أما كان لي من غير عطفك حافظ .... ولي من ندا كفك ظل ووابل
وكنت أنا المدني وغيري مبعد .... إذا اجتمعت يوماً لديك المحافل
ففارقتني والقلب مني ذائب .... عليك ودمعي من عيوني سائل
عليك سلام الله ما انهل واكف .... من المزن أو غنت بأيك بلابل
وصبراً بني المنصور صبراً فإنما .... بكم يقتدي في النائبات الأماثل
لئن رفعت شمس إلى الله منكم .... لقد أشرقت منكم شموس كوامل
وقام بأمر الله منكم مؤيد .... طليع بحق الله في الخلق عادل
إمام يهاب الناس سطوة بأسه .... ويرجوه أيتام الورى والأرامل
[ق/500]
أعز الورى قدراً وأرفعهم علاً .... وأسمحهم إن ظن بالمال باخل
فلا البحر يحكيه إذا جاء سائل .... ولا الطود يحكيه إذا خف جاهل
وعن علمه فاسأل إذا كنت جاهلاً .... تخبرك عنه كتبه والرسائل
ومن رأيه والله يكلأ ذاته .... سيوف على أعدائه وذوابل
إذا امتنعت يوماً علينا مطالب .... بعثنا إليه عزمة فتساهل
أهب إلى نصر الهدى فأجابه .... أكأبر أبناء الرسول الأفاضل
وأشياعهم أرباب كل فضيلة .... ولبته لما أن دعاها القبائل
فذا وارد منهم إليه مبايع .... وذا صادر يثني الدعاء ويواصل
فيا رب بلغه الذي هو آمل .... وحطة فلا تسطو عليه الغوائل
وألبسه تاج المكرمات فإنه .... حقيق بما قد قال من قبل قائل
وإني وإن كنت الأخير زمانه .... لآت بما لم تسطعه الأوائل
حماية دين الله جل جلاله .... أدافع عنه جاهداً وأنازل
وإنصاف مظلوم وتشريد ظالم .... بكفرانه الآن بي يقاتل
ونشر علوم الآل صلى عليهم .... ألا همهم ما حن عود مطافل
وإني لعبد خاضع لجلاله .... على عنقي قيد المذلة جاعل
ودم يا أبا يحيى مدى الدهر سالماً .... لعزتك القعساء يعنو المطاول
ودام لنا من إخوة لك سادة .... غطارفة غر حماة مقاول
إذا ما انتدوا يوم المفاخر أخرسوا .... بذكر المعالي عنهم من يفاضل
وإن ركبوا يوماً فمن ذا يصاول .... وإن بذلوا يوماً فمن ذا يساجل
هم السابقون الخلق في كل غاية .... ولا غرو إن جلوا وأعيت فساكل
ودمت لهم كنزاً وداموا لنا غناً .... يذاد بهم بؤس ويخصب ماحل
يتلوها مرثية السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد بن صلاح بن يحيى القطابري أطال الله بقاه وأعاد من بركاته:
خطب ألم بأهل الأرض عن كمل .... ففرج الله ذاك العسر في عجل
فالعين تبكي من غم ومن حزن .... وألسن تضحك من روح ومن حذل
فاعجب لرزء عظيم الشأن خالطه .... غوث أغاث بني الدنيا بلى مهل
[ق/501] وذلك الخطب إن تثبت كراهته .... بالجبر هذا فهذا غاية الأمل
ولوعة الكرب ممزوج بغصاصها .... بسلوة القلب عن ورع وعن وحل
وفي الجوانح نار الحزن يشعلها .... وبرد ماء الرضاء يطفيء لظأ الشعل
وكل قلب له في حال علته .... ذكر يسر به يشفي من العلل
وفي الوجوه انتقاع من كآبتها .... والبشر يلبسها عن كدرة الخجل
أمران ما لهما ند لعظمها .... ضدان قد مزج المر بالعسل
إمام حق ثوى اختيار الإله له .... فقام من بعده من ليس بالوكل
ذاك الإمام دعاه الله تكرمة .... وذا إمام دعا أربى على زحل
ذاك الإمام الذي عمت رزيته .... وذا الذي ذاد عن زيغ وعن زلل
ذاك الذي هد ركن الدين مصرعه .... وذا الذي شاده بالبيض والأسل
لأن فقدنا إماماً كان قدوتنا .... فقد وجدنا إمام العلم والعمل
لأن دهينا بخطب جل موقعه .... فقد شفينا بجبر الحادث الجلل
لأن مضى القاسم المولى الإمام لقد .... أبقى لنا خلفاً للمؤمنين ولي
يا دهر أن رعتنا فيمن قبضت فقد .... جادت يداك لنا عن ذاك بالبدل
مثلاً بمثل يداً يادهر نابيد .... فهل لذلك يا للناس من مثل
لكن أنا شدك الرحمن كيف سطت .... أيديك إذ فتكت في ذلك الرجل
وكيف نلت الذي قد نلت منه فلم .... تجرع لمصرعه المشجي ولم تهل
أما علمت بأن الله فضله .... على البرية من حاف ومنتعل
أما علمت بأن الله أكرمه .... واختصه بالهدى من خاتم الرسل
أما علمت بما قد حاز من شرف .... وراثة من أمير المؤمنين علي
أما علمت بأن الدين قام به .... وكان أشفى على التعطيل والخطل
أما علمت بما أحياه من سنن .... برغم كل شقي فاسق دغل
وما أمات بعون الله من بدعٍ .... بلا توانٍ ولا عجز ولا ملل
أما علمت بأن الأرض طهرها .... من كل رجس بسهل القاع والجبل
[ق/502]
هلا قبلت الفدى منا بأنفسنا .... وما لدينا من الأموال والنفل
هلا قبلت الفدا بالكل من ولدٍ .... ومن حميم ومن صحب ومن خول
هلا قبلت الفدا من بالناس أكثرهم .... فرب فرد يفي بالخلق عن كمل
لكن حكم إله العرش ليس له .... رد بمكر ولا شيء من الحيل
وأمره نافذ فبنا بأجمعنا .... وملحق أخريات الناس بالأول
ولا مجال لحي الخلود ولو .... علاية المجد أعلى شامخ القلل
لو كان بالمجد تخليداً لدى شرف .... لم يبرح الدهر مولانا ولم يزل
فأحملي جزعاً يا نفس واصطبري .... فالمرء ما عاش إلا بعد وامد الأجل
لأن ثوى القاسم المنصور أن له .... نجلاً كريماً بفضل المكرمات جلي
مضى وأبقاه فيننا كي يكون لنا .... عزاً إذا رامه الأعداء لم ينل
فقام فينا بأمر الله منتصباً .... من عز لا خور فيه ولا ميل
فضم شمل ذوي الإسلام مجهتداً .... لله من ناعش للدين ممتثل
وحل عقدة روع كاد يهلكنا .... لولا تدارك لطف الواحد الأزل
أعني المؤيد مولانا الذي شهدت .... له الخلائق في الأمصار والحلل
من زاده الله تعظيماً وألبسه .... من الخلافة حتى أشرف الحلل
لازال يزداد تأبيداً وبسط يدٍ .... على نعيم جزيل دائم هطل
نعم وحاشاه ممن يعزيه إذا .... وأن يحل به شيء من الحلل
كذاك أخوته السادات أن لهم .... أعلى المراتب في مجد وفي نبل
سادات آل رسول الله قادتهم .... فالنص فيهم بأنواع الكمال جلي
شم الأنوف مطاعيم مطاعنه .... حاموا الخلائق بالخطية الذيل
أبوهم القاسم الزكي وصنوهم .... داعي الأنام لا هدي واضح السبل
فهل لذي الفخر من مثل ومن شبه .... حاشاه عن مثل ما كيَّف العذل
فالله يحفظه يكلأ ويحفظهم .... له كفاة مضاة القول والعمل
وقد أسر الذي في السجن طال به .... ما ذاق بالمنع من غم ومن ثقل
نرجوا من الله من افراجه سرعاً .... كسرعة اللمح بالأبصار والمقل
نعم ولا زال عون الله ينصرهم .... على المعادين أهل المكر والغيل
ثم الصلاة على المختار من مضر .... ما سبح الله في الأسحار والأصل
وآله الطيبين الطاهرين معاً .... ما غرد الأيك في صبح وفي طفل
ومن ذلك أيضاً قول القاضي الأجل الأكمل الأعلم الفصيح المقول[ق/503] سعد الدين بن الحسين المسوري رحمه الله تعالى:
الحمد لله على ما أراد .... ليس لحكم الله في الخلق راد
وإن رزينا فلنا أسوة .... بشافع العالم يوم التناد
ما هذه الظلمة ماذا السواد .... ما هذه الحيرة ماذا السهاد
ما للعيون استعبرت بالبكا .... هل حشيت أجفانها بالقتاد
ما بالها تبكي عقيقاً وما .... تكتحل أجفانها بالرقاد
ما لوجوه الغر من هاشم .... كأنما سف عليها الرماد
ما للكرام الشم من يعرب .... قد ألبست كرهاً ثياب الحداد
ما لليتامىمثل فقع الفلاة .... ذلاً وكانوا قد أنيلوا المراد
ما للمساكين غدت حيرة .... تهيم مثل الهيم في كل واد
ما لعلوم الآل أضحت كذا .... مهجورة بعد الهدى والرشاد
ما للمحاريب وأربابها .... كأنما قد رميت بالكساد
ما لبني المختار لم يصبروا .... والصبر من مثلهم يستفاد
ما لذوي الحبر وقد أصبحت .... تذري دموعاً من سواد المداد
ما للعذارى أصبحت ثكلاً .... ولم تمخض ليلة عن ولاد
ما لجميع الخلق لم يكففوا .... دموعهم بل أصبحت في ازدياد
ما للمواضي ثلمت حدها .... كانت بعهدي ماضيات حداد
ما لجياد الخيل قد فسكلت .... وقبل كانت سابقات جياد
أهذه الساعة قد فاجأت .... أم هذه أشراط يوم المعاد
أم صدق الناعي بما قاله .... فهذه عظمى رزايا العباد
إن كان حقاً ما أتى أنه .... جزعنا أم اللهيم النآد
يا ويحه كيف نعى من نعى .... لقد أتى بالمعظلات الشداد
مات الذي كنا به نتقي .... حر وطيس الحرب يوم الجلاد
مات الذي كان غياث الورى .... إذا استغاثوا بالسنين الجماد
إمامنا المنصور بالله من .... دل على طرق العلا والسداد
فيا عباد الله نوحوا على .... من كان براً بكم يا عباد
[ق/504] يا يومه كيف فجعت الورى .... هل أنت في الأيام يوم التناد
مات أمير المؤمنين الذي .... سعى إليه الناس مثل الجراد
لا غرو إن مات لنا أسوة .... بجده ثم أبيه الجواد
هل هاجه شوق إلى صنوه .... الحسن المحيي لكنز الرشاد
وصحبه مثل عماد الهدى .... يحيي الذي قد كان نعم المعاد
وغيره من فضلاء الورى .... أشياخ علم منهم يستفاد
تتابعوا طراً بعام معاً .... لا كان ذاك العام مما يعاد
والناس في الموت كخيل الطراد .... فالسابق السابق منها الجواد
والموت نقاد على كفه .... جواهر يختار منها الجياد
لكننا لم نستطع بعده .... صبراً وليت الصبر عنا أفاد
حمداً لرب حكمه نافذ .... فما لحكم الله في الخلق راد
والحمد لله على ما قضى .... والحمد لله على ما أراد
يا معشر الإسلام لا تقنطوا .... فإن لله تعالى مراد
يا أيها الناس اتقوا ربكم .... فإن تقوى ربنا خير زاد
وبعد فالمسؤل من ربنا .... دوام مولانا طويل النجاد
العالم العلامة المنتقى .... موطؤ الأكناف جم الرماد
من أجمع الناس على فضله .... وفاق أهل العصر طراً وزاد
محمد من مثله في الورى .... من شيد الدين الحنيفي وشاد
من جاءه يسأل عن علمه .... راح وقد ألقى إليه القياد
أو جاءه يسأله حاجة .... عاد بطين الخرج مما أفاد
أو جاءه يسأله صفحة .... عن ذنبه من عليه وجاد
جاد على العالم فاستبشروا .... بكثرة الخير ومن جاد ساد
ساد جميع الناس لما غدا .... مطهر الفعل مزيل الفساد
فيا أبا يحيى بلغت المنى .... وكلنا يبلغ منك المراد
ويا نصير الدين أنت الذي .... لولاه ركن الدين قد كان ماد
يا حارس الإسلام أنت الذي .... حفظت هذا الدين عن أن يكاد
[ق/505] سيغلبون، ولما أتتهم العاديات بالقارعة، دهمتهم لشدة ذلك الغاشية، وحين علموها الحاقة طفقت كل فرقة منهم جاثية، ولما نازلهم حمام الحقيقة ضاق علي نازلهم المجاز، وأجروا تلك القضايا على القياس، وحكموا فيهم السيف فجاز، فلله تلك الفتية الهاشمية التي ما برحت رافعة لأعلام الهدى، مسقية لأعداء الله مياة الردى، وما برح فيهم اللاحق يقفو السابق والولد ينحو أثر الوالد الصادق، ولله القائل:
شابه معدي أباه في الكرم .... ومن مشابه أباه فما ظلم
والآخر:
ويربي ناشيء الولدان فينا .... على ما كان عوده أبوه
فرعياً لها فرقة ما زالت من مظالم، ورفعت من مآثم، فجزاهم الله أحسن الجزاء، وأخزى أعداء دين الله أخشن الجزاء، فلا برحوا يرفعون ما انخفض من أحوال المسلمين، ويعرفون ما نكر من أعلام الدين، ويمنعون حمى الإسلام بالعدل الظاهر والمعرفة، ويصرفون عنه كل على ويصفونه بكل صفة، بمن الله ذي الإفضال، وبمحمد وآله خير آل، علم ما من الله به على عباده من النعم، وما أفاضه على بلاده على أيدي أهل هذا البيت الأكرم، فحمد الله تعالى جزيل الحمد وشكر، وعرف نعم الله تعالى وادكر، ودعا لمن جاهد في الله حق جهاده، وسعى في إصلاح عباد الله وبلاده، ولمن جمع تلك الفضائل في هذا الكتاب، والغزوات الهائلات الصعاب.
وقائع من بدر آل النبي .... يذكرك النهروان وصفينا
يقول للراوي بها لا تصف .... في تلك من هول وصف فينا
ولما هزه هذا الكتاب طرباً، وملأ أحشاءه عجباً، وتمتع بروحه وريحانه، وارتاح برياضه وجنانه، أخذ القرطاس واليراع، وكتب مع قصور الباع:
يا أيها السفر الذي قد حوى .... ما لم يحزه قبله من كتاب
لله منشيك الذي لم يزل .... يودع في طيك أياً غراب
قد جرت في ذا السفر يا سادتي .... والدهر يأتي أبداً بالعجاب
آمن لآل صيغ أم عسجد .... أم عسل ألفاظه أم رضاب
أم روضة هاتيك أم جنة .... لكل عين ما عليها حجاب
[ق/506]
أم تلك أزهار على دوحة .... أم ذاك تبر أم لجين مذاب
يا نثرها الحالي ويا نظمها .... السعالي ويا جوهر ذاك الخطاب
إن زكاة الحسن قد أجوبت .... عليك لما جرت كم من نصاب
سحرتني أطربتني صرت من .... حسنك حيراناً فما لي جواب
ماذاك نثراً ونظام بلى .... راح بكاسات علاه حباب
فقد حوى أخبار آل النبي .... الأطهار من خصوا بنص الكتاب
كالقاسم المنصور سم العدا .... وفارس الهيجا ليث الضراب
محيي رسوم الدين من بعدما .... أضحت مباينة جميعاً خراب
قام فجلى نوره ظلمه الفحشا .... وأحيا الدين بعد الذهاب
أزال قوماً ما اتقوا ربهم .... ولاخشوا في الحشر سوء الحساب
كم فاحش جاءوا به ظاهراً .... وكم رؤوس أذهبوا عن رقاب
فقام فيهم قاسم قاسماً .... هاماتهم حقاً بماضي الشظاب
مفوض الأمر إلى ربه .... وقابل التوب شديد العقاب
وقام لا يرجو سوى الله رب .... العرش ربي من إليه متاب
وإن مولاك يضل الذي .... يشاء ويهدي من إليه أناب
فصال فيهم مثل ليث الشرى .... كم مرة قد أشرقوا باللعاب
وكم همام أسد باسلٍ .... من نسله أنحب أصلاً وطاب
كالقائم الندب إمام الورى .... محمد الهادي لنهج الصواب
كم جرع الأعداء من غصة .... أبدت أموراً هائلات صعاب
ضاءت به الأقطار وازينت .... وظلت الآفاق طراً رواب
والسادة الأطهار أصناؤه .... كأنهم عن كمل أسد غاب
فاذكر علياً ذا السماحات .... والمقتول ظلماً في زمان الشباب
مع حسن ذي الفخر من .... طبقت شهرته والذكر كل الوطاب
يا حسناً بالعلم سدت الورى .... فتحت من مشكلة كل باب
طهرت أرض الله من مارق .... شردت في الآفاق أهل الكذاب
كذا حسين ذو الحجا من غدا .... لعلم آل المصطفى كالعباب
يخوض بحر العلم طوراً وبحر .... الضرب طوراً قاطعاً للرقاب
[ق/507]
وأحمد ذو الفضل من قرعت .... أعداؤه من فعله كل ناب
ما برحوا يسقون أعداءهم .... كأس المنايا والغصيص الشراب
كم مزقوا في الأرض أعداء دين .... الله بالسمر وخيل عراب
كم حكموا فيهم رماح القنى .... تصميمهم شزراً وكم من سكاب
وسابغات مسردات ومن .... بنادق تصرعنكم من مصاب
وكم جيوش مثل سراب القطا .... حلت ومرت مثل مر السحاب
كم بطل فيهم وكم ضيغم .... يرمي الأعادي أبداً كالشهاب
ما طمع الأعداء فيهم سوى .... ما يطمع الطامي بلمع السراب
وكمل الباري بنور من الآل .... إمام خير داع مجاب
القائم إسماعيل نور الهدى .... والدافع الكرب إذا الخطب ناب
أكرم به من طود علم سمى .... أكرم به من ليث حرب نقاب
لا زال في العالم يحيي به .... ما جاء في السنة أو في الكتاب
ولا أزال الله عنهم بني المنصـ .... ـور يحموا الخلق مما أصاب
هم أهل بيت طاهر لم تزل .... نعماؤهم طوقاً بكل الرقاب