وأخبرني حي الفقيه الفاضل يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله تعالى، وسمعت أيضاً من غيره عنه عليه السلام أنه أراد المقام في الطائف كما ذكر القاضي علي أو هم أن يلحق بجيلان وديلمان، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قال: الإمام الهادي عليه السلام الشك مني أنه يبايع له أهل اليمن فاستبشر وعاد اليمن، قال القاضي: ولما وصلنا ذهبان من أعمال شام قحطان وكان في موضع منه يسمى الواديين السيد العلامة عبد الله بن علي بن حسين المؤيدي وكان قد دعا إلى نفسه وقد عارض حي الإمام الناصر لدين الله الحسن بن علي عليه السلام ولم ينتظم له أمر ولا إليه التفات، وصار في هذا الموضع متوارياً ولديه أهله، قال: فأضافنا جميعاً ضيافة حسنة، قال: فلم أر الإمام القاسم عليه السلام مد يداً، وأما الحضور فحضر ثم جمعنا الإمام في موضع وتكلم فيه بمواعظ نافعة، ثم قال: هذا السيد عبد الله يصلح للإمامة ونعلم عليه هفوة كانت إلى الإمام الحسن عليه السلام فهلموا يا أصحاب ندخل عليه نسأله التوبة عنها ثم نبايعه ويظهر نفسه للجهاد ونعود فنجاهد ونؤخر الحج فالجهاد أهم وأقدم، قال: فدخلنا عليه ونحن جماعة من علماء مشهورين وقد قال لهم الإمام عليه السلام: يكون الكلام منكم يا أصحاب، فلما أخذوا مجالسهم نظر بعضهم إلى بعض أيهم يبتدي الحديث فلما لم يحصل تكلم مولانا عليه السلام وقال فيما قال: يا سيد عبد الله الأصحاب وصلوا إليك يطلبونك التوبة والاعتذار إلى الله سبحانه مما كان منك إلى الإمام الحسن، ومرادنا بعد ذلك نبايعك على أنك تنتصب لجهاد الظالمين وكذا أو كما قال، وعند
الإمام حي الفقيه الزاهد العدل عز الدين محمد بن علي اليعقوبي رحمه الله وكان من خاصة الإمام الحسن عليه السلام وملازمي مولانا عليه السلام وكان الخازن لبيت المال للإمام الحسن فكان الجواب: تذكر يا فقيه محمد وفودي على الإمام الحسن أو أظنه أسقط اسم الإمام (إلى الإمام) إلى المدان وما قابلني به وإني طلبت فنجال عسل ومضى وهو ظالم لي ونال منه شيئاً قال: فقام الإمام عليه السلام وقام الفقيه محمد وجماعة ولم يرد عليه الفقيه محمد بغير الإشارة بيده أن لا شيء مما قلت.
وأما القاضي العالم الزاهد شمس الدين أحمد بن عبد الله الغشم رحمه الله تعالى فأخبرني أن فقهاء ذمار وافقوه وهو معهم وبايعوه.
وأخبرني سيدنا القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه بمثل [ق/86] ذلك أنه عرض نفسه لنصرة من قام غيره وأن بيعته ودعوته إلى الرضى من آل محمد عليهم السلام.
قال السيد أحمد رحمه الله تعالى: وكان ممن أشار عليه بالقيام السيد الفاضل العالم العابد الزاهد علي بن إبرهيم صاحب الشاهل المعروف بالعالم الذي تقدم ذكره فإنه حرص في دعوته وبالغ في نصرته وجاهد معه، وجمع قبائل حجور وباشر وشمر وغيرهم، وتحرك بهم حين ظهرت دعوة الإمام عليه السلام في قارة، وكان الإمام عليه السلام قد أسر إليه حين توجه إلى بلاد بني سنحان بذلك، وممن أشار بالقيام الفقيه الفاضل العابد العالم العامل المجاهد نجم الدين يوسف بن علي الحماطي من بلاد آنس فإنه بالغ في نصرته وشمر في إعزاز دعوته، وجاهد جهاداً عظيماً حتى مضى لسبيله مسموماً رحمه الله تعالى، وسيأتي بعض خبره إن شاء الله تعالى، وممن أشار بدعوته وحرضه على القيام السيد الفاضل العالم الزاهد الكامل حسام الدين صالح بن عبد الله بن علي بن داود الغرباني القاسمي الملقب مغل رحمه الله تعالى، وأنشأ قصيدة في حثه على القيام وذلك حين ظهر على ألسن الناس أن الباشا حسن صاحب صنعاء قد عزل عن ولاية صنعاء وجهات اليمن وأن له دويلاً، واستدلوا على ذلك ببيع آلاته وحوائجه التي جرت عادتهم أنهم متى عزلوا باعوها كالنحاسات وغيرها، ثم انكشف كذب ذلك وامتنع عزله لعروض أمر لهم، والقصيدة التي أنشأها السيد المذكور هي قوله رحمه الله تعالى:
ضاع الوفاء وضاعت بعده الهمم .... والدين ضاع وضاع المجد والكرم
والجور في الناس لا تخفى معالمه .... والعدل من حوله الأستار والظلم
وكل من تابع الشيطان مجترم .... وكل من عبد الرحمن مهتضم
وليس تلقى بهذا الدهر مؤتمناً ....في نصحه لك إلا وهو متهم
آذانهم لسماع الفحش واعية .... وعن سماع الذي ينجي بها صمم
يشاهدون ضلالات بأعينهم .... وإن تجلى لهم وجه الصواب عموا
الغدر والمكر والإضغان طبعهم .... والزور والغي والبهتان نطقهم
والزمر والطار والرنات دينهم .... كذلك الرقص والتصفيق والنغم
أحكامهم في أمور الدين منبعها .... آراؤهم وكتاب الله بينهم
كأن آل رسول الله عندهم .... لم يفرض الله في القرآن ودهم
[ق/87]
لم يعرفون لهم حقاً بلى عرفوا .... لكنهم تركوا الحق الذي علموا
إذا دعاهم إمام الحق ما سمعوا .... وإن أجابوا فلا سعي ولا قدم
إن صالحوا نقضوا أو عاهدوا نكثوا .... أو ناصحوا خدعوا أو عوملوا ظلموا
وجملة الأمر أن القوم ليس لهم .... على الحقيقة لا عهد ولا ذمم
لو اهتدوا بايعوا سفن النجاة أولي .... الأمر الذين هم للناس معتصم
لكنهم قلدوا الأهوى فما سلموا .... واستدرجتهم على هذا نفوسهم
لذاك ذلت جميع العرب وانخدعت .... واستحكمت فيهم الأوغاد والعجم
وصيرتهم سواماً لا رعاة لهم .... والراع إن غاب يوماً ضاعت الغنم
وقد روي أن تسليط الأعاجم لا .... لا يأتي على العرب إلا من فسادهم
أشكو على الله من هذا وأسأله .... التوفيق للرشد فهو الحاكم الحكم
يا أيها الناس خافوا الله واتبعوا .... مرضاته وأنيبوا لا أباً لكم
لعل أفراجه تأتي إذا صلحت .... نياتكم وأزحتم ما يشينكم
ولذتم بالذي نرجوا بأن له .... عناية لسناها تهتدي الأمم
الأروع الماجد الميمون جانبه .... الكيس الفطن العلامة العلم
مؤيد الرأي من أبناء حيدرة .... ماضي العزيمة ما في بأسه سأم
سهل الشمائل محمود الفضائل .... مأمون الغوائل من يشفى به الألم
إنا لنأمل أن يجيء الزمان به .... ويشرق الحق والإسلام يبتسم
وتمتلى الأرض عدلاً بعد أن ملئت .... جوراً وأحوال هذا الناس تنتظم
فقد رأيناه أهلا للزعامة والـ .... ـبرهان فيها جلي ليس ينكتم
وما بقي شخصه فالجرح مندملٌ .... والكسر منجبر والصدع ملتئم
وكل آل رسول الله قد علموا .... لأنه الغيث إن ما أصحت الديم
وأنه نور هدي يستضاء به .... وأنه فيهم الصمصامة الحذم
يا سيدي يا أمير المؤمنين ويا .... من شأن همته تدنو لها الهمم
كيف البقاء وأهل البغي في دعة .... ونار جورهم في الأرض تضطرم
أليس ذكركم أوهى قواعدهم .... فبعد عزمكم لاشك ينهدم
فاصدع بأمرك إن الهم منفرج .... على يدك وحبل الجور منصرم
[ق/88]
وآية الفتح قد لاحت علامتها .... والناصر الله لا الأجناد والخدم
وثق بربك في كل الأمور فما .... أملت منه تعالى فهو ينبرم
ولا يصدنك عن عزم تكاثرهم .... فإنه يتلاشى ثم ينعدم
وصاحب الحق غلاب وإن كثرت .... أعداؤه فهو عند الصدق ينهزم
قد كان في يوم بدر ما علمت به .... وأيد الله دين الحق ملتزم
وخيب الله أهل الكفر وانهزمت .... طوائف الشرك واشتدت جموعهم
هذا وأنفع ما لازمت صحبته .... بعد التقى النصر ثم الحزم تلتزم
والعزم إن كان إمكان ومقدرة .... والصفح إن لاح ممن قد أسا الندم
وغير هؤلاء فيما سمعنا عنهم لم يستتروا عليها إشفاقاً. انتهى.
[من رسائل الإمام للمسلمين]
ونقلت من رسائله عليه السلام ما يسره الله وإلا فهي غير مختصرة لطول الوقت منها من كتاب الدعوة قوله:
الحمد لله الذي جعل الجهاد سنام الدين، والأمر بالمعروف شداً لظهور المؤمنين، والنهي عن المنكر إرغاماً لأنوف الفاسقين، وطاعة أئمة الهدى من مهمات فرائض الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان المخلصين، وإيقان المتقين، وإخلاص الخاشعين، وإذعان السعداء الفائزين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة ترقيهم إلى أعلى عليين، ورضي الله عن الصحابة أهل التقى والعهد والوفاء أجمعين، وتابعيهم في طاعة رب العالمين، وتابع التابعين إلى يوم الدين، وبعد:
فكتابنا هذا إلى جميع البرية، وسكان هذه المدحية، أقاصيها ودانيها، حزونها وسهولها، وأوعارها ونجودها، بأن يستيقظوا من رقدتهم، وينتبهوا من غفلتهم، ويلتفتون إلى أديانهم وينقادون إلى إيمانهم، ويرغبون إلى الله ويخافون من الله، فيجاهدوا في سبيل الله ويمتثلوا لأمر الله في طاعته وطاعة رسوله، وطاعة الأئمة السابقين من عترته سفن النجا، ومصابيح الدجى، ومعالم الاهتدى، وأن يستضيئوا بنورهم ويهتدوا بهديهم، ويسلكوا سبلهم، ويتبعوا آثارهم، ويوالوا وليهم، ويعادوا عدوهم[ق/89]، ويجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بين أيديهم {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ} يا أيها الناس إن رسوم الدين قد عفت، وأعلام الهدى قد طمست، وأحكام الشريعة قد عطلت، والفرائض قد رفضت، والمحارم قد انتهكت، والخمور قد شربت، والذكور قد نكحت، والمكافيف والزمنىقد انتهبت، والضعفاء والأيتام قد ظلمت، والأرامل قد اجتحفت، والدماء قد سفكت، والشرور قد كثرت، والفتنة قد عظمت، حتى لبس الإسلام في هذا الزمان لبس الفرو مقلوباً، وصار كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً)) فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، وقرب فيه الماحل، وبعد فيه الفاضل، واستكمل فيه الفاجر، واستنقص فيه الطاهر، وكذب الصادق وصدق الكاذب، واستوى من الخائن واستخين الأمين الناصح، وهاجت الدهماء وكثر الضلال والعمى، فلم يبق من الإسلام إلا
اسمه، ومن الدين إلا رسمه، وأنتم عباد الله غير معذورين من الله بتغيير ذلك، ولا متروكين عن مؤاخذة الله عن ذلك، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أوليستعملن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه إني معذب من قومك مائة ألف أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي)).
البدار البدار رحمكم الله إلى ما افترض الله عليكم من جهاد عدوكم، وإلى الحكم بكتاب الله، وإلى إحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى إنصاف المظلوم والتفريج عنه، وإلى أخذ الحقوق ووضعها في مواضعها التي أمر الله أن توضع فيها، وإلى العدل في الرعية، وإلى القسمة بالسوية، وإلى العمل بالسنة، وإلى إماتة البدعة،وإلى إصلاح العباد وتطهير البلاد من أهل الجور والفساد، ألا وإن الذي دعوتكم إليه أسنم الفرائض وأشرفها فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ألا وإن الجهاد في سبيل الله سنام الدين، وسبيل الأنبياء والصالحين، وعمود تقوى رب العالمين، به يرحمكم الله وينظر إليكم فيدر[ق/90] لكم الأمطار، ويرخص لكم الأسعار، ويتابع لكم الخيرات، ويدافع عنكم النقمات، ويعز المسلمون، ويذل الظالمون، مصداق ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا...)) .
امتثلوا لله في {أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} فإن أولي الأمر الذي افترض الله طاعتهم أئمة الهدى من ذرية النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذين عقلوا عن الله كتابه فتدبروه وعملوا به وحكموا، وتفهموا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعملوا بمقتضى قوله تعالى: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} شهد بذلك البراهين الباهرة التي يطول شرحها، منها قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} وأئمة الهدى من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام ولي من أهل بيتي يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين)) فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتوكلوا على الله وبيني وبينكم كتاب الله آية آية، وما تواتر من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما اتفق عليه مشاهير العلماء من الفرق الإسلامية على صحته، وما وافق كتاب الله خبراً خبراً فإن لم أحكم فيكم بذلك فلا طاعة لي عليكم، إنه لا طاعة لمن لم يحكم بما أنزل الله من أهل الهوى والمبتدعة، وأرباب الجور