وأما السادة الذين وصلوا في الليل عقيب وفاته صلوات الله عليه من أهل المحراب فهم السيد العلامة فخر الدين عبد الله بن محمد المحرابي وصنوه الحسن بن محمد والحسين بن [ق/487] محمد، والهادي بن محمد ومحمد بن الحسن، والسيد القاسم بن نجم الدين كلهم من أهل الفضل والكمال، والسيد العلامة الكامل شرف الدين صلاح الدين صلاح بن عبد الخالق بن يحيى، والسيد العالم صارم الدين إبراهيم بن يحيى وغيرهم، ومن المتعلمين أهل الإجادة والإفادة كثيرون، وكان مولانا شرف الدين الحسين بن أمير المؤمنين رحمة الله عليه في بلاد الشرف طائفاً للبلاد ومقرراً أعمالها وكانت إليه رضوان الله عليه فوصله البريد في ابتداء مرض الإمام عليه السلام فوصل وبقي عنده نحو ثمانية أيام حتى توفي وهو حاضر وأمور العامة والخاصة إلى مولانا محمد عليه السلام كما هي عهدته مع صحة أبيه سلام الله عليهما.

[مبايعة الإمام محمد بن القاسم]
نعم، فلما توفي صلوات الله عليه كما تقدم وقد اجتمع أهل الفضل كمن تقدم ومن سهيت عن اسمه وللاختصار كان أول مخبر لهم ومعزٍ مولانا محمد عليه السلام فعظم على أهل الفضل موقع ذلك حتى أحصروا عن الكلام وأقعدوا عن الحركة وعظم الأمر، فكان أول متكلم سيدنا العلامة الحسن بن سعيد العيزري رحمة الله عليه وقال فيما قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم.. )) الخبر. والإمام قام بفرائضه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -أو كما قال- وقد سقط عنه التكليف وتعين عليكم، فتراجع الفضلاء وسكنوا بعض السكون ثم تشاوروا وكاد يطول منهم وكلهم ينص على مولانا محمد وأخيه الحسين سلام الله عليهما، فتكلم مولانا محمد بكلام فصل جزل وقال فيه: إنما أنا وأخي عونان لمن يقوم بهذا الأمر من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا لنا في ذلك شيء ثم طلب المفاتيح على بيت المال من الفقيه عماد الدين يحيى بن محمد بن حنش وقال: ضعها يا سيدنا عند الأصحاب ينظرون لأنفسهم، ثم خرج عنهم ودخل منزله وأغلق على نفسه ثم أجهش باكياً، وكان أهل البيوت لا علم لهم بوفاة الإمام عليه السلام لأنه لما توفي رضوان الله عليه وكان عنده مولانا محمد ومولانا الحسين رضوان الله عليهما والفقيهان الفاضلان عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي وجابر بن فتح الله العفاري فتركاهما عند الإمام عليه السلام على أنه حي لا يعرف أهل البيوت قبل أن يبرموا أمر الخلافة فلما سمع أهل بيته بكاه عرفوا وفاة الإمام عليه السلام فسمع الفضلاء

فاهتموا بتمام الشورى، وعولوا على مولانا الحسين رحمه الله أن يدخل على أخيه ويخرجه [ق/488] لهم ففعل، فلما وصل نصوا كلهم عليه وألقوا ثقل التكليف إليه متفقين الرأي فيه فلا زال بهم حتى استحلفهم أنهم لا يعلمون له عذراً عن التخلف وقال بعضهم: والله إن لم تفعل ليجب علينا نعيد ما قد صلينا خلفك أوكما قال، ثم تبادروا إلى بيعته مزدحمين عليها حتى فيما ظننت والله أعلم إنما قام الفقيهان الفاضلان يحيى وجابر ومن أعانهما على غسل الإمام عليه السلام إلا وقد بايع أهل الحضرة، ثم من بعدهم فوق ثلاثمائة أكثرهم من أهل الفضل والعلماء والمتعلمين، وامتدت البيعة نحو ثمانية أيام، وكان المتولي لها السيد العلامة محمد بن علي بن عشيش وسيدنا العلامة عامر بن محمد الذماري رحمة الله عليهما لا ينفك أحدهما عند الإمام عليه السلام ثم أمر الإمام بكتب صنعاء وكانت إلى مولانا الحسن رحمه الله كتاباً وإلى الباشا محمد كتاباً، وإلى الأمير علي بن المطهر بن الشويع كتاباً، وإلى السيد فخر الدين عبد الله بن شمس الدين بن جحاف السفير بالصلح كتاباً، فإنه كان باقياً لأعمال مما يتعلق بالصلح مضمون الكتب إعلاماً لهم بوفاة الإمام عليه السلام وقيام مولانا أمير المؤمنين، وسيد المسلمين المؤيد بالله رب العالمين محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله سلام الله عليهما،وفي الكتاب الذي إلى الباشا محمد بعد إعلامه والبسط في موضعه والإيجاز في محله مما هو خليق بمثله ما معناه وقبض الله سبحانه مولانا وإمامنا ووالدنا أمير المؤمنين سلام الله على روحه وقد عقد بينكم وبينه صلح فيه صلاح

المسلمين وحقن دمائهم وكذا ثم توفاه الله وتحملنا ما كان من ثقل الأمر، فإن ترون تمام المدة وتسكين الهدنة فعلينا أن نقتفي أثره ونحيي ذكره ولا ننقض له عهداً ولا نخلف فعلى ما ترون، وإن ترون غير ذلك جعلنا هدنة حتى تعود حنودكم مواضعها، وبعد أن تعود مواضعها نستعين الله سبحانه وتعالى والجواب منكم أو كما قال [................................] .

[جواب محمد باشا للإمام المؤيد بالله محمد]
ووصل جواب محمد باشا وهذا لفظه:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وقدوة مستحسنة طريق سلكه سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، لله الحمد على ما قضى، وقدر وأمضى، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وكل إنسان وإن طال عمرانه إلى الفوت إنا لله وإنا إليه راجعون وصائرون ومنلقبون، فنعزي ولدنا الإمام المقام الأكمل، السيد العلم الأفضل، منبع الفضائل عمدة الأفاضل، مالك أزمة المفاخر العميمة، والمعارف الجسيمة محمد بن القاسم بن محمد منحه الله صبراً، و كتب له أجراً بوالده الإمام العلم الأطول الأعلم الأفضل تغشاه الله برحمته ورضوانه، وأسكنه بحبوح جنته بإحسانه، وجعل نزله في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والتسليم حق لله في أمره وحكم قضائه حلوه ومره، وحكمه السابق النافذ في جميع الخلائق، والله يجبر هذه الرزية ويأسوها ولا يريكم بعدها سوءاً ولا مكروهاً، والحمد لله الذي جعل القائمين من بعده لما اختاره من الخير من عنده وقيامكم بالأمر بعده استخارة الله سبحانه وتعالىومواطأة من العلماء الأخيار والقضاة الأطهار، فأنتم إن شاء الله لذلك أهل، ولما وقع من اختيارهم موضع ومحل تولى الله عونكم ورزقكم الصبر، وكتب لكم على فراقه الأجر فقد أنالنا ذلك السرور بعد الفزع، وحصل لنا به الحبور الذي أذهب الجزع، وأنتم بمقامه أحق وإليه أسبق، وذكرتم أن الذي بيننا وبين والدكم رحمه الله من العهود والمواثيق ثابت أساسها ومراسها ثباتة وقوة كما هي الإرادة

المرجوة ونحن إن شاء الله تعالى على ذلك ما يبدو منا أمراً نظهر فيه إخلالاً ولا يكون بسببننا لموضوعات قواعدها وعقودها انحلال، بل إنا لكم كما أنتم لنا وما هو موجود عندكم وكذلك عندنا والألفة الصافية، الخالصة الوافية، كما هي ما يغير تلك القواعد مغير ولا يكدرها مكدر، ونحن لكم في أمر الخير مساعدون وطريق مرضاة الله معاضدون، والله يختار لنا ولكم الخير ويأخذ بنواصينا إليه، ويرشدنا ويحسن حالتنا عليه، وحسبيي الله وكفى، في تاريخ سابع عشر في شهر ربيع من شهور سنة تسع وعشرين بعد الألف سنة، حرر بمحروس صنعاء. انتهى.

[رسالة من بعض علماء صنعاء للإمام المؤيد بالله محمد]
[ق/492] ووصل كتاب من بعض علماء صنعاء ولفظه:
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملاً، وهب نعمة وفضلاً، وسلب حكمة وعدلاً، جعل الموت تحفة الأبرار، وزلفة تدنيهم إلى دار السلام، في جوار الملك الغفار:
وما هي إلا نقلة غير أنها .... من العالم الأدنى إلى المنزل الأعلى
وأزكى الصلوات على من اختار الرفيق الأعلى فدنى ثم تدلى، وعلى آله الأخيار الفائزين من التطهير بالقدح المعلى، ما صعد عمود الإيمان بصبح فضلهم وتجلى، وبعد:

فلما ورد علينا حباب المصاب فشربنا منه بكأس روية وتقاسمنا هموم بلاياه المذهبة للروية، شق الأنملة بالسوية من المواقف المحمدية القاسمية، من ألقت عليه الإمامة شعاعها، ونشرت بيمين إنالته طيور السعادة على كثرة أجناسها وأنواعها، وغرسته أيادي العناية الربانية بيدها وسقته بأنوائها، فتلاحقت عنده إعجاز مواهبها بهوادها، أسجد الله تعالى على وصيد أعتابها كل جبين متوج، وأقام بحميد عنايتها كل أمر أعوج، وأنهج لمطالبها كل باب مرتج، وأبان تفضلها كل حق أبلج، وأطفأ بعد لها لهب الباطل إذا ارتفع وتأجج، فحين دهمنا ذلك الأمر المهيل، والبلاء الذي يكون الصبر عنده خير جميل، فيالك من أجفان شرقت بالدموع، ونيران متقدة في أحناء الضلوع، وبنان تود لو ماتت أن يخط بنازل الخطة، وأنفس أساطت بها بلابل الهموم المشتطة، والناس من شدة الأحزان والكمد وفقد الاصطبار والجلد، ما لا يستطاع ذكره، فكيف يحتمل أمر ثقله وزبره، فياله من خطب عم بيت الرسالة، جدد الخطب في الوصي والبتول وياله، فأولاد الوصي تحني ظهورها أسفاً، ومعادن الإمامة تذري دموعها ولهاً ولهفاً، ولكن ما نصنع والقضاء نازل، والموت حكم شامل، ونحن في دار نقلة، ومحل قلعة، فمن راحل ليومه، ومن مدعوٍ لغده، وهي العارية المرتجعة، والسحاب المنقشعة، ولو كان من الموت وزر، لكان لخير البشر، ولنا به أسوة ولن نصاب بمثله كما ورد في الأثر، وفي الله عزاء من كل مصيبة، ودركاً من كل فائت وخلفاً من كل هالك، فبالله فليثق من عمه المصاب من أولئك، مع أن من صنع الله الحفي، وجميل لطفه الخفي، أنقذنا بعد المحنة بالمنحة،

فما عبس المحزون [حتى تبسم، ولا ركد رحا الإمامة حتى تنسم، إذ سد هذه الثلمة بأفضل خلف لأكرم سلف، وأنجب فرع لأعظم أصل، فيا لها من تحف، فوجب علينا تخطي الأحزان، إلى شكر الإحسان، دلت الرزية في هذه القضية، دلالة ضمنية على جزيل العطية في البرية، إذ كان مولانا المؤبد بالله القائم بعده الساد مسده، فهو في حكم الخالد وإن أصبح في الثرى، والمقيم في أهله وإن أضحى في العراء، فرحم الله إن بكت المكارم شجوها لفقده، ولبست المعالي حدادها من بعده، وأعاد علينا من بركاته ما يهون علينا مصاب الدنيا التي صار الحدث أخف ظنونها، وأصغر دنوها، والله اسأل أن يربط على القلوب لفقد المحبوب، وبالتماسك بالحسنات التي تُنجي من المهالك، وأن يفيض على مولانا ومن تحوطه شفقته تجلداً يضاهي اجتماعه السديد، ويجعل مسرة يومه تابعة لمساه، والحمد لله على ما وفق إليه الأصحاب من إقرار الحق في نصابه، فأصابوا الصواب وأقاموا ما يجب للإسلام من الحق الواجب، ولو سكتوا أثبت عليه الحقائق، فما اكتأبنا للمنعي إلينا حتى ارتبطنا بالمستخلف علينا، ولا تجهش باكينا عند الرزية حتى استهل ضحكنا للعطية، تصديقاً لخبر بدا خير الأمم: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم)) هذا والله لقد أعطى القوس باريها، وأنزل الدار بانيها، ومن أحق الصدر من صدر الأفاضل، المؤيد الرئيس، عقد الفخار الرائق النفيس، كيف وهو المبرز في جلباب الفضل على نظرائه وأمثاله، واعترف وأنا الحقير في مساجلته عن قرب غايته وبعد مناله، وقد أغنى ظهور فضله عن إقامة البرهان، وكف اشتهار نيله حتى لم يختلف فيه اثنان

وكيف يصح في الأذهان شيء .... إذا احتاج النهار إلى دليل
من ذلك، ثم رآه بعد ذلك، ارتفع السماء.
ومنها ما حكاه ولده السيد الأكمل صفي الدين أحمد بن أمير المؤمنين أيده الله، وهو يومئذٍ بصعدة متولياً من جهة والده، قال: إنه سمع ليلة موت والده عليه السلام والليلة التي قبلها حركات في المنزل الذي هو فيه، ولم يكن بقربه أحد، وأنه حرك عليه باب المنزل الذي هو فيه مرات] [ق/493] حركات غير معهودة، وكان له كوز يشرب فيه تركه فوق سطح في الليل للتبريد، فلما كان نصف الليل سمع الكوز وكأن أحداً حمله ورمى به إلى حجر تحته فقام فوجد الكوز قد تهشم تهشيماً عجيباً كصورة الفلوس، ثم إنه سمع في تلك الليلة وفي الليلة التي قبلها والتي بعدها أصوات بكاء ونواح بالقرب من منزله فقام ليرى الباكي فلم ير أحداً ولا أحس ببكاء، ولما عاد إلى فراشه عاد البكاء وهو كأنه في طاقات المنزل الذي هو فيه وكأنه والله أعلم من بكاء الجان، وسمع أيضاً بعض شيعة الإمام بمحروس صعدة ممن كان واقفاً بالقرب من الدار التي فيها السيد صفي الدين في منزله لم يكن فيها إلا هذا الراوي سمع دق الباب عليه في تلك الليلة ثلاث مرات متفرقات ينبه في كل مرة من نومه ولم يعهد ذلك قبله ولا بعده.

105 / 109
ع
En
A+
A-