوماتها .... ما الموت إلا بالأجل
ومن مثل ذلك أنه كتب إلى خولان العالية وبسط من البراهين ما يتعلق بمعارفه الظاهرة، ثم جعل إلحاقاً فيه من كلام القبائل من جملته قد قال الأول:
ادخل مع أخوك القاسم .... ويقسم الله ما قسم
ومما قال قد قال شاعركم:
إن صاحبي كلما فيا هجس .... وإلا فليش المعاني والصحب
إن يرفس النار رفسنا ما رفس .... وإن يمس الحنظلة مصات أقب

قال رضي الله عنه: وأنا أقول:
وإن صاحبي بين ماء صافي غطس .... غطست من هامتي بين الخلب
وإن صاحبي من قميص سوسي جلس .... خلست جلدي ويبدين العصب
وأمثال هذا مما يطول ذكره، قال: فعاد سيدنا إلى لقاء سيدنا يوسف كما سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وأرسلوا في خلال عزم سيدنا العياني سيدنا الفقيه العالم الزاهد جمال الدين علي بن يحيى المحيرسي رحمه الله إلى بلاد كوكبان جبل تيس ونواحيه، وعينوا معه قبائل وأعياناً سماهم، منهم: السيد المجاهد محمد بن علي بن الحسين من آل شرف الدين المعروف بالقراع، وجهزوه بنحو ما جهزوا به العياني، فلما قاربوا بلاد جبل تيس أجابتهم القبائل وخالفوا على دولة كوكبان، فأرسل الأمير أحمد بن محمد ابن عمه الأمير محمد بن عز الدين بن الإمام شرف الدين نحو ستمائة نفر فاتفق حرب عظيم فهزم أهل كوكبان، وانتهبت محاطهم وقبض على الأمير محمد بن عز الدين في هجرة عر ثومان، ووصل به السيد محمد بن علي القراع إلى العر في الحيمة إلى عند السيد العالم عامر بن علي رحمة الله عليه، وتقدمت القبائل مع حي الفقيه الشهيد علي بن يحيى رحمه الله تعالى ومن معه فأخذوا [ق/119] الطويلة، ثم بلاد الضلع جميعاً، واستقروا في بيت مليك موضعاً هناك أياماً، ثم تأخروا إلى موضع يسمى الماخذ هناك، ولا تزال الحرب عليهم قائمة من كوكبان حتى كان آخر الحرب في موضع يسمى جرف هيفر أعلى بني الخياط، استشهد فيه الفقيه جمال الدين رحمة الله عليه، واجتز رأسه وبقي أهل البلاد فوضى، فأغار السيد العلامة عامر بن علي من الحيمة، واستخلف خليفة وكانت أيام

سافوف المشهورة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في موضع كما أشار إليها السيد العلامة الحبر أحمد بن محمد الشرفي رحمة الله عليه في تتمته لبَسَّامة ابن الوزير، وأسس عليها شرحه المسمى( الكواكب المضيئة):
وحاز عم الإمام الفضل واشتهرت .... له المناقب مثل الشمس والقمر
وقبله:
أما مواطن سافوف وفي هزم .... فكالجبال اصطدام البعض بالآخر
وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى ما يمكن من تفاصيل هذه الجملة في موضعه من هذا المختصر.
ولما استقر سيدنا جمال الدين علي بن يحيى رحمه الله في بيت مليك والماخذ كما تقدم، ووقعت وقائع كثيرة وحروب شديدة فيما بينه وبين الأمير أحمد بن محمد بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين (عليه السلام)، ومن انضاف إليه من العجم، وقد انضم إليه أعيان من أصحاب مولانا الإمام عليه السلام حتى ضايقوا الأمير المذكور، وكان قد لزم صنو القاضي المذكور قبل القيام وهو الفقيه الفاضل عبد الواحد بن يحيى المحيرسي، وضيق عليه في المدفن.

42 / 109
ع
En
A+
A-