ورميت البنادق من القفلة فأصابوا جماعة من الناس، واستشهد نحو اثني عشر نفراً، فأمر الإمام عليه السلام بإخراج القتلى فأخرجوهم إلى فوق بئر أثلة المعروفه هنالك بحيث أن البندق البالغة تصل إليها من القفلة، فصلى بالناس المغرب ثم العشاء، ثم أمر بالشهداء فأحضروا وصلى عليهم، وأمر بدفنهم، ثم وصل فلان من زراع الحضيرات وقال هذا الموضع عشاء لأصحابك يا مولانا، فأمر الإمام عليه السلام الناس أن يأخذ كل واحد منهم الكفاية ولا يتعداها وقدرها هو ومن عنده سنبلتين، قال مقسماً بالله: ما رأيت احداً زاد على ذلك ولا بلغني أن رجلاً زاد على ذلك، وأخبرنا بعد ذلك من يعرف المالك المذكور أن ثمرته المعتادة منها حصلت من غير نقص، ثم طلع الإمام عليه السلام القرن الأسود محل الحضيرات وقد فزعه أهلها فكان في بيت فلان وغيرها كذلك، والظن منا أنا نمسي إلى الصبح، ثم نناجز من بقي من المحطة حتى نستأصلهم ونظهر إلى غيرهم ولا تدبير لنا إلا ذلك، قال: فإذا بنا نسمع من عند الإمام عليه السلام الدواعي للقبائل قبيلة قبيلة يدخلون عليه حتى كنا بالأهنوم من أحرهم طلباً، فلما حصلنا عنده عليه السلام وإذا به في منزل وسيع على قصب الذرة ما ثم فراش غيره، فتكلم معنا بكلام بليغ لم أضبطه متضمناً المواعظ النافعة، والحث على الجهاد وإظهار كلمة الحق، ثم قال ما معناه: التدبير أن تفرقوا وكل واحد يدعو من أمكنه وقدر [ق/ 103] عليه من أهل الخير والعزائم والصبر، ثم طلب البيعة ممن لم قد يبايع فبايعوه وأعطى الفقيه علي بن محمد الشهاري كتباً كما تقدم، وقال: تحفظوا نفوسكم بالاختفاء حتى
يأتيكم إن شاء الله أمري ، ثم نهضنا ونهض جهات المشرق فدخلنا البلاد على تلك الصفة مستورين بالظلام فكنا في البلاد كما تقدم نختفي النهار في شواهق وأسفال البيوت، والليل نسير على من نتوسم فيه الإجابة حتى اجتمع لنا جماعة نظنهم فوق السبعمائة، وخفي علينا الإمام عليه السلام فلا تصح رواية بأنه في موضع، والأرض إذ ذاك ترجف بالظالمين لا يدرون أين هو فيقصدوه.
[وقعة أخرف]
قصة قتل أخرف من رواية المذكور، ومن رواية السيد جمال الدين علي بن محمد الغرباني عن والده السيد محمد بن شمس الدين، ومن رواية حي الحاج المجاهد عواض بن قاسم الأقهومي أنه لما استقر ابن المعافا ومن معه من الأمراء في الهجر، واستقر في قرن الوعر محطة وفي نجد ابن دحباش من أعمال حاشف، كذلك كان من الترك رتبة في حصن نعمان عيال قاسم من غربان، ثم أقبلت محاط فيها من أعيان الأمراء الأمير عبد الله بن مطهر بن الإمام شرف الدين وعدة من أمراء الترك، ثم أمراء الجوف الأمير علي بن مطهر بن شويع، اتفق رأيهم أن يبقى في غربان الأمير علي بن مطهر بن الشويع، ويتقدم الأمير عبد الله ومن معه من الأمراء إلى بلاد عذر، فأخبرني السيد علي بن محمد عن والده أنهم نزلوا من الخشع إلى الوادي ومعهم من الأثقال والآلات ما يجل ويعظم حتى أن أكثر تلك المواضع من الخشع إلى الوادي حمائل مطرحة، وكان أهل غربان مع الظالمين خالصين ولا همة لهم خلاف ذلك، وأن فلاناً سماه أخذ يؤنب الأشراف والقبائل ويقول فيما يقول: خذوا هذه الأموال المطرحة يا (فعله يا تركه) وما تخافوا عليه في غربان من العواقب وما الذي معكم تخافون عليه، وأطال في ذلك فاجتمع جماعة منهم السيد محمد بن شمس الدين والد السيد علي بن محمد، وتعاقدوا على الوثوب في آخر المحطة، ورواية الفقيه قاسم تقرب من هذا المعنى.
وأما الحاج عواض الأقهومي رحمه الله، فقال: خرج جماعة يتخفون ويطلبون خبر الإمام عليه السلام للحوق به على خوف شديد حتى اتصل بمذاعير وادعة، فبلغهم المحاط والأموال [ق/104] المطرحة، وجاء الخبر أن ثم قوماً واصلين لها لا يعرفون قائله، فاجتمعوا هم وجماعة من أهل بلد الحزيز وأسفال وادعة حتى كانوا فوق مائتي رجل معهم من السلاح اليسير، وانضم إليهم بدوان ومن غربان جماعة، وهجموا على آخر المحطة فانتهبوا كثيراً منها، وقتلوا جماعة معها، ودافع عنهم الأمير عبد الله ومن معه، وأمسوا عليهم إلى قريب الصبح ثم تفرقوا، وطلعت المحطة من أخرف، وقتل منهم قريب المائتين النفر، وانتهب من أثقالهم كثير، قال الحاج عواض: فاتفقنا على التفرق فتفرقنا وطلبنا رسولاً إلى الإمام عليه السلام لا علم لنا به فانتدب السيد محمد بن شمس الدين، فعزم وكان فيه خفة وقوة، وعمر رحمه الله مدة، واستمر في الجهاد حتى مات رحمه الله تعالى، فأخبرني ولده عن خبره أنه لا يعرف البلاد، وكان معه من الغنائم فرجية كبيرة حمراء، وسيف مسقط في حلية عظيمة من السيوف الكبار ذوات القيم البالغة، قال: فحملت السيف ليقف الإمام عليه والقبائل ليعرفوا صحة البشارة حتى وصلت مرهبة وهو في غاية من الخوف فاتفقت بسيدنا الفقيه الفاضل جمال الدين علي بن الصالح الأكوع رحمه الله تعالى، وهو أيضاً خائف ولا أعرفه فكتمت نفسي منه وكتم مني كذلك حتى طال الكلام، وأخبر كل واحد منا صاحبه بالصدق فبشرته فحمد الله واستبشر وعرفني باسمه، وسألته عن الإمام، فقال: تجد خبره في موضع يسمى حرف الصللة من أعمال الرونة من
بلاد عيال أسد، فطلب لي الدليل فعزمت معه، قال: فوافقت الإمام عليه السلام وبشرته وأخبرته فحمد الله سبحانه، ثم تقدم إلى موضع من أسفال عيال أسد أظنه يسمى حرف عريج واشتد عزمه عليه السلام، وظهر في ذلك الموضع.
قال السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي رحمه الله تعالى: إن سبب وقعة أخرف أن الإمام عليه السلام أرسل أول الدعوة وقبل ظهورها جماعة من أصحابه كالحاج المجاهد سيف الإسلام أحمد بن عواض الأسدي، والحاج الفاضل المجاهد أحمد بن علي بن دغيش وغيرهم لمعاقدة قبائل الظاهر وغيرهم، وأنهم متى ظهر أمرهم عليهم وصلوا إليه بسلاحهم، فلما ظهر أمره في قارة وصله الأمير الحسن بن ناصر الغرباني وذكر حديثاً في طريقهم، ثم إن الأمير الحسن بن ناصر، والحاج أحمد بن علي بن دغيش وغيرهما أعقدوا من حاشد وبكيل وأهل غربان، فكانوا نحو ألف نفر فتركوا المحطة المذكورة حتى خرج أولها إلى الصافية وأوقعوا [ق/105] بهم فأول من رماهم الأمير الحسن بن ناصر، وذكر أنهم حاصروهم يومين بلياليهما، ولم يذكر القتل أنه كان كثيراً كالرواية المتقدمة بل أقل، وأن الأمير علي بن المطهر بن الشويع احتال في خروجهم، والإفراج عنهم، وكان الأمير علي قد حلف لأصحاب الإمام عليه السلام أنه لا يضر أصحاب الإمام بسوء وأنه صائر إليه بعد حين، نقل ما ذكره بالمعنى.
ولنعد إلى رواية الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي الآنسي رحمه الله تعالى، قال: كنت في صنعاء قبل خروج الإمام عليه السلام وكنا نتحدث بظهوره ونتوعد على المسارعة إليه عليه السلام، فلما خرج وصح خروجه على الظالمين والأرض إذ ذاك تميد بهم أعانني بعض أهل صنعاء بهذا السيف سيفاً عظيماً حسنياً قل مثله، وقال: هذا لك للجهاد وأعانني آخر بترس ولبست مضربات، ومعي أيضاً جوخ وتهيأت بهيئات أشراف كوكبان، فلم أتمكن إلا بأني عازم ظفير حجة، ثم منه وجدت من أخرجني بلاد الشرف، ثم لما صح أن الإمام عليه السلام في جهات المشرق قصدت الهجر هجر الأهنوم لعلي أدرك خبره عند السادة الفضلاء أهل المحراب ولم أتمكن من قصدهم إلا بأن دخلت محطة بني المعافا في الهجر فبينا أنا في السوق أدور إلا وعندي شاوش يقول: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلت على الأمير عبد الله بن المعافا وعنده كاتباه ونحو ثلاثة أنفار فأخرج من كان عنده وأخلى لي المكان، ولم يبق غير كاتبيه الفقيه صلاح الجملولي، والشيخ سعيد بن حاجب فرفق بي وتكلم معي من أنت؟ وأين تريد؟ وما، وما؟ وكان قدرآني في صنعاء في سادتها حتى أنه صرح بأنك تريد الإمام كذا، قال: فلما سمعت منه قلت له: هذا عقلك كله تحدث بأن هذا الرجل المجنون يجيبه أحد أو يلتفت صاحب عقل إليه لا يجد موضعاً يحفظه حتى يلتئم إليه أنصار وكذا، اللهم إلا أنتم يا رؤساء الزيدية مثلك ومثل إخواننا أهل كوكبان حتى التفت إلى صاحبي، وقال: صدق الرجل فما وصلك؟ قال: فقلت كان على رجل لي دراهم في صنعاء، فلما تفرقت المحاط ولم أعرف موضعه فبلغني أنه في هذه
المحطة فصدقني، وخلصت أوطلبت موضعاً آوي إليه ففعل، ثم أخذت أدور ظاهراً لصاحبي حتى وجدت رجلاً من أهل المحراب فسألته عن السادة فأخبر أنهم آمنون وباقون في بيوتهم، فقلت: ما يحفظني غيرهم، وأجد الحقيقة عندهم فخرجت معه على صورة مع إقبال الليل وكنت أعرف السادة من شبام كوكبان، فدخلت عليهم ليلاً [ق/ 106] فاستبشروا وآنسوني وأخفوني في بيوتهم ليلة.
ثم قالوا: بلغنا أن عراف البتامي كان حمل مع الإمام رايته يوم قرن الوعر، وسار معه وقد وصل هذه الليلة، قال فطلبوه على صفة فوصل وأخبر بخروج الإمام إلى الموضع المذكور من بلاد عيال أسد وأنه وصل بكتب إلى السادة وغيرهم فأحضروه وأحضروا معه من أخرجني إلى بلاد العصيمات فأقبل إلينا جماعة رفقونا حتى صرنا إلى جانب حوث، وبلغنا دخول الأمير حسن بن ناصر الغرباني، والسيد الهادي الغرباني، والشيخ المجاهد علي بن وهان العذري ومن انضم إليهم المصنعة سفال بلاد الصبيحات من وادعة وأن الحرب عليهم من المحاط التي في وادعة قائمة، وأن الأمير عبد الله بن المعافا جمع من عنده ومشائخ الأهنوم، والعسكر الذين اجتذبهم من ملاح الأهنوم واتصلوا بأمراء العجم الذين في وادعة، وكانوا كما ذكر السيد العلامة أحمد بن محمد نفع الله به نحو خمسة عشر ألفاً وخيلهم ثمانمائة فارس، والحرب على السادة قائمة فأغرنا في جماعة من العصيمات، فحصلت حروب وملازمة شديدة، ووصل الشيخ المجاهد محمد بن صلاح البحش وجماعة من أصحابه من عند الإمام مدداً، وفيهم عسكر وبيارق وسلاح حسن، فكان لوصولهم موقع، وأصيب الأمير الحسن بن ناصر في رجله حتى شلت، وعاش
بعدها زماناً طويلاً حت مات رحمه الله في السنة التي مات فيها حي مولانا عليه السلام، واستشهد السيد الهادي الغرباني القاسمي رحمه الله، وحملوه ثم السيد علي بن المهدي الآنسي بصائبة في كتفه، وحملوه إلى عند الإمام عليه السلام فوافاه وهو على أهبة الغارة بنفسه إلى وادعة، وأرسل الحاج المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله يلتمس غارة، فاحتبسوا له في موضع حتى وصل في جماعة ليسوا بالكثير، وكان في وادعة محاط العجم كثرة، وفي بهمان كذلك، وفي خمر كذلك فلم يتمكن الإمام أن يتصل بوادعة، فاختفوا في موضع قريب من الحبلة حتى جاء الليل ودخلوا حدود وادعة وإذا بالبشرى والتنصير بظهور المجاهدين عليهم، وأن وادعة كلها مالوا إلى جانب الحق وأن عسكر الأهنوم الذين كانوا مع ابن المعافا خرجوا إلى جانب المحطة، وحاربوا مع جنود الحق، فبينا نحن كذلك وإذا بالقاضي هادي [ق/107] بن يحيى بشاري العنسي العذري ينادي بأعلى صوته: البشارة يا أمير المؤمنين هؤلاء قبائل الأهنوم وعذر تواثقوا رهائن لبعضهم بعضاً، وأجابوا كلمة الحق وأوقدوا النار واجتمعوا للجهاد، وطردوا من بقي في بلادهم من أصحاب المعافا، وطلبوا المبادرة بوصولك إلى بلادهم لئلا ينتقض عليهم ما عقدوا أو كما قال.
قال: فأمر الإمام عليهم السلام السيد العلامة محمد بن علي بن عشيش وقد وصل إلى الإمام والسيد أحمد بن محمد الأعضب، والحاج المجاهد أحمد بن عواض، والشيخ المجاهد الشهيد علي بن وهان العذري وغيرهم بملازمة الجهاد في وادعة، وشمر الإمام عليه السلام العزم إلى الأهنوم، وكانت طريقه حوث والسروة، ثم طلب دواة يكتب جواباً عاماً وإعلاماً لمشائخ الأهنوم وعذر بوصوله، فلم يجد الدواة فسكوا الفحم وخلطوا عليه الصمغ وكتبوا، وأرسل السيد محمد بن شمس الدين الغرباني الواصل ببشارة أخرف، قال: وكان فيه من الخفة ما لا أعرفها في غيره، ثم تقدم الإمام عليه السلام إلى المحراب وقد اجتمع إليه كثرة فوق ألفي رجل، وتلقاه السادة والعلماء من الأهنوم.
قال السيد أحمد بن محمد الشرفي نفع الله به: إن الأمير ابن المعافا ترك في الهجر محطة من الترك مع الشيخ جابر بن حميد السنحاني فقبض الإمام عليهم ورفق ابن حميد كما شرطه له الأهنوم، ومضى مرفقاً بالسودة وتقدم من المحراب إلى جبل سيران.
[حرب وادعة]
فصل: وأما الحرب على وادعة فاستظهر جنود الحق على الظالمين فانهزموا وقد طلبوا الرفاقة على أنهم يعزمون صنعاء، فوضعها لهم السادة، ومن إليهم، وانكفوا راجعين إلى صنعاء ، ولما وصلوا إلى حراف خمر وأقاموا أياماً يسيرة، ثم دخلوا خمر باتوا فيها ليلتين وطالبوا الرفاقة فرفقهم الكلبيون، ومن إليهم، وكان عددهم كثيراً وأمراؤهم ثماني عشر أميراً، ولقد أخبرني من حكى ذلك وشاهده وهو الشيخ صلاح بن قاسم الكلبي وغيره أن أولهم يشرب في بئر ريدة البون، وآخرهم يخرج من السنتين فوق مسافة البريد، ومن الأمراء المذكورين الأمير عبد الله بن مطهر، والأمير مطهر بن الشويع وولده الأمير علي، والأمير طرموش، والأمير مخرعلي، والشيخ علي بن متاش السنحاني الخولاني وغيرهم[ق/108].