والفساد لأن الله سبحانه يقول: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً}، ويقول: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، والظالم: لا تحل طاعته لقوله تعالى لخليله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [ق/91] [..........................] .
ومن مثلها قوله سلام الله عليه:

وسلام على عباده الذين اصطفى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} يا أيها الناس إن الله سبحانه قد دعاكم ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طاعته، وطاعة رسوله والصالحين من أولي الأمر من ذريته حيث يقول الحق وهو يهدي السبيل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ولا شك أن أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم يجب أن يكونوا عدولاً، وأهل تقوى؛ لقوله تعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[ق/92]: ((من ولى رجلاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه فقد خان الله في أرضه))، ويجب أيضاً أن يكون أعلم الناس بالتنزيل والتأويل، وبما يحتاج إليه الناس من تبيين الحلال والحرام والفرائض والسنن والعزائم والرخص لقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا

لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، ويجب أيضاً أن يكون من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته لقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} يعني من قرابته وعترته المهتدين بهديه، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) ومن وجب التمسك به لأجل أن لا يقع في الضلال يجب أن يكون متبوعاً لا تابعاً، يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في عترته الطاهرين: ((قدموهم ولا تقدموهم وتعلموا منهم ولا تعلموهم ولا تخالفوهم فتضلوا)).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله جعل علياً لي وزيراً)) في حديث طويل إلى أن قال: ((وابناه سيدا شباب أهل الجنة وهما والأئمة من بعدهما من ولدهما حجج الله على خلقه)).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله)) إلى غير ذلك من رواية الموالف والمخالف المؤدي إلى العلم الذي لا يمكن دفعه بشك ولا بشبهة، وها أنا ذا أيها الناس من عترة نبيكم نسبي في ذريته كالشمس الطالعة، ولئن أجر على حر وجهي مصفداً أو أبيت على حسك السعدان مسهداً أحب إلي من أن أعصي الله سبحانه في صغير ما تستحقرونه فضلاً عن كبيره، ثم إني ما وقفت في موقفي هذا إلا وقد علمت ما فرض على عباده وما أحل لهم، وما حرم عليهم، وما عزم لهم فيه من الأحكام، وما رخص في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أدعوكم إلى جهاد الظلمة الأشرار العاملين بسيرة كل جبار، ينكحون الذكور ويشربون الخمور، ويقتلون النفوس التي حرم الله تعالى بغير حق، ويظلمون الناس، ويقربون أهل الفجور، ويعملون بالكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم برواية الزور {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا [ق/93] نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} والجهاد سنام الدين، ورأس كل بر وتقوى، ويقول تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} ويقول تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من قوم يكون بين ظهرانيهم من يعمل بالمعاصي فلم يغيروا عليهم إلا أصابهم الله تعالى بعقاب)) .
ولا ترخصوا لأنفسكم في مداراتهم فإنا نعلم أنه لولا مداراتكم وإمدادكم لهم بالمال والقعود عن نصرتنا ما استقامت لهم راية أبداً، فذلك منكم معاونة على إثمهم وظلمهم، والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ولا تعتذروا بأنكم مستضعفون لأن الله تعالى يقول: {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولو حبواً)) .

فاتقوا الله عباد الله وأطيعوني لرشدكم وصلاحكم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها أكبه الله على منخريه في جهنم ومن نزع يده من طاعة إمام بعث يوم القيامة ولا حجة له...))الخبر، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم استبشرت قلوبهم وتهللت وجوههم وإذا ذكر أهل بيتي اشمأزت قلوبهم وكلحت وجوههم، والذي بعثني بالحق نبياً لو أن رجلاً لقى الله بعمل سبعين نبياً ثم لم يلقه بولاية أولي الأمر من أهل بيتي ما قبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) ولا تستوحشوا لقلة أوليائنا وكثرة أعدائنا فإن الله تعالى مدح القليل وذم الكثير، قال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} وقال تعالى: {وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} وقال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((سيرد علي الحوض يوم القيامة ثلاث رايات أولها أشد سواداً من الليل المظلم وتحتها خلق كثير وهم ينادون واعطشاه واعطشاه، فأقول: من أنتم فينسون ذكري، فأقول أنا محمد، فيقولون: نحن من أمة محمد، فأقول: فما خلفتموني في كتاب الله وعترتي أهل بيتي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا، وأما عترتك فخذلنا، قال: فأولي وجهي فيصدرون عطاشاً فيؤمر بهم إلى النار، ثم ترد راية أخرى أشد سواداً من الأولى وهم ينادون واعطشاه واعطشاه واعطشاه، فأقول:من أنتم؟ فينسون ذكري، ويقولون: نحن من أمة أهل العدل والتوحيد، فأقول: أنا محمد، فيقولون: نحن من أمة محمد، فأقول: فما خلفتموني في كتاب ربي وعترتي أهل بيتي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا، وأما عترتك فقتلنا ومزقناهم كل ممزق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فأولي وجهي فيصدرون عطاشاً فيؤمر بهم إلى النار، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثم ترد راية أخرى ولها نور يضيئ ما بين المشرق والمغرب وتحتها عصابة قليل لهم نور من آثار الوضوء، فأقول: من أنتم؟ فلا ينسون ذكري، فيقولون: أهل العدل والتوحيد ونحن من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأقول: فما خلفتموني في كتاب ربي وعترتي أهل بيتي؟ فيقولون: أما الكتاب فحفظنا، وأما عترتك فنصرنا وواسينا بنفوسنا وأموالنا، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فشربوا شربة لا يظمأون بعدها أبداً، فيصدرون رواء إلى الجنة)).

فلينظر امرؤ لنفسه وليتق الله ربه فوالله لولا أهل الرايتين السوداوتين ما سلمت الحصون، ولا وجد في الدنيا مظلوم ولا نكحت الذكور، ولا شربت الخمور، فاتقوا الله عباد الله وأطيعوني لرشدكم، وجاهدوا بنفوسكم وأموالكم، فقد عرفتم قيامنا لله عز وجل ودعاءنا إلى الله، وجهادنا أعداء الله، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الجنة تحت ظلال السيوف)).
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((للشهيد سبع درجات: فأول درجة من درجاته: أن يرى منزله من الجنة قبل خروج نفسه ليهون عليه ما به، والثانية: أن تبرز زوجته من حور الجنة فتقول له: ابشر يا ولي الله ما عند الله خير لك مما عند أهلك، والثالثة: إذا خرجت نفسه جاءه خزنة الجنة فولوا غسله وكفنوه وطيبوه من طيب الجنة، والرابعة: أنه لا يهون على مسلم خروج نفسه [ق/95] مثل ما يهون على الشهيد، والخامسة: أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يشخب مسكاً فيعرف الشهداء برائحتهم يوم القيامة، والسادسة: أنه ليس أحد أقرب منزلاً من عرش الرحمن من الشهداء، والسابعة: أن لهم في كل جمعة زورة فيحيّون تحية الكرامة ويتحفون بتحف الجنة، فيقال لهم: هؤلاء زوار الله تعالى)).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، وعلى المعين عليهم أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)) .

واعلموا أرشدكم الله أن الله سبحانه لا يقبل الفرائض بعضها إلا ببعض، فلا يقبل الله صلاة إلا بزكاة، ولا يقبل صلاة وزكاة إلا بصيام، ولا يقبل ذلك من غير حج لمن استطاع إليه سبيلا، ولا يقبل ذلك كله من غير جهاد في سبيل الله بالمال والنفس لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ} ونحو ذلك.
روى آباؤنا عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك جميع ما نذهب إليه نحن، نرويه بالسند الصحيح عن أئمة الهدى وشيعتهم يرويه منهم خلف عن سلف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عن ميكائيل عليهم السلام عن رب العالمين، فمن أطاعنا فقد اهتدى، ومن تولى عنا ضربه الله بالذلة وسيم الخسف، ومنع النصف في الدنيا ولعنه الله وأعد له جهنم وساءت مصيراً في الآخرة، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
قال مولانا السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي نفع لله به آمين.

[إعلان دعوة الإمام]
وأما الفصل الثاني في ذكر دعوته عليه السلام، وما جرى فيها من القصص والوقائع فإنها كثيرة لا يمكن استيفاؤها ولا العشر من معشارها، ولكنا نذكر نكتاً من ذلك ولمعاً تدل على ما وراها، كان ابتداء دعوته عليه السلام في أواخر شهر محرم سنة ست وألف [أغسطس 1597م] من بلاد بني سنحان من جهة الحقار، وكان شيخهم وصاحب أمرهم يومئذٍ الشيخ الكبير المقدام أبو زيد بن سراج، فالتقى الإمام عليه السلام في جبل قمر وبايعه الناس، فأول [ق/ 96] من بايع من الناس رجل من مشائخ قارة يسمى الشيخ عبد الله بن مسعود، وكان تام الخلق وسيم الوجه، وافر اللحية، فتيمن به الإمام عليه السلام، وتبعه الناس الذين حضروا ذلك الجمع، ثم لم يتهيأ تمام الأمر والظهور في ذلك الوقت، ورجح أبو زيد التأني، وفي خلال ذلك وقع صريخ في بلاده فأغار هو وقبائله إلى موضع قريب اللجب، ولم يظهر سبب للصريخ، فمات عليه في تلك الغارة فرسان افتلجا من الجري، وبعد ذلك عزم الإمام عليه السلام والشيخ على تمام الأمر وإظهار الدعوة، وكان ذلك لليلة خلت من شهر صفر وهو الذي أردنا في صفر، فطلع الإمام عليه السلام من ساعته تلك بعد غروب الشمس إلى جهة قارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وشيعة أبو زيد قليلاً، وأعطاه بندقين ضعيفين، وكانت البنادق في تلك المدة قليلة مع القبائل لا تكاد توجد إلا مع أرباب الدولة، ونحو ثلاثة أرطال باروت، وقرب الشيخ أبو زيد للإمام عليه السلام حين تهيأ إلى قارة فرساً يركب عليه، فسأل الإمام عليه السلام عن اسمه، فقيل: اسمه الفتح، فتيمن الإمام عليه السلام بذلك،

38 / 109
ع
En
A+
A-