دقيقة تلوح ومسكية تفوح: فيها مهد الله سبحانه وتعالى لعبده ووليه، وصفوته من ولد نبيه، مولانا أمير المؤمنين المنصور بالله صلوات الله عليه وسلامه، وهي إذا فكرت فيما ألقى الله سبحانه وتعالى له في قلوب أهل قطر اليمن بارهم وفاجرهم، ومسلمهم وكافرهم من الهيبة والعظمة، والجلالة والفخامة، حتى أفزع ملوكهم ذكره، وأسهرهم اسمه قبل أن يعرفوا منه سطوة، ولا ظهر له في قتالهم روحة ولا غدوة، ولا هو من أهل المال فيكثر بماله أعوانه، ولا قوة عشيرة فيعظم سواده إخوانه، ولا له منعة من مال أو رجال، ولا قلل من الجبال، فيقول القائل أنهم يخافون منه الفتك والاختلاس، وأن يثب فيهم وثوب الليث للإفتراس، ويعود إلى معقل منيع، وجيل مطيع، فمما يكون هذا الذكر الوسيع، والأمر المريع، ومن المعلوم أن في وقته عليه السلام من العلماء من هو كمثله، وذكرهم عند العامة أشهر من ذكره، لاستقرارهم بأوطانهم ومعرفة إلدهماء بمكانهم، ويقصد الطالب للعلم فيخرجون عليه النفقات ويفيدونه العلوم النافعات، ثم يقصدهم الزائر والمستفتي فيعود بحل المشكلات، مع القرى والإيناس وإسبال الخيرات، وهو عليه السلام لا يكاد يوجد لأنه في أوان كدحه للطلب لايشتغل بغيره فلم يعرفه أحد إلا مشائخه أو من يلازم مجلسه، وهو مع ذلك ينتقل من موضع إلى آخر، وربما يختم الكتاب كما سمعت عن بعض من كان له من الأصحاب، ومن لا يعرف الشيخ ولا أصحابه ما اسمه، فما هذا المقلق لقلوب الأشرار حتى هابوه هيبة الأسد الزءار، وقطعوا في ذكره كثيراً من أوقات الليل والنهار، وتوعد به المؤمنون الفجار، وقطعوا بالفرح من عنده

فهم في الانتظار للانتصار، فما هذه إرهاصات ساقها له الحكيم العدل، كما جعلها سبحانه لأنبيائه من قبل، وجعل ذلك عنوان اختياره [ق/80] للخلافة وتمييزه لما جعل فيه من الكمال على الكافة، وساق له الألطاف، وخصه بجزيل الإتحاف، منها جودة الذكاء والفهم، وما منحه من سعة العلم فكان سهمه فيه أوفر سهم، مما أخبرني الثقة عنه عليه السلام أنه سمعه وقد ذكر نعمة الله عليه بجودة الفهم أنه صلى المغرب في بعض ليالي أيامه ولا يعرف علمي العروض والوزن إلا بالذكر، وصلى العشاء وهو شيخ فيهما، وكذا أنه وجد في ذلك الوقت اليسير شيخاً استملى منه جوامعها، ولم يحتج فيهما إلى غير ذلك المجلس، ومنها العمل بالعلم حتى كأنه في الناس أمة وحده لما شوهد من حرصه على العمل بما أراد الله به عبده، ومن ذلك الأمر بالمعروف الأكبر والنهي عن [الفحشاء] المنكر، فإنه عمل فيهما بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} فلم يرخص فيهما بشيء من المعاذير، ومن ذلك البدع في الدين فإنه عليه السلام ردها، وتكلم فيها وظهرت مصنفاته في الرد عليها، ومع ذلك خاض معه العلماء في غرائب العلم فجلى عليهم واعترض الخصوم من علماء السوء فدمغ بحقه باطلهم، وكذا من لجأ إليهم من الموسومين بالصوفية وغيرهم من أهل المذاهب الردية، فأبان بصدقه ظاهر إفكهم، وطحطح بضياء الحق ديجور شركهم، فرمقته لذلك العيون، وتباشر به المؤمنون، وقرأوا: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ

يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
نعم فلما ظهر فضل علمه على العلماء، وعمله على العملة الصلحاء، وإعراضه عن الدنيا وإقباله على الآخرة، والعزيمة التي النجوم دون مضاها، والهمة العلوية التي أورثها من وصي النبوة ومرتضاها، وتوعد الأشرار بإماطة شرهم وذهاب ريحهم، وقال كما قال جده صلوات الله عليه وآله لقريش: لقد جاءهم بذبحهم فلما كثر ذكره هول به الأخيار لاسترواح الفرج، ورجفت لهيبته أفئدة الأشرار لما خالطهم من الهرج والحرج، ولما سمعوا من ذكره من اللهج مع جهدهم أن تدركه عيونهم بالبصر، أو ينالون منه حقيقة أثر، فهم منه في تعب وأبن، ويتوقعون منه أياماً كيوم حنين، فكانوا يتعوقون وثوبه في كل حين، كما أن ملك الموت لا يعرف هجومه، ولا يعلم نجومه، فلما أظهر الله صيته وانتشرت دعوته، تحقق الأولياء صدق الوعد، وعرف الأعداء كلال الحد، وقرأ القارئ: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ} ومنحه الله النصر ويسر الله له الأمر، وألقى عليه محبة في القلوب مع اقترانها، وأيده برجال من سراة العترة الكرام وبطارقها، والهامات من شيعتها في طرائقها، وأهل الهمم العلية والعزائم[ق/81] القوية، من جمهور علائقها، ولقد أحبه وناصره على هذا المقصد اليهود مع العداوة التي هي فيهم والجحود كما ترى إن شاء الله تعالى في قصة يهودي مدر من بلاد الخشب، وكما ظهر لبعض يهود وادعة، وغيرهم مما أخبرني القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه أن الإمام عليه السلام خرج في بلاد وادعة موضعاً يريده لحاجة، وقد

احتاط مع شدة الخوف لمن يحترس أن لا يصل موضعه أحد، فلما دخل ذلك الموضع وإذا بيهودي يهتم إليه قاصداً، ويتخفى عن الأعين ما أمكنه فسأله الإمام عليه السلام استنكاراً ما يريده، فقال: يا مولانا هذه الدراهم استعن بها على جهاد أعدائك فإني أحب أن لا يطلع عليها أحد من المسلمين ولا من الذميين وهي كثيرة في ذلك الوقت، فسأله الإمام ما الحامل له؟ فقال: هذا الجهاد الذي أنت فيه يرضاه أهل الأرض كما يرضاه أهل السماء أو كما قال، وسيأتي ما روي للجن من الإعانة في مواضع من هذا المختصر، أفترى هذا الأثر من فعل البشر؟ لا والله إنما هو ممن خلق وصور وحكم وقدر، فأحصى خلقه ودبر، فهل يحتاج اللبيب إلى غير هذا دليلاً على صحة ما قرره أئمتنا عليهم السلام تأصيلاً أن الإمامة تثبت لصاحبها بتثبيت الله يجعل للمكلف إليها سبيلاً {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} انتهى المقصود من طويل الكلام في صفة الإمام عليه السلام.

رجعنا إلى تمام رواية الشيخ أحمد، قال: فانقطعت ولم أجد الطعام حتى ظننت أنه الموت، وكان لي في الجبل كهف آوي إليه وعندي من الكتب شيء، فلما اشتد بي الحال وضعفت طويت ثوبي علي، على أنه كفن واستقبلت القبلة وقلت: يا رب لا أقدر على شيء أحفظ به بدني أو كما قال-ودعوت بما أمكن، قال: فما شعرت إلا وحيوان يحركني بفمه ففتحت وجهي وإذا بظبي عظيم واقف فقمت إليه وعلمت أن الله سبحانه ساقه رزقاً لي وغياثاً، وأوثقته بما أمكن من القوة على أنه صيد، فإذا هو ساكن لم يتحرك غير أن فتحت رجليه وإذا هو أنثى وفيها لبن، قال: فرضعت من لبنها وهي ساكنة حتى شبعت، قال: ثم ولت عني وبت بأطيب ليلة، وحمدت الله سبحانه حين كفاني عطاء غيره-أو كما قال- فلما أصبح الصباح صعدت أعلى الكهف موضعاً بين حجارة أستتر بها وأدفأ في الشمس فبينا أنا كذلك وفي يدي المصحف أدرس وعندي السيف إذ باثنين من بدو حجور معهما بندق -أو قال بندقان- يطلبان [ق/82] الصيد، قال: فخفتهما وبقيت مكاني أنظر حتى أن أحدهما قصد جهتي بالبندق حتى قرب مني وركب الفتيلة ووجه البندق إلى ولا أجد ما أدافع به عن نفسي، فقلت: لا أجد غير الاضطجاع حتى يرمي لعلها تطفني فأقاتله، فلما ضربت البندق وأحسست موضع الرصاصة قريباً مني إخترطت السيف وقمت مواثباً، فصاح بأخيه وكان في جانب من الجبل يطلب صيداً، فما كان أقرب من القبض عليه بفضل الله هو وسلاحه، وأما الثاني فهرب يصيح، وقلت للذي في يدي: يا ظالم ما فعلت بك حتى تقتلني فصاح واستغاث وجحد ذلك كثيراً، فقلت: فمن رميت؟ قال: ما كنت أراك وإنما كان أعلاك ظبي كبير

فرميته فقلت: أرني موضعه فصار بي إلى ذلك الموضع وإذا هو صادق وأثر الظبي ظاهر، وكانت الرصاصة بين يديه ورجليه وسلمه الله تعالى، فعرفت أنه صاحبي البارحة، فقلت: اذهب فقد عذرتك فيما فعلت، فالتزمني وهو يصيح بأنك -الله أعلم- سيدي قاسم؟ فقلت: نعم، فعاد بالسلاح الكثير، فقلت: من الذي فر عنك؟ قال: أخي قلت: أدركه ورده لئلا يجمع علينا البدوان ولا حاجة لنا بالاجتماع بهم، قال: فلحقه حتى أدركه بالصوت، فلما رجعا وعظمهما كثيراً، فتابا وأنابا، ثم قال لهما: تجدان أحداً على مثل رأيكما يعيننا يوماً واحداً بنهب سوق طهننة، ونغير المنكرات التي فيه، وكانت أنواعاً من نحو ما يأتي في موضعه من هذا المختصر إن شاء الله تعالى؟ فقالا: لا نعلم أحداً، ولكنا نفعل فتواعدنا إلى جبل أعلى من السوق كثير شجر وأنهم يصلون ببنادقهم ومن أجابهم، وكان معي بندق بغير مجرى مخبوءة في جبل سماه، وعندها ثلث رطل -أو قال- ثلثا رطل باروتاً فقط مما صنعته بيدي، فمضيت للبندق وسرت في الليل حتى دخلت الجبل وبقيت في انتظار صاحبي حتى حمى السوق، واجتمع من جند الظلمة جماعة على ما هم عليه من المنكرات، والهسف والعسف لضعفاء المسلمين، وإذا بصاحبي يتخللان الشجرة وحدهما معهما بندقان فحسب، فسلما وقالا: ما ذا نفعل، فرأيت أن لا نرجع حتى نفزع هؤلاء الظلمة بأي فزع، وقلت: ما عسى أن نفعل وفزعت إلى الله سبحانه وتعالى، ثم قلت لهما: اشحنا بنادقكما ففعلا من الباروت حقي وشحنت بندقي أيضاً ورزمت عليها بحجارة ووجهتها نحو السوق، وأكثرت من شحنتها على ما نفعل في الطلاعات للتعشيرة، ووجها

بندقيهما كذلك، ثم قلت: على رسلكما وتيممت [ق/83] وصليت ركعتين، وبكيت، وقلت: هذا جهدي ودعوت الله سبحانه بما أمكن، ثم أمرتهما بالتنصير للإمام حتى يسمع أهل السوق ولا يسمياه ففعلا، ثم رمينا بتلك البنادق فصاح القبائل الذين في السوق معنا وأجابونا، فانتهب السوق وبعض سلاح العسكر، وهربوا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد، وخرج إلينا أكثر أهل السوق، وبعض سلاح العسكر في أيديهم حتى اجتمع طائفة، وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدنا بعد أن فرقنا ذلك الجمع. إلى هنا الرواية عنه.
قال السيد أحمد نفع الله به ما معناه من كلام طويل: وكان الشيخ أبو زيد مخالفاً للأتراك، وكان له هيبة لواقعة أوقع فيهم فراسل إليه أنه يأوي الإمام عليه السلام وجماعة من الفضلاء، فأجابهم، وكان ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
قال السيد نفع الله به:
ثم ابتدأ الدعوة الغراء من قمر .... إمامنا القاسم المنصور في صفر

وسمعت من غير واحد من علمائنا أنه كان حريصاً على الجهاد، وطلب القائم غيرهم من أهل البيت عليهم السلام، وكان يشير هو وغيره إلى بعضهم فلم تحصل إجابة، فمما أخبرني القاضي الأعلم جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال رحمة الله عليه وقد حكى مسيره للحج في سنة[.......] قبل الدعوة الميمونة أنه اتفق بعيون علماء ذمار كالسيد العلامة إبراهيم بن حثيث، والقاضي الفاضل العلامة محمد بن علي الشكايذي، والقاضي الفاضل عماد الدين يحيى بن محمد السحولي وغيرهم من فقهاء ذمار، ومن فقهاء الظاهر سيدنا العلامة محمد بن يحيى بن سلامة، ومن فقهاء صنعاء عدة سماهم كذلك، قال: فاجتمعنا في صعدة، وكان عليها وعلى بعض اليمن الباشا علي في قوة وعظمة نعوذ بالله من شره وفعله، وأنا في أول الشباب لا علم لي ما الباعث لجمع العلماء للحج في ذلك العام كأنه على ميعاد، قال: وما ذلك إلا لما يرون ويسمعون من المنكرات التي لا يسمع بمثلها كما قاله القاضي محمد بن علي الشكايذي رحمه الله في قصيدته الآتية إن شاء الله تعالى:
تا لله ما ملة جاءت بذا أبداً .... ولا رووه لفرعون وهامانا
ولا أتى من عتى كفراً وزندقة .... بمثله لا ولا من يعبد أوثانا

قال: فلما أردنا الخروج من صعدة وإذا بالأبواب قد حفظت وأن لا يخرج أحد إلا من باب المنصورة، وأظهروا أن مماليك الباشة يريدون الحج بغير رأي [ق/84]، فما خرج من الباب أحد إلا عرضوه واسمه وبلده، ولما صرنا في العشة وكنت في رفقة القاضي صارم الدين إبراهيم بن حثيث، فبينا الناس بعد العشاء الآخرة على غفلة وإذا بالخيل والرجل يهجمون على كل، ويفتشون أعظم من الذي فعلوا في صعدة فهربنا مع القاضي إلى جبل أعلى من البلد حتى هجع الناس، ورجعنا إلى بعض المساجد، قال: ولا سمعت من القاضي غير الخوف الشديد ولا معي إلا أنهم يطلبون عبيدهم، فلما انفصلنا إلى موضع سماه بحيث نأمن الظلمة وقد تأخرت عن القاضي، ثم لحقت وإذا بجماعة الإخوان يميلون من القافلة فيدخلون شعباً في جانب الطريق، ويخرجون من جانب آخر ولا ينتظر بعضهم بعضاً، فملت إلى الشعب مثلهم وإذا بالإمام عليه السلام ولا أعرفه قبلها وهو على حجر، فعرفني وقال: أنت الفقيه على بن أبي الرجال؟ فقلت: نعم فسلمت عليه ولحقت بأصحابي فكنا معه نصلي خلفه حتى دخلنا الطائف، وسمعت من القاضي رحمه الله أنه دخل صعدة من باب سويدان وزار الهادي عليه السلام ورجع من ساعته من الباب المذكور فأمسى عند بعض السادة أظنه في رغافة، ولم يعرفوه لأنه مغير هيئته حتى صار أشبه شيء بالهنود كما تقدم، وسمعت من سيدنا القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه في مجلس القراءة بالحضرة الشريفة الإمامية حضرة الإمام المؤيد بالله سلام الله عليه أنه بعد دخوله حدود العصيمات وطريق صعدة غير محترز من العجم، وكان معه جماعة،

فلما وصلوا الفقمين أخذ أصحابه عليه السلام يصلحون لهم الطعام وهو عليه السلام عندهم يحفظ أمتعتهم فمر بهم جماعة من أصحاب علي باشا لا رحمه الله، وفيهم من توسم الإمام أو عرفه، فقال له على سبيل التحذير وقد رآه يهب من الطعام لابن السبيل: يا هذا الرجل الذي تفرق طعامك لمن مر عليك لا يراك الترك فيظنوك السيد قاسم قال: فخاف الإمام عليه السلام، وعرف أن ذلك من المذكور إنذاراً له ففرقهم كما تقدم.
وأخبرني القاضي علي رحمه الله أيضاً أنه أمسى معه في مشهد حبر الأمة عبد الله بن العباس رضي الله عنه في الطائف، قال: فنام على خشب أعلى مني من المكان وظننته نائماً وإذا به يدعوني فأجبته، فقال: يا فقيه علي، قد رأيت أني أقيم في هذا الموضع وأعاهد البيت الشريف من هذا الموضع، قال: فقلت: على ما [ق/ 85] ترى.

36 / 109
ع
En
A+
A-