ومنها ما حكاه بعض أولاد القاضي العلامة المفيد جمال الدين سعيد بن صالح الهبل وهم يومئذ ساكنون بصعدة دارهم ملاصقة الدار التي فيها ولد الإمام عليه السلام السيد صفي الدين أحمد حفظه الله وهم جماعة من ذكور وإناث أنهم سمعوا في الدار التي فيها ابن الإمام عليه السلام في ليلة موت الإمام عليه السلام أو فيما بعدها قراءة القرآن كأنها من جماعة بأصوات أقرب إلى أصوات الصبيان كثيرة فظنوا أن ثم من يقرأ في بيت الإمام وأن أحداً ألزم بالقراءة فيه كما جرت العادة في بعض الأوقات أنه قد يطلب من حملة القرآن من يدرس في البيت الذي يسكن فيه ابن الإمام أو أحد أولاده خصوصاً ليلة الجمعة وحين ظنوا ذلك اجتمعوا هم للقراءة في بيتهم الذي هم فيه بناء على أن تلك القراءة آنس ولم يكن أحداً يقرأ في ذلك الوقت حيث سمعوا القراءة، وسمع أيضاً غير المذكورين قراءة في غير الجهة التي سمعوا فيها وهي من ذلك القبيل. انتهى.
ومما ظهر واشتهر ما روى غير واحد عن الحاج الفاضل شمس الدين وعمدة المجاهدين أحمد بن عواض رحمه الله أنه أتاه آتٍ في ليلة موت الإمام عليه السلام أو التي قبلها فأيقضه مراراً يقول: مات صاحبك، أو قال: أدرك صاحبك قال فعلمت أنه الإمام فاشتد في طريقه وقد سار أول مرحلة من صعدة إلى الفقمين مما يلي بلاد عذر ووصله الخبر بالحقيقة فسقط في موضعه ولم يقدر بعد ذلك الوصول إلى شهارة إلا ثاني يوم أو ثالث.

وأما قضية النور الذي طلع على قبره الشريف سلام الله عليه في أول عام ثلاثين وألف [1621م] فمشهور، وصفته ما رأيت ابتداه وقد خرجت من سعدان بعد العشاء الآخرة بغلس أريد دار العقبة وكان فيه بيتي في تلك المدة [ق/494] وأمامي الشيخ الفاضل عبد الله بن أحمد الحارثي رحمه الله كلنا كنا عند الفقيه الفاضل عماد الدين وأبو المساكين يحيى بن محمد بن حنش رحمه الله، وكان في الناس قل في تلك الأيام في شهارة المحروسة، وكان الشيخ المذكور أول خارج من خرج من الباب وقد غطى رأسه لرياح فرأيت كواو القبة المقدسة وهي كما عرفت من العمارة والباب معمور بحجارة أيضاً ثم الكواو [ولم تبوب] وقد ملأ الطياق نور مجموع أبيض مثل قرع الخريف الصافي وازدحم فيها كأنه العطب المنفوش فناديت الشيخ عبد الله وقلت له: أترى هذا في القبة فالتفت نحو النور وقال هذا رجل من المغفلين أو كما قال قد نذر بأرطال لبان فأوقده مرة واحدة، ومضينا وأصبح الصبح والناس يتحدثون بأنه كبر وعظم حتى رآه من كان في شهارة، ثم رأوه إلى أقر أيضاً في المحطة المنصورة وتحدث الناس به وعدت إلى الإمام المؤيد بالله عليه السلام وكان عنده عدة من الفضلاء والعلماء منهم سيدنا العلامة الزاهد القدوة عز الدين محمد بن عبد الله المعروف بالغشم نفع الله به فسألني عن هذا النور فأخبرته بأوله وإنما سمعت انتهاؤه من ألسنة الناس فتحرك لذلك كثيراً ثم كتب تهنئة إلى مولانا المؤيد بالله سلام الله عليه، وتكلم في هذه المنقبة بما لا أضبطه، وأخبرني أيضاً سيدنا العلامة صفي الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله عمره أنه رأى

مرة أخرى على القبة نوراً يضيء، وبقي مدة وذلك في الليل وكان معه عند ذلك بعض الفضلاء والعلماء. انتهى.
رجعنا إلى ما كنا فيه، ثم إن الإمام عليه السلام أمر بتغليق الأبواب ولم تفتح إلا لرسولين خفيفين هما قاسم بن طاهر المذعوري والحاج صالح بن عبد الله بن أبي شفلوت أحد حجاب الإمام عليه السلام ووجهت الرسائل المتضمنة للدعوة عقيب التعزية إلى جميع بلاد الزيدية ممن في جانب الإمام عليه السلام وممن تحت سلطان العجم، وعين لأخذ البيعة له في صعدة المحروسة بالله القاضي العلامة الصدر جمال الدين سعيد بن صالح الهبل الخولاني رحمة الله عليه فسارع إليها الناس على طبقاتهم وتلقوها بما يحق من التبجيل والتعظيم، وكان أول مبايع مولانا صفي الدين أحمد بن أمير المؤمنين حفظه الله كما أخبرني البرد وغيرهم، ولما بلغ السيد العلامة صارم الدين داود بن المهدي المؤيدي رضوان الله عليه ذلك دهش وعظم عليه الأمر حتى ركب إلى العشة، واجتمع به كثير من أهل الفضل [ق495] وتلامذته وإخوانه بنو المؤيد فظنوا أنه بدا له بدو ويدعو إلى نفسه كما فهمت من سياق حديث منه رحمه الله يخاطب به مولانا الحسن رحمه الله في صعدة فخرج بهم إلى مكان جامع في الفضاء وخطبهم وبايعهم للإمام عليه السلام جميعاً وأخبرهم إنما خرج على تلك الصفة إلا لعظم ما ورد عليه من الغم، فكان ذلك مما أصلح الله به الشام الداخل، وكان في صعدة المحروسة بالله في تلك المدة عدة من الأعيان والفضلاء مثل السيد العلامة أحمد بن المهدي المؤيدي، والسيد الفاضل العالم أحمد بن محمد بن عز الدين والسادة آل الطيب، والسيد

العلامة أحمد بن محمد بن صلاح القطابري، والقاضي العلامة عماد الدين يحيى بن أحمد بن حابس الحاكم، وولده العلامة الحبر المجتهد شمس الدين أحمد بن يحيى، والحاج الفاضل العلامة أحمد بن علي دعيش وغيرهم.
ولما وصلت جوابات صنعاء بتمام الصلح وتقرير قواعده وحكي أنهم اجتمعوا وائتمروا بينهم فأشار جمهورهم بأن الصلح خير ولا يلد الأسد إلا شبلاً أو كما قالوا، وأخبرنا البرد والمترددون في تلك الأيام وكذا حي مولانا الحسن رضوان الله عليه قرر جملته وما يفهم صدق الرواية من غير أن أسمع بسطاً منه سلام الله عليه أن الباشا محمد طلبه إلى عنده وكان قد طلبه مع عقد الصلح وأطلقه من القيد واعتذر على الإمام عليه السلام في عدم إطلاقه بأنه في حبس غيري يعني الباشا جعفر واني جعلت شاهداً على نفسي لجفعر باشا في أنه بيدي وديعة للسلطان، ولما وصل إليه عزاه وأجل قدره وبقي عنده قريباً من أكثر النهار وخاطبه خطاباً حسناً وكثيراً ما كان يسمع من حي مولانا الحسن رضوان الله عليه الثناء على أدبه وكمال عقله ومروءته، وأنه سأله عن أخيه الإمام عليه السلام فاخبره بحيلته ومبلغ سنه عند الدعوة، قال: فقال له أنت يوسف إخوتك وأقسم له الأيمان البالغة أنه قد أحبه وأنه جاهد في إطلاقه ثم أخذ يسود كتاباً إلى السلطان وإلى وزيره كتاباً فيهما من البلاغة وحسن اللفظ واستيفاء المعنى ما يعظم من مثله، ثم وصله بصلات وأجرى له مصروفاً.

نعم، وقد ذكرنا ما وقع مع أهل الفضل من الرزية العظماء والفاقرة الكبرى عند وفاة الإمام عليه السلام خصوصاً، وكذلك في سائر البلاد عموماً من ذلك ما نقل من خط القاضي شمس الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه أنه وصل يوم وفاة الإمام عليه السلام رجل من جبل هنوم [496] وقد أخرس لما بلغه وفاة الإمام عليه السلام فلم ينطق بكلمة واحدة فوصل حضرة مولانا المؤيد بالله سلام الله عليه وقرأ عليه هو ومن حضر من السادة والشيعة فلم يكن ثالث ذلك اليوم إلا وقد من الله سبحانه وتعالى له بالعافية وأطلق الله لسانه فله الحمد كثيراً، ومن الناس من أجراه بطنه دماً عند بلوغ وفاته عليه السلام ومن النساء في محروس الظفير من ألقت جنينها، ومنهن من هلكت بعد بلوغ الخبر وحصل مع الناس من ذلك أمور لا توصف إلا أنه كان من وصل حضرة المؤيد بالله زال عنه ذلك الحادث وكشف الله عنه.

ولنرجع إلى أخبار وفاته وموضع قبره وقدمنا دعوة مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه لما تقدم من مقدم ذكرها قبل دفن أبيه سلام الله عليه فإنه لما انتضم الأمر أمر مولانا محمد سلام الله عليه بأن يحفر له في منزله شرقي مسجد الشريف ففرغ القبر وأخرج صلوات الله عليه إلى صرح المسجد الجامع وصلى عليه المسلمون ثم تودع جسده الشريف الفضلاء، ودفن قبل صلاة الصبح بمنزلة أو منزلتين وقامت قراءة القرآن على قبره الكريم أشهراً مع أنها لم تزل إلى يوم الناس، هذا ونحرت النحائر وعقرت العقائر وصرفت مع الصدقات المجراة كما تقدم حتى كثرت فاستحياها الإمام عليه السلام وصرفت في القرب، وجعل منها حصة وافرة لأهل العلم والقرآن وعين لها من بيقبضها ويصرفها وحصل بها الانتفاع وقد ذكرنا أنه عليه السلام أمر للفضلاء فيما سمعناه في ذلك الأوان قبل وفاته.
وأما الوالد السيد الفاضل محمد بن ناصر بن عبد الله الغرباني خال مولانا الإمام محمد أطال الله بقاه فذكر أنه مولانا محمد المستدعى لوصولهم وأن ذلك بمشورة أهل الفضل منهم ونصح أن يكونوا مجموعهما. والله أعلم.

ولما توفي سلام الله عليه واجتمع المسلمون إلى ولده مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه ذهب عنهم كثير مما يجدون وقاموا بما يجب لله سبحانه من المسارعة إلى نصرة إمامة مولانا محمد سلام الله عليه، ولما كان آخر نهار ذلك اليوم بعيد العصر وصل السيد العلامة شيخ العترة أمير الدين بن عبد الله رحمة الله عليه فلما رآه الناس طالعاً عليهم من باب النصر وهو على بغل مولانا الإمام صلوات الله وعليه ومعه خادم الإمام عليه السلام وشيبه يقرب [ق/497] من شيب الإمام عليه السلام وهم يعرفون أنه أحد شيوخ الإمام عليه السلام ومحله منه ومن الإسلام فتلقاه الناس أفواجاً للسلام عليه وقل من لم يبك منهم إذ رآه ثم قدم إلى القبر الشريف، فجثى عليه وكان فائدة ولم يحضر حال الدفن وزار وأطال، ثم تقدم إلى سعدان فتلقاه من عند الإمام عليه السلام من العلماء والإمام كذلك ولا رأيت عيناً لم تدمع من أهل الفضل، ثم جعل يده الطاهرة في كف الإمام عليه السلام وبايعه مع وصوله ولم يقبل مراجعة بل قال ومن لها بعد الله غيرك يا ولدي، ثم صافح العلماء ومن لم يسلم قبل ذلك، وكان الجمهور من العلماء في قراءة البحر الزاخر على مولانا محمد سلام الله عليه في كتاب النكاح فمن ثالث ذلك النهار عادوا جميعاً لتمامها، وكان الإمام عليه السلام قد ابتدأ احتفار البركة الكبيرة المسماة بركة الإمامين التي في الطوف القبلي فهم فيها لم يشتغلوا غير يوم وفاة الإمام عليه السلام وكذا كل عمل ديني أو دنيوي أتموه ووصلت الجنود الإمامية من كل جهة وجدد الله للإسلام ما كان قبل وفاته

عليه السلام من الاجتماع والتمام، ولقد رأيت سيدنا العلامة عامر بن محمد رضوان الله عليه كثيراً ما يحمل على يده بجهد جهيد الحجارة في البركة المعروفة، وكذا كثير من الشيوخ لأجل تأنيس الأولياء أن الحال ما حال وإرغام أنوف الأعداء أن الباقي أهل الكمال، ومما رثي به صلوات الله عليه ما قاله القاضي العلامة البليغ المقول جمال الإسلام والمسلمين، وشجاك الملحدين علي بن الحسين المسوري رحمة الله عليه وهي التي في اللوح على يمين الداخل لزيارته عليه السلام في قبته المشرفة وهذه المرثية:
من الآن فلتبك العلى والفضائل .... ويهمل إلا ذكرهن الفواضل
سلام على الدنيا سلام مودعٍ .... فقد أوحشت منها علينا المنازل
وأظلمت الآفاق طراً وأكدرت .... علينا لداهي الخطب منها المناهل
بفيك الثرى يا ناعي الجود والهدى .... لقد هد ركن المجد ما أنت قائل
نعيت أمير المؤمنين فقل لنا .... أبالحق إذ مات الإمام الحلاحل
لأن كان ما قد قلت حقاً لأنه .... لخطب لأبناء البسيطة هائل
قلوبهم مما زعمت رواجف .... وأدمعهم مما ذكرت هوامل
أمات فما للنيرات طوالع .... وذي الشمس لم تكسف وذوالبدر كامل
[ق/498]
وهذه الجبال الشم شامخة الذرى .... فما بالها إن صدعتها الزلازل
وذي الأرض لم يخسف بها وبأهلها .... أحققت أم قد غال عقلك غائل
بلى إنما قد قلت حقاً وإننا .... لنعلم أن الموت بالخلق نازل
وإن إلى الله العظيم مسيرنا .... وأن قضاء الله للكل شامل
وإن قصارى كل حي إلى الفناء .... وإن نال من دنياه ما هو آمل

ولكن رزء القاسم بن محمد .... هو الرزء لا ما تدعيه الثواكل
إمام بني الزهراء درة تاجهم .... وحاميهم إن حوربوا والمناضل
خضم العلوم الزاخرات وشمسها .... إذا أشكلت يوماً علينا المسائل
هو العلم الهادي إلى الحق والذي .... به يهتدي من حيرته المجاهل
هو الغيث غيث المرملين ومن له .... أنامل غر سحبهن هواطل
أقام قناة الدين بعد اعوجاجها .... وشيد من بنيانه وهو مائل
وأطفأ نار الظلم بعد التهابها .... وأهلك أسد الكفر وهي صوائل
وقاد لحرب المبطلين كتائباً .... يغطي شعاع الشمس منها القساطل
وأعمل في حرب البغاة نوافذاً .... من الرأي لا يبلى بلاها الجحافل
وقام بأمر الله جل جلاله .... ولم يثنه عن نصرة الدين عاذل
ولا راعه ملك العدو وقهره .... ولا صد عنه خؤون وخاذل
أبٌ كان للأيتام يحنو عليهم .... فما لهم إلا هو كاف وكافل
يراهم بعين لا يرى غيرهم بها .... ولا هو عنهم ما تقلب غافل
يفيض عليهم سحب فيض نواله .... إذا خلفتهم عن نداه المخائل
وإن نزل العافون سدة بابه .... تلقتهم قبل النزول الفضائل
وإن أبصروا يوماً بياض جبينه .... تجلت غموم عنهم وبلابل
فمن علمه تملا عليهم مسائل .... ومن جوده تجري إليهم جداول
فيشفي سقيم الجهل ترياق علمه .... وتحيي قبيل الفقر منه النوافل
بليد بليغ القول ما هو قائل .... وينسى جميع الفعل ما هو فاعل
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب .... يرى أن ما هو فيها وحاشاه باطل

فلا لشهي الزاد تطرب نفسه .... ولا الملبس الباهي تراه يحاول
[ق/499]
إذا قدموا يوماً إليه طعامه .... يقول أما غيري له اليوم آكل
وإن قيل هذا سائل فكأنما .... سروراً به أدت له الخرج بابل
ترى الوفد أفواجاً إليه كأنما .... تهب بهم داع إلى الحق حافل
فمن آيب يثني عليه بفعله .... ومن قادم قد أنصبته المجاهل
فذا باسمه يرجى المطي مؤملاً .... وذا باسمه يحدو بها وهو قافل
صفات له لو أن معشار عشرها .... تحلى بها ذا الخلق لم يلق خامل
فدع عنك تعداداً لذكر صفاته .... فعند التناهي يقصر المتطاول
وإن كنت سحباناً بياناً ولهمة .... لأنك في مدح الإمام لباقل
فيا يومه ماذا هدمت من العلى .... بك انزاح عنا منه تلك الشمائل
ويا غاسليه كيف قمتم بغسله .... أيقوى بتقليب الشوامخ غاسل
ويا حامليه كيف سرتم بنعشه .... أيا عجباً تمشي بثهلان حامل
ويا قبره كيف اتسعت لشخصه .... وقد كان بحراً ما له الدهر ساحل
أبا حسن من للعلوم ونشرها .... ومن ذا بنور الحق عنها يجادل
أبا حسن من للشريعة إذ وهت .... عراها وخان الدين لص مخاتل
أبا حسن من للمعالي فقد وهت .... كواكبها وانهد منها المعاقل
أبا حسن من ذا عن الدين يتقى .... وبالمشرفيات الرقاق يقاتل
أأنساك لا والله يا ابن محمد .... إلى أن يهيل الترب فوقي هائل
أصبر نفسي إن تفيض دموعها .... وبيني وبين الصبر عنك مراحل

106 / 109
ع
En
A+
A-