وأما مولانا أحمد بن أمير المؤمنين حفظه الله فإنه حفظ الشام وظهر نفعه ثم إنه اتفق من آل عمار تعدٍ في الطريق ونهبوا قوافل وقطعوا الطريق، وممن نهبوا سيدنا القاضي العلامة سعد الدين بن الحسين المسوري رحمه الله وكان منظوراً محبباً إلى الناس مع حدة مفرطة فيه وقوة غضب لله، فوصل صعدة وتكلم على مولانا أحمد وقال كثيراً من ذلك حتى أغضبه فأرسل لمشائخ آل عمار وكانوا ثلاثة عشر شيخاً وسألهم عن القضية فما أجابوه إلا بما عرف به تمردهم فأشار عليه من حضر من العلماء بقتلهم فقتلهم في الليل، ثم تابع المغازي عليهم، ولما بلغ الإمام عليه السلام قام وقعد وخطأه وخطأ من عنده من العلماء لما صوبوا فعله فأجابوه جواباً واحداً: إن هذا هو الذي يجب عليك وعليه وكذا، وما أراد الإمام عليه السلام إلا تأليف القبائل لا يخرجون إلى غير الحق، وصلح بعدها أمر الشام وإنما بقي الطريق فإن الإمام المؤيد بالله سلام الله عليه لا زال أكثر من سنة يرسل مع القافلة الداخلة إلى صعدة عسكراً إلى نصف العمشية ويلقاهم مثلهم من صعدة من يسير مع القافلة إلى صعدة وكذا من خرج من صعدة لقاه من عند الإمام لسبب هذه القضية، ثم إنه تمكن وغزا شرقاً وغرباً حتى صلحت البلاد والطرقات وكان يقال في مواضع من المخاوف للتاجر: ما على جملك؟ فيقول: أحمد، وعمرت صعدة وبلادها ومساجدها، وانتشر العلم الشريف وحصلت النفقات للمساكين مع الشدة الآتية فإنها أمور هائلة كما سيأتي في أخبار شهارة حرسها الله فإن الإمام عليه السلام استقر في شهارة بقية من شهر جمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان، وشوال،

والقعدة، والمحرم فالتاث بشهارة المحروسة بالله من ضعفاء المسلمين على طبقاتهم ما يجل عن الوصف منهم طبقات العلماء والفضلاء لم يبق لهم مكان للعلم وما يقوم بهم غير شهارة من الشدة الشديدة، ثم درسة [ق/482] القرآن والمتعلقين حتى لقد أحصى أهل المكتب [ألف ومائتين] نفس وأهل طلب العلم فوق الثمانمائة، وبلغ الصرف للحريم في مكان منفرد وقد عمر الإمام عليه السلام لهن مكاناً على باب فوق الألف، وجعل المراضع منهن في جانب، وبلغ عدد المساكين فوق الألف الذي خارج باب النصر ولهم كهوف يسكنون فيها وفي باب الفتوح فوق أربعمائة نفس، وفي باب الصلل فوق المائتين من غير من في شوارع الحصن ويصرف لهم الطعام من المطبخ من غير الجنود وأهل الحقوق، ولقد رأيت الشيخ صالح بن محمد حمران وجماعة من أصحابه لم يوجد لهم مكان يأوون إليه وأكلوا في جملة عامة الناس في الديوان وهو عليه السلام يتفقد المسلمين بنفسه (وبولده مولانا محمد عليه السلام)، ومما بلغ من شدة شفقته بالمسلمين وإن كانت فيه صلوات الله عليه صفة لا زمة أنه أجرى للمراضع طعاماً حالياً من بيوته الطاهرة، وبيوت أولاده لكل واحدة كفايتها من غير قوتهن العام الفائض فإني ممن ولي صرف شيء من ذلك فأشهد لا رأيت ميتاً ولا مريضاً ولم يكن عند رأسه الطعام على أنواعه من لحيح ومكافاً وطعام ودقيق وزبيب فضلاً عن الحي، ومما رأى من ذلك أن أهل التمييز والتقشف في الطهارة استقوا من مساهم في المطاهير حق الجامع والمجالس وأبواب البيوت وما يكون هناك من الأذى فاستأذنوا مولانا محمداً عليه السلام في إخراجهم إلى عند الخارجين

وهو باب النصر ففعلوا، فلما كان الليل لم يسمع لهم الإمام عليه السلام حساً فسأل فقالوا: أخرجوا العشي، فقام بنفسه وغضب حتى هم بقتل بعضهم، ولام مولانا محمد عليه السلام حتى أنه توارى منه حياء وخوفاً ثم أمر بفتح الباب وعودهم.
ومما سمعت من حي سيدنا عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله وقد خرج من عنده عليه السلام واجتمعنا للغداء في بعض بيوت الأصحاب فإذا هو يكثر من التبسم والدعاء للإمام عليه السلام وكذا ويقسم لا كان ولا يكون فسألناه عن ذلك، فقال: كنت الساعة عند الإمام عليه السلام فدخل عليه جماعة من الأصحاب وولده مولانا محمد عليه السلام وذكروا أن الطعام قد قل وأن خير المغارب قد قرب فما ترى في زاد هؤلاء الذين قد ملأوا الحصن وأشقوا عليه وعلى أهله وكذا ويزودن ما يبلغهم، قال: فغضب، وقال: اقصروا والله ما نقطع المغرفة ومثلها صبغ لو لم يكن إلا زبدي واحد أو كما قال، ولقد [ق/483] رأيته عليه السلام في تلك الأيام وقد رأى شريفاً من الجوف وله ولدان صغيران لعلهما خماسين وإنهما توأمان قد محل لحمهما ويبس جلدهما من الضعف وهما مع أبيهما وكان قدم بهما فنزل عليه السلام حتى احتمل أحدهما وبعض الأعوان الآخر وأدخلهما داره، فأخبرني من شهد ذلك وهو الوالد جمال الدين علي بن المهدي أنه قال: أطعمهما بيده وشوى لهما لحماً ولا أرى دمعته سكنت، ورأيته لبُنيَّة مريضة وهو يتعاهدها بأنواع الطعام، وكان ذلك بعد عيد عرفة ويكسوها وإذا لم يجد الطريق لكثرة الناس فتح الكوة الشرقيه عليها حتى يرى من يخصها بذلك حتى وجد لها في بيته الشريف مأوى وأدخلها

وغير ذلك كما قال القاضي العلامة جمال الدين علي بن الحسين المسوري رحمه الله في المرثية الآتية:
أب كان للأيتام يحنو عليهم .... فمالهم إلا هو كاف وكافل
يفيض عليهم غيث سحب نواله .... وما هو عنهم ما تقلب غافل
وحيث ذكرنا ذلك فلنتبرك بذكر اليسير من شرائف خلاله في السخاء الذي يضرب به المثل والشفقة بضعفاء المسلمين والصبر على القيام بحقوقهم التي لا تجب عليه وفعلها ولم يقدر عليها غيره، وهذا لا يفتقر إلى بيان، منها: أحواله عليه السلام في العيدين أنه يعطي أهل العوائد الكساء الكثير والمصاريف الواسعة والغنم والبقر ، ثم إذا فرغ من ذلك تقدم إلى باب النصر وأمر بالعقائر الكثيرة نحو الأربعين الرأس على قدر ما يعرف من كثرة المساكين وقدهم يصلون لها من المواضع البعيدة فيكون بالباب ولكل نفس [صاع من طعام] صاع أو نصفه من لحم على عدد النفوس حتى يفرغ منهم، وقد يعد مخازين مملوة كساء مخيطاً للصغار مما يجتمع له من النذور وتأتي مخيطة وقد يشتري إلى فوقها حتى تكون كثيرة، ثم يأمر بالصغار من الذكور والإناث إلى بيوته الطاهرة ويقعد على مرتفع والحمالون يقربون له ذلك على أنواعه فيكسي الصغير قميصاً وكوفية، ومن هو أكبر منه يزيده عمامة كلها مخيطة كاملة حتى أزرتها وجيوبها، ثم يجعل غالباً بيده الطاهرة إلى جيوبهم بعد أن يلبسوها التمر والزبيب فيخرج الصغير فارحاً، وللبنات لباساً وقميصاً وعلى رأسها خماراً صغيراً من أجناس لكل على قدره، وكذلك فقد يكملون في يومين وقد يحتاج يتفرغ لهم ثلاثة أيام وربما وهذه قبل أن يعطيهم شركة العيد وما إليها كما تقدم ويكسو

أصحابه وأهاليهم وقد يعطي الرجل على ما يقول [ق/484] إن في بيته من يحتاج، وهذا دأبه في سائر الأيام بحيث أنه يعطي حتى لا يجد شيئاً وقد لا يجد فيعوزه ذو الحاجة فيتداراه ليبقى وقد يقول لبعضهم: انتظر يومك هذا فنصيبك ما حصل فيه فقد يحصل للنفر الواحد ما يجل ويعظم، وقد سمعنا ذلك مما أخبرني سيدنا الفقيه العدل عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله قال: كان حي السيد العلامة الفاضل جمال الدين علي بن صلاح العبالي رحمه الله كثير الشفقة على الضعفاء فكثيراً ما يطلب لهم ويلتاثون به، وكان الإمام عليه السلام يتلذذ بذلك منه حتى أنه سأله لفقراء من الأشراف وغيرهم، فقال الإمام: لا أجد، ثم ذهب السيد وعاد وقال فأجابه الإمام عليه السلام كذلك وأظنه قال عاد في الرابعة أو الثالثة بمثل ذلك، قال: فغضب الإمام عليه السلام وأخذ عصاء وقال: تنح عني، اخرج عني فلا أجد، قال: فخرج السيد، ووصل الإمام عليه السلام ليس بالكثير فاعترض السيد بعض المساكين وشكا عليه فرق له وعاد إلى الإمام عليه السلام متبسماً وقال: أردت آنف منك ساعة فما قبل المساكين وإذا شيء سهل فأجرك على الله، قال: فأخرج لهم ذلك ثم جاءت أحمال البز والدراهم الواسعة حتى امتلأ ما بين يديه فجعل يقرأ: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ، ويقول: هذا من بركات السيد علي جزاه الله عني خيراً وأكثر من الدعاء له، وكان هذا السيد من الفضل والعلم بمكان.

ولقد روي أن الإمام عليه السلام مرض في بعض الأيام فقال: إن حدث لي حادث فأرى أن السيد علي أولى بمقامي ممن أعرف أو كما قال، وزوجه عليه السلام ابنته فاطمة الشريفة الطاهرة الفاضلة ابنة أمير المؤمنين، وقبره إلى جنب مسجد الميدان في شهارة المحروسة بالله مزور مشهور، وهو من ولد الإمام القاسم الحرازي من بيت شهير بالفضل والعلم.

[ورع الإمام واحتياطه]
فصل [في ذكر شيء من ورعه واحتياطه]: ولنذكر شيئاً من ورعه واحتياطه من ذلك أني لا أعرف أحداً في عهده وبعده من أولاده وأولاد عمه مثل السيد العلامة عبد الله بن عامر وقبله حي أخيه العلامة الفاضل أحمد بن عامر لم يأكل من بيت المال ولا من غيره إلا ما يملكونه وتر اهم يضعون طعامهم الخاص على الطعام العام وكل عما يره له أو لبيت المال أو لطريق أو مسجد أو منهل إنما يكون ذلك من نذوره، ومن ذلك أنه عليه السلام جعل في بيوته المباركة وبيوت أولاده طبقة مخازين لبيت المال [ق/485] في مقابل ما يأكله العمارون والسقاة من بيت المال، وأما الأجرة والآلة فمن نذوره عليه السلام ولقد أراد عليه السلام أن يجري ماء يجري على الباب الشرقي في الجامع المقدس من البركة وهو لا يمكن الصعود فجعل شيئاً يسمى شهافاً اخترعه على أنه يصعد الماء إلى أعلى، ثم يجريه إلى باب المسجد الشرقي ويعود البركة، فعمره وجعل له أنابيباً كباراً من مدر مخصوص لا يضره الماء والقضاض، ثم اعتنى فيه حتى ارتفع وما حصل المقصود ولا تم له ذلك فأخبرني حي ولده مولانا الحسين رضوان الله عليه أنه قضى ما أكله أهل العمل فيه من بذر ماله حتى أوفاه واحتاط بزيادة، وأما الأجرة فهي من نذوره وماله مطلقاً، وأخبرني رحمه الله أنه استغفر وقال ما حملني على ذلك إلا الشفقة بالمسلمين لأن ما في موضعنا هذا مثل المدائن غيول وأنه لم يكن له قدوة سبقه إلى ذلك وإنما تصوره لأنه كان يشرب من ركوة لها موضعين للماء كما هي عادة الركوة، قال: فكان يشرب الماء فإذا فتح فاه وأغلق أحدهما اجتمع

الهواء فأحس له حركة يشهف ما قبالته ثم جربه في التراب ففعل فأراد مثل ذلك، ومن ذلك تقديره النفقات حتى لا يمكن أن يبقى شيء ولا يحتاج المستنفق شيئاً وجعل المدخول عشر قوب والمخروج ست قوب، وفي هذه غاية الاحتياط والورع لأن السامع يقول ذلك من السياسة والتدبير وأخلق بها من مثله صلوات الله عليه، وأما الأكثر فللنفع العام فيكون ما صورته قوت شهر يكفي شهراً وثلثي شهر والأصغر لتعريف النفقة الكافية وقدرها والثالثة القدح في زاد المسافر وحصة ابن السبيل خمس قوب وأربع ويصل فيها رفيقه، واحتياط خليق بمثله عليه السلام لأن المسافر إذا بلغ وطنه وجب عليه رد الزيادة أو الصرف كما هو مقرر في مواضعه، ومن المعلوم في أهل العصر أنهم لا يفعلون ولهم حصة وقد يتضيفون وكان في ذلك الأقرب إلى مراد الشارع لأن ابن السبيل له حق في مال الله فإن حصلت الكفاية وجب عليه رد الفاضل أو صرفه وهو لا يفعل، والأغلب على ابن السبيل أن يستطعم أهل الطرقات فيطعموه وليس وراء هذا احتياط.

[وفاة الإمام القاسم بن محمد]
وأما وفاته صلوات الله عليه فتوفي لمضي ثلث الليلة المسفر عنها يوم الثلاثاء لاثني عشر يوماً من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وألف[16فبراير1620م]، ولم يكتم أمر موته صلوات الله عليه بل عرف الخاصة والعامة مرضه عليه السلام [ق/486] ولم يطل وإنما كان من ألم المسبع فطال فيه ثلاثة عشر يوماً أو أربعة عشر يوماً ثم توفي رضوان الله عليه، وكان قد أرسل لجماعة أهل الفضل الذين خارج شهارة المحروسة بالله مثل السيد الإمام العلامة شيخ العترة أمير الدين بن عبد الله رضوان الله عليه، ومثل السيد الفاضل العلامة عز الدين محمد بن علي بن عشيش الحوثي رحمه الله، ومثل السيد العلامة محمد بن علي الحوثي الحاكم بمحروس الظفير، والسيد العلامة المجاهد جمال الدين علي بن إبراهيم الحيداني وغيرهم.
وممن بعث إليه مع مرضه عليه السلام الحاج الفاضل المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض الأسدي، وأما الذين في شهارة المحروسة بالله فهم: السيد العلامة الفاضل العابد صلاح الدين صالح بن عبد الله المعروف بابن مغل الغرباني، والسيد الفاضل الزاهد محمد بن الحسن بن شرف الدين رحمه الله وأخوه السيد العالم المجاهد جمال الدين علي بن الحسن بن شرف الدين، والسيد الفاضل محمد بن عبد الله بن مغل الغرباني والسيد جمال الدين علي بن عبد الله العبالي، والسيد العالم الحسن بن محمد الشرفي أطال الله بقاه وأخوه السيد العالم الفاضل عبد الله بن محمد، وأما أخاهم شيخ العترة صفي الدين أحمد بن محمد رضوان الله عليه فكان مريضاً لم يحضر.

ومن الفقهاء سيدنا الإمام العلامة جمال الدين عامر بن محمد الذماري رحمة الله عليه وسيدنا العلامة شرف الدين الحسن بن علي العيزري رحمة الله عليه، والقاضي العلامة الأديب جمال الدين علي بن محمد الجملولي والقاضي جمال الدين علي بن محمد الروسي وسيدنا العلامة الفاضل عز الدين محمد بن عبد الله الآنسي المعروف بالغشم، وسيدنا العالم الأديب صالح بن عبد الله بن حنش رحمه الله والفقيه العالم الأمين عماد الدين ناصح المسلمين يحيى بن محمد بن حنش، والقاضيان العالمان الفضلان جمال الدين علي بن الحسين المسوري، وسعد الدين بن الحسين المسوري وولداهما سيدنا القاضي العلامة صفي الدين وبركة المسلمين أحمد بن سعد الدين ورضي الدين زيد بن علي بن الحسين، وكان مع صغر سنه كاملاً.

104 / 109
ع
En
A+
A-