[وقعة نقيل عجيب]
ثم إنه أغار عليه الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض ومن انضم إليه من الكلبيين وغيرهم فأدركوا قدر ثلث المحطة لأنه رمي جمل للشيخ علي بن متاش الخولاني عليه حاصل فعقم الطريق وانتهب بسببه ما بعده من الأثقال الكثيرة، وبعض الزبارط وغيرها.
وقال السيد عيسى بن لطف الله: إنها أخذت جميع أثقالهم وأصيب الشيخ علي بن متاش وذهب ماله في جملتها ألف وسبعمائة حرف أحمر ذهب، وقتل جماعة فوق المائة النفر وأحرق عليهم الباروت وهلك منهم به أنفار.
وقال السيد أحمد نفع الله به: ووقعت الورطة مع الأتراك في جراف خمر وأيقنوا بالعطب، فروى الثقة أنهم احتالوا في أنفسهم بأن خدعوا السيد العلامة محمد بن علي الحوثي، والسيد أحمد بن محمد الأعضب والشيخ علي بن وهان ومن معه، وكتبوا إليهم في رفاقة لهم وإخراجهم إلى البون بما معهم من الأثقال، وكان ذلك على يد الأمير علي بن المطهر بن الشويع بعد أن أخذوا منه العهد للإمام عليه السلام وأنه بعد ذلك يصل إلى الإمام عليه السلام ويكتب بذلك الحديث إلى الحاج المجاهد أحمد بن عواض ومن معه، فأجاب عليهم الحاج ومن معه: إن هذا الصلح إن كان برأي الإمام عليه السلام فلا بأس وإن لم يكن فلا نساعد إليه ،فأظهر الترك عدم المبالاة بالحاج ومن معه وأظهروا أنهم يقصدونه للحرب، ثم مالوا نقيل عجيب وكان ما تقدم (منقولاً بالمعنى)، وبعد هذه الواقعة فتح المشرق جميعه إلى بلاد الطيال كما أخبرني حي القاضي العالم جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال رحمه الله، قال: إنه خرج في تلك الأيام إلى الأمير مطهر بن الشويع من قبل الوزير حسن، وكان إليه بلاد حاشد وبكيل في محطة فلا زال يطوف في البلاد مثل بلاد ذيبان وبني زهير والصيد ونواحيها، ويصطنع الناس كما تقدم من ابن المعافا، ثم طلب جماعة من العلماء والفقهاء، منهم: القاضي الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال، والقاضي صالح بن عبد الله بن حنش، والقاضي عبد الوهاب الصنعاني المذكور في أخبار حجة وغيره، وكان يسير بهم معه على أنه معظم لهم وهم معه في الاعتقال ومع ذلك فهو يحضهم على ترك الفتنة، ويقول: قد رأيتم عدم صبر القبائل على
القيام مع الإمام الحسن كذا وكذا من العواقب [ق/109]. قال: ودعاة الإمام وكتبه تترى عامة وخاصة حتى أن الصنو القاضي الهادي أضاف الأمير في ظفار، وعندي في بعض منازل البيت اثنان فأخذنا لهم حصة من الضيافة من بين يد الأمير وعاقدنا أهل العزائم من الشيعة والقبائل، ثم أوقدت النيران وقام معنا أهل خارف حتى اجتمعنا إلى ناعط من أعلى جبال الصيد جمعاً كثيراً لكن من غير سلاح ولا ندري إلى أين توجه لأن الظالمين قد انكفؤا إلى صنعاء وقدهزمهم الله.
[كرامات الإمام]
نعم واتفق معنا في حال المساء في ناعط قضية أنا لما أخذنا مضاجعنا للنوم احتجنا إلى شربة ماء، قال: فقلت: من يسقينا من البركة فأجره على الله، قال:فقام الفقيه فلان خفي علي اسمه وقد سماه، وقال: أنا، فأخذ إناء وذهب ولم نره ونمنا وأصبحناولم نجده في القوم فظننا أنه جبن وبدا له الرجوع إلى المشهد المقدس بذي بين وترددنا ننتظر التئام القبائل، وأمر مولانا الإمام عليه السلام نحو ثمانية أيام، ودخلنا أعناب سلب من بلاد حشب الزيادي وقد أصفقت حاشد وبكيل على الإجابة وغالبهم بغير سلاح، وأما البنادق قليلة جداً ماتجاوز العشرين القصبة.
قال: فلم نشعر إلا بالفقيه المذكور وقد صار في حالة ضعيفة مصفر اللون وعينه مجرحة حمراء يقطر منها الدم فلم نكد نعرفه حتى تحققناه فسألناه عن خبره وأين كان هذه الأيام وهو فارقنا على أنه يسقينا الماء، فقال: اتفق لي قضية وهي أني لما خرجت من عندكم، فلما هبطت إلى أسفل منكم إلا وقد حملت فيما بين السماء والأرض حتى أوصلوني محل فلان من جبل الفليقة من بلاد الكلبيين فأحضروني عند أمير الجان، وشكاني قوم أني قتلت منهم بأن وقعت عليهم مع النزول وكحلوني بكحال فرأيتهم ووصف من أمورهم وألوانهم أموراً هائلة، فقلت: وكيف ذاك؟ فقالوا: كنا محاطين تحتكم وكنا في محطة من الجن خرجنا للجهاد في سبيل الله، قال: فحبسوه حتى سكنت فورتهم وطلبوه وأبروه وسمحوا له لأجل الجهاد مع الإمام عليه السلام، وهذه من كرامات الإمام عليه السلام وما اتفق من اجتماع الجن مع الإنس على وجوب نصرته سلام الله عليه ورحمته.
[حروب هزم]
قال: ثم خرجنا إلى هزم لاستدعائهم لنا فصرنا إليها في عالم من الناس وبينها وبين صنعاء نحو ستة فراسخ لا غير، ثم تواترت الغارات إلينا من قبل الإمام عليه السلام فوصل الفقيه المجاهد عز الدين علي بن صالح الأكوع، ثم السيد أحمد بن محمد الأعضب الحوثي وغيرهما حتى اجتمع في[ق/110] هزم عالم من الناس، وخيموا في ذلك الموضع فخرج عليهم سنان لعنه الله في جمع عظيم من العجم والعرب والمدافع وقد أرهب وأرعد وأبرق، وألبس جنوده وخيله الحمر وجماله كذلك حتى روي أنه لبس الكلاب الحمرة وأخرج معهم الأمير عبد الله بن محمد الداعي الهمداني وهو الذي دخل الروم يستدعي الخروج على عيال الإمام شرف الدين عليه السلام، وكان معه نحو ثلاثة آلاف من همدان، فاتفق حرب عظيم صبر فيه المجاهدون ولهم شدة حتى أحيط بهم من ثلاث جهات ولزم المجاهدون البيوت وهي غير حصينة، والخيل تحمل عليهم حتى تصل شوارع البلد، فبينماهم في مكابدة ذلك، وكان الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض الأسدي رحمه الله تعالى قد دخل بلاد نهم، واجتمعوا إليه وأجابوه وأراد التقدم بهم ومن اجتمع إليه من غيرهم من بلاد خولان الطيال فوصل إلى موضع من أعلى السر يسمى الشرفة، ثم إنه دعا كالمستجن على هزم فعاد بمن معه وصعد بهم جبلاً مشرفاً على صنعاء على وادي السر يسمى ذباب فعشر من ذلك من هنالك فسمع الحرب والمدافع على هزم فقام بمن اجتمع إليه من القبائل وحرضهم على الجهاد، وقال: ما يسع عند الله إلا الغارة على إخواننا إلى هزم، فخلص له نحو ثمانمائة نفر أو يزيدون على ذلك وانحدر بهم إلى القاع ثم جبل
بني جرموز حتى انتهى أسفل محطة سنان لعنه الله إلى جهة المشرق، والمسلمون في هزم في أضيق حال قد دخل عليهم بعض بيوتها وهم ثابتون صابرون، وكان رجل من الحارة من بلاد ذي مرمر يسمى أبا مريم لعنه الله تعالى من كبار جنده ومن أهل البأس تكلم في الإمام عليه السلام بما لا يجوز لعنه الله وأشار مستهزئاً إلى فرجه فما أتم ذلك حتى أصابته رصاصة أخذت مذاكيره، وكان عبرة ظاهرة.
ولقد أخبرني حي والدي رحمه الله وكان في عسكر الحاج أحمد من تحريض الحاج للناس بما يطول ولقد اهتز للجهاد من حضر من رعاة الغنم في الطريق، ثم لما وصل ذلك الموضع وكان وصل غارات من قبل من حاشد وبكيل وأحصروا لم يتمكنوا من المدد فانضموا إلى الحاج فأخذ عليهم أن لا يتقدمه أحد فتقدم بهم من مواضع سماها حتى قصد همدان ولم يليهم جند العجم فأوقعوا فيهم حتى هزموهم وفرقوهم وجملة المراكز كلها فاجتمع جنود العجم إلى طاغيتهم ودافعوا عنه، وكان قد أرهق، ثم استقامت الملاحم [ق/ 111] الكبيرة والمصادمة التي يضرب بها المثل فأقاموا على ذلك شهراً أو فوق ذلك، وفي أكثرها اليد لهم على العجم، وكان سنان لا رحمه الله يباشر الحرب بنفسه وكان له مترس يحفظ نفسه فيه وقريب منه المدفع المعروف بالخباني قل مثله في أرض اليمن، وكان قد ضر المسلمين والبيوت فحمل عليه المسلمون حملة هائلة حتى أزاحوهم من فوقه وحصل عجب من سرعان الناس وقطعوا حباله التي يُجر بها فلم يقدروا أن يجروه إليهم، وقد تمكنوا منه فجمعوا عليه حطباً وغرائر وآلات كانت بالقرب فأحرقوه على أنهم يغيرونه وصبوا عليه الماء والخل، فتراجع أصحاب
المخذول سنان لارحمه الله إليه وكانوا حملوه للهرب فرموا فأصابوا جماعة من المجاهدين علىضوء النار فرجع الناس ليلتهم وهموا به أخرى حتى اتصلوا به ولم يتمكنوا كما تقدم، وكان حي الشيخ علي بن عبد الله الزيادي عند سنان لا رحمه الله في الاعتقال وأخوه الشيخ محمد بن عبد الله عمدة في أهل الجهاد وممن له التأثير العظيم والنصيحة، وكان يرمي بالبندق ويركب الخيل ويقاتل عليها، فكان سنان لا رحمه الله يخرج الشيخ علي حتى يعاينه أخوه وينادونه هذا أخوك إن يخرج أصحاب الإمام من بلدك وإلا قتلناه فلا يجيبهم إلا: افعلوا ما بدا لكم، لقد صارت البلاد للإمام أيده الله ولم يبق لي فيها تصرف أو كما قال، فلما يئسوا منه أخرجوا الشيخ علي على المدفع وذبحوه كما يذبح الخروف، وبقي الحرب حتى قيل هذا الأمير عبد الرحيم بن عبد الرحمن المحروم قد وصل من عند الإمام عليه السلام، ولمصيره بجنوده وأهل مملكته إلى عند الإمام خبر طويل نذكرمنه إن شاء الله تعالى ما يسره الله في موضعه، وقد بايع الإمام وأظهر التوبة وتقدم بعيون من أصحاب الإمام عليه السلام حتى وصل بعاش، وكان في عمران من قبل مولانا الإمام عليه السلام الوالد السيد محمد بن ناصر الغرباني أطال الله عمره فقبض على من عنده من أصحاب الإمام عليه السلام وانحدر إلى جنات عمران، وعاث فيهم وقتل عالماً وتقدم إلى عيال سريح فانهزم المجاهدون من هزم وتفرقوا، وقتل من أهل هزم نحو ثلاثمائة نفر فيهم صغاروضعفاء ومن سائر الناس ولو أن عبد الرحيم المحروم كتم سره ودبر أمره لما كان عزم عليه من إظهاره لأهل هزم أنه ممد لهم حتى
يحيق بهم ومن وراءهم وسنان لعنه الله من أمامهم لكانت [ق/112] وقعة هائلة ومصيبة عظيمة ولكن دافع الله سبحانه.
نعم! وهذا المنقول من مداد الحاج المجاهد أحمد بن عواض رحمه الله تعالى إلى هنا من رواية الوالد وغيره.
قال السيد أحمد نفع الله به: إنه استدعى السيد الحسن وجميع العيون من أفاضل أصحاب الإمام عليه السلام وقد أسر سنان أنه يحتال فيهم ويطلبهم للتشاور، ثم يقبض عليهم فلم يأمنوه.
وقال السيد عيسى: إن الذي أنذرهم وأطلع على خبر هذا الظالم رجل من عيال يزيد اسمه صبحا من بلد الخدرة جزاه الله خيراً، ومن لطف الله بالمسلمين وإعانته لأمير المؤمنين إنما وصل عبد الرحيم بعاش إلا واتهمه عيون الأنصار وتفرقوا من حوله، ووافق وصوله الجنات وقد انهزم من في هزم ولقاه جنود سنان إلى موضع يسمى الحمودي.
[ذكر تقدم الإمام عليه السلام إلى حبور]
قال نفع الله به: ولما بلغ الإمام عليه السلام نكث عبد الرحيم وهو عليه السلام في سيران تقدم إلى حبور ليكون ظهيراً لمن في السودة، والسودة وغيرها من المجاهدين.
قال السيد عيسى بن لطف الله: كانت الهزيمة من هزم وعذر الأمير المحروم في شهر رمضان سنة ست وألف [1597م].
[أخبار القاضي يوسف بن علي الحماطي]
فصل: في أخبار القاضي الزاهد الإمام المتبتل العابد نجم الدين، وأويس الآخرين يوسف بن علي الحماطي نفع الله به وإجابته، وحسن مواقع نصرته، فمنها ما أخبرني الفقيهان الأفضلان الفقيه الأعلم شمس الدين أحمد بن محمد بن حسان الآنسي ثم الشمهاني، وكان من أهل العلم وأتباع سيدنا نجم الدين يوسف بن علي الحماطي عادت بركاته، والفقيه أحمد بن سعيد الظفاري ثم الحيمي وهو أيضاً من عباد الله الصالحين، وله علقة بحي سيدنا العالم العابد الشهيد محمد بن علي العياني المشهور الفضل في اتباع سيدنا نجم الدين المتقدم ذكره رحمة الله عليهما أن حي سيدنا يوسف عادت بركاته كان مع شدة خوفه من الظالمين أخذهم الله وهم ولاة سلطان الروم حسن باشا، ثم من بعده سنان باشا ومن بعدهم ممن سيأتي إن شاء الله تعالى أسماؤهم [ق/113] في موضعه من هذا المختصر ما زال منذ ما اتفق لحي مولانا الإمام الناصر لدين الله الولي الحسن بن علي بن داود المؤيدي صلوات الله عليه من الأسر يترقب لقائم حق وعهد له، ويدعو إلى جماعة آل محمد صلى الله عليه وعليهم، ومع ذلك فتاويه ظاهرة ويده بالذب عن الدين في كل جهة لمخالفيه قاهرة، والقلوب من غالب الزيدية في اليمن كثرهم الله إليه مائلة، وكان له رسائل كثيرة وفي أيام تخوفه كما تقدم قد أظهر نفسه مراراً وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكان أكثر مواضعه التي يستخفي فيها ويتردد إليها جبل عانز وما يتصل به من جبال الحجرة المتصلة بسهام، ثم بلاد حراز ومثل بعض بني مطر وبعض بلاد جبل تيس، ومثل جبل حصبان من أعمال حراز، ومع