[الإمام يشكو لمحمد باشا لمخالفات حدثت بعد الصلح]
وأما جهات آنس فإن السيد الشهيد الهادي بن علي الشامي رحمه الله دخلها من بني أسعد الأيام القريبة من عقد الصلح ثم تقدم هو والشيخ علي بن دهاق الدريدي وبنو الرؤية فأخبرهم الشيخ ناصر بن راجح وآغا من الترك وهزموهما في قاع آنس، وقتلوا من أصحابهما جماعة، وتقدما إلى الجمعة، فتقدم عليهم الأمير جعفر من العجم عن مشورة مشائخ آنس لأنهم خافوا أن تكون هذه البلاد في الصلح فلا يقدرون على هضم رعاياهم وطلبهم الأموال فهزموا [ق/476] السيد بعد أن أروه شدة واجتمعوا عليه، ثم اختل بني رؤية مع الشيخ ناصر بن راجح واستقام السيد الهادي في القارة وهو مضاهر لبني أسعد وبلاد الحجرة، وانعقد الصلح وهو هناك، وكان حي سيدنا العلامة الزاهد عز الدين بن محمد بن عبد الله الغشم نفع الله به مهاجراً في تلك البلد معيناً للسيد الهادي فقال: استقيموا وأنا أذهب إلى الإمام عليه السلام أعرفه أن بني قشيب لم يدخلوها إلا وقد عقد الصلح، ولما سار لحقه جماعة من بني أسعد لمثل ذلك، ودارت المكاتبة بين الإمام عليه السلام وبين الباشا في شأنهم وكان رأي الباشا المسامحة وإنما التحريض من مشائخ آنس لما سبق ولئلا يكون هؤلاء في نعمة وهم في ضدها، ثم إن الشيخ ناصر بن راجح ومن ذكر اختدعوا ابن الشيخ علي الدريدي على أنه يطلع صنعاء يكون شيخاً على قبيلته ورغبوه وضمنوا عليه ويقال: إن مع أهل الوسط في ذلك جعلاً، فلما وصل صنعاء كتب أهل الصلح والسيد عبد الله بن شمس الدين أن هذا الدريدي وصل فحذفوهم من كتاب الصلح ومع ذلك بادروا بالغزو
لبلاد بني أسعد فقتلوا منهم جماعة ونهبوهم واستولوا عليهم، وصاروا إلى الشيخ ناصر بن راجح وولده الشيخ مجلي، وعرف الإمام عليه السلام ذلك، ووصل بنوا أسعد شكاة إليه وعرف المصلحة العامة بالتستر بالصلح وكذا بنوا البدي من أسفال الشاحذية من جبل تيس كان عندهم الشيخ محمد بن صلاح البحش رحمه الله استدعوه فحفظ بلادهم وغزوا إليها مراراً وهو يردهم في أيام الخطاب ليدخلوا في الصلح، فلما كان منهم قضية بني أسعد ومع أهل كوكبان في بني البدي فأخذوهم أيضاً، وقالوا ذلك قبل عقد الصلح، وذلك بعد انعقاده بشهرين أو أكثر، والإمام عليه السلام ينظر في الأنفع للمسلمين ويكتب إلى الباشا محمد كما رأيت مسودة في بعضها بخط يده الكريمة ما لفظه: وبعد فإن هذا الصلح الذي شملت به نعم الله الأمة المحمدية وعمتهم بركته فإنها لو زالت الجبال الرواسي لم تحل منه عقدة ولا يزداد إن شاء الله على مر الليالي إلا جدة، وإذا وقع من طالبي الفتنة ما يغير علينا راجعنا صاحب الحل والعقد الكامل في السياسة الخاقانية الوزير الأعظم محمد باشا أدام الله له السعادة، وأرغم أعداءه وحساده، هذا وليعلم صاحب السعادة أن عنوان ما انطوى عليه هذا [ق/477] الصلح الميمون الذي هو بكل خير إن شاء الله مقرون، في صريح ألفاظكم الشريفة وعليه خاتمكم الكريم هو عندنا مشرفاً ومكرماً، قاطعون بأن لا تحل له عقدة ولا يزداد من لديكم مع مر الليالي والأيام إلا قوة، ولفظه: وما هو إلى جانب الإمام القاسم الذي يده مستقرة عليه وأصحابه فيه وتقرر تصرفه عليه، وذكر دام عزه عدة من الحدود والأطراف، فعرفنا وسكنت
نفوسنا أن ذلك كلام وكيل السلطان الأعظم -عز نصره- ومدبر مملكته وأنه لا يعتري ما وقع اختلاف، وكان في هذه الأيام من طالبي الفتنة اتباعاً لأهوائه أنه وقع منه تعدٍ في الحدود، وهذا الأمير علي بن شمس الدين غزا [هو] أصحابه بني البدي وقتل منهم قرابة الفقيه العابد الطارح للدنيا وأهلها محمد بن جابر، وأخذ عليهم ستين رأساً من البقر وهم منا وكان عند عقد الصلح والفقيه صلاح البريشي عندهم ومشائخهم هربوا من كوكبان قبل عقد الصلح في المحرم غرة سنة ثمان وعشرين وألف، وفرحان الكاشف قبض رجلاً من بيت مران، وبيت مران ومعازبية التي هي قريبة منه وبيت مران، هذا هو إلينا وتصرفنا فيه على سبيل الإستمرار يعرف ذلك كل أحد، وكذلك بنو أسعد في آنس أيدينا ثابتة عليهم وعاملنا يتصرف عليهم على سبيل الإستمرار، يعلم ذلك الخاص والعام وحاشا نائب السلطان الأعظم ومدبر ملكه أن يكون فيما وضعه أدنى خلل ولو استقصينا وقلنا وادي الشجر إلينا وحقبة إلى السلطان وحسمة إلينا، والشراعب وشوابة إلى السلطنة ثم كذلك لطال الشرح، هذا حيث كان العذر أن هذه الحدود لم تذكر في المسودة وقد سهلها الألفاظ الجامعة، ثم إن جماعة لدينا من جبر حجة أرادوا أن يتصلوا بأموالهم ويسلموا ما هو مقرر عليهم للسلطنة حسب الأغرام من جملة أصحابهم، فمنعهم الشيخ هادي الورد المعروف بالدش، وأخذ ما كان معهم في هذه الشديدة من العنب ومنعهم بالكلية هذه الأمور، وحيث أنهاها إلى مسامعكم الشريفة صيانة للقواعد الأكيدة. انتهى بلفظه وحروفه.
وتوفي صلوات الله عليه، واشتغل الناس بوفاته، ثم بالشدة الشديدة عن ذلك.
[دعوة السيد ناصر بن محمد صبح القاسمي]
ذكر ما كان من دعوة السيد ناصر بن محمد صبح القاسمي الغرباني عافاه الله في تلك المدة وما كان في صعدة في تلك الأيام، فإن السيد المذكور يقال أنه سأل الإمام عليه السلام عن الصلح فأخبره بالمصلحة وإنما هذا الصلح [ق/478] لاستقالة المسلمين وانتظار فرج من الله سبحانه وإلا فقد نقضه الترك بما فعلوه في بني أسعد وبني البدي، وقد تصور في نفسه أنه المهدي المنتظر ولاح له لوائح، وأمال فانسل إلى ذيبين ثم الحيمة، وأظهر أمره على القاضي يحيى بن أحمد المخلافي وهو والي أكثرها، ثم إن الإمام عليه السلام غضب وكتب رسائل توضح أنه خالفه ولم يكن ما هو عليه عن رأيه وأنه عاص باغٍ.
[رسائل الإمام لأهل الحيمة ببطلان دعوة ناصر بن محمد صبح]
(ومن الرسائل التي أرسلها الإمام عليه السلام في أمره في شهر محرم سنة تسع وعشرين وألف قبل وفاته عليه السلام بنحو شهرين أرسل بها إلى نواحي الحيمة من محروس شهارة محذراً ومعرفاً للناس ببطلان دعوى السيد المذكور بأنه المهدي المدعو به في آخر الزمان، وأن من أجابه فقد عصاه.قال عليه السلام:
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، المنصور بالله -إن شاء الله- كتابنا هذا إلى من وقف عليه من المسلمين، أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اعلموا رحمكم الله أن الإمام المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه يخرج في آخر الزمان، لزمانه علامات منها: ما رواه محمد بن علي بن أبي طالب أخو الحسن والحسين بني علي عليه السلام المعروف بابن الحنفية، قال: تخرج في آخر الزمان راية من خراسان، ثم تخرج أخرى ثيابهم بيض على مقدمتهم رجل من بني تميم يقال له شعيب بن صالح فيجتمعان بباب اصطخر فتكون بينهما ملحمة عظيمة، وتنظر الرايات السود، فعند ذلك يتمنى الناس المهدي، وفي رواية أخرى: يبعث السفياني خيله ورجله وجنوده فيبلغ غاية المشرق من أرض خراسان وأهل فارس، فيثور بهم المشرق ويقتلونهم ويكون منهم وقعات في غير موضع فإذا طال قتالهم بايعوا رجلاً من بني هاشم وهو يومئذ في آخر الشرق فيخرج بأهل خراسان على مقدمتهم رجلين من تميم مولاهم أصفر اللون، قليل اللحية، يخرج إليهم في خمسة آلاف فإذا بلغه خروجه بايعه فيسير على مقدمته لو استقبلته الجبال لهدمها، فيلتقي هو وخيل السفياني فيهزمهم، ويقتل منهم مقتلة عظيمة فلا يزال يخرجهم من بلد إلى بلد حتى يهزمهم إلى العراق، ثم تكون بينه وبين خيل السفياني وقعة، ثم تكون الغلبة للسفياني فيهزمهم فيقتل منهم مقتلة عظيمة ويخرج الهاشمي، ويخرج شعيب بن صالح [ق/479] مختفياً إلى بيت المقدس يطوي للمهدي منزله إذا بلغه خروجه إلى الشام.
وعن بعض أهل العلم قال: بلغني أن هذا الهاشمي أخو المهدي لأمه، وقال بعضهم: هو ابن عمه لا يموت يعني من الجراحة ولكن بعد الهزيمة يخرج إلى مكة فإذا ظهر المهدي خرج معه، وعن علي بن أبي طالب قال:يخرج قبل المهدي رجل من أهل بيت المهدي يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر يقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس، وعن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إلينا مستبشراً نعرف السرور في وجهه فلما سألنا عن شيء إلا أخبرنا به ولا سكتنا إلا ابتدأنا حتى مرت فئة من بني هاشم فيهم الحسن والحسين عليهما السلام، فلما رآهم عمر هم وانهملت عيناه فقلنا: يا رسول الله ما لنا نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟ فقال: ((إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً في البلاد وتشريداً حتى ترتفع رايات سود من المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فمن أدركه منكم أو من بعدكم فليأت إمام أهل بيتي ولوحبواً على الثلج فإنها رايات هدى يرفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)).
وعن جابر بن سعيد الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى أمارات أذكرها لك إن أدركتها، أولها: اختلاف بني العباس وما أراك تدركها، ويكون حدث بعدي وينادي منادٍ من السماء ويحكم الصوت من ناحية دمشق ويخسف بقرية من قرى الشام تسمى الجائفة، وتسقط طالعة من جانب مسجد دمشق الأيمن ومارقة تمرق من الترك وبعضها هرج الروم وينزل الترك في الجزيرة وينزل الروم الرملة فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كل أرض، وتختلف في الشام ثلاث رايات راية الأصهب وراية الأبقع وراية السفياني ومن معه، ثم يقتل الأصهب، ثم لا يبقى لهم هم إلا الفرار نحو العراق، وتمر جيوشه بقرقيسيا فيقتلون بها، فيقتل من الجبارين سبعون ألفاً فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبيناهم كذلك إذ أقبلت رايات خراسان تطوي المنازل طياً حثيثاً وهم من أصحاب المهدي فيخرج رجل من موالي أهل الكوفة في صفها فيقتله أمير جيش السفياني بالبيداء فينادي [ق/480] منادٍ من السماء يا بيداء أبيدي القوم فيخسف بهم فلا يفوت منهم إلا ثلاثون نفراً يحول الله وجوهم إلى أقفيتهم وهم من كلب، قال: فيجمع الله للمهدي أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً يجمعهم الله على ميعاد قزعاً كقزع السحاب فيبايعونه بين الركن والمقام، قال: والمهدي يا جابر من ولد الحسين.
إذا عرفتم ذلك فالشريف ناصر صبح ليس من ولد الحسين عليه السلام وإنما هو من ولد الحسن وليس اسمه محمداً ولا أبوه عبد الله، وإنما هو ناصر بن محمد صبح من ذرية الشريف مكنى حسني النسب، وهذه العلامات التي قدمنا تظهر قبل خروج المهدي لا قد رأين ولا سمعنا منها بشيء، وناصر صبح ما دعا بين الركن ومقام إبراهيم عليه السلام وإنما خلع ربقة الإسلام من عنقه في مخالفته لإمام زمانه كما ورد ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالف ما أنزل الله حيث يقول: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً}، لأن الصلح أنفذ وهو معنا وفي جوازنا، فالصلح شامل له ولجميع من دخل من المسلمين في جانبنا، وهذا من الكبائر وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يؤتم بمثله كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه)) ومنها أن بعض المسلمين يترافع إليه هو وبعض اليهود ليقضي بينهما بما أنزل الله فأوجب الشريف ناصر هذا على المسلم البينة فأتاه بجماعة من المسلمين فقال: زد على هؤلاء الشهود غيرهم فأتاه بغيرهم، فقال: لا تطالب فقد اشتريت المال الذي تنازعتما فيه وهذا حيف وظلم عظيم فكيف يكون هذا من أئمة المسلمين، وهذا القصة اتفقت سنة سبع وعشرين وألف وليست ببعيد، ومما قد أخبر جماعة من المسلمين أنه إذا لاح له شيء من أموال المسلمين وثب عليه وثوب ذئب قرم لا من ذلك حياء من الله ولا حياء من مخلوق، وله أعمال غير صالحة، رحم الله امرءاً خالف هواه واتقى ربه، وأصاب الله من كان صبح إمامه وأصاب من اتبع هذا الضال، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته، بتأريخ شهر محرم الحرام سنة سبع وعشرين وألف) .
ثم أرسل إلى القاضي (يحيى بن أحمد المخلافي) خادمه سيلان الظفاري فلما وصل إلى القاضي وكان إذ ذاك في العر من الحيمة أمر معه جماعة من المخلاف على أنهم يضيفونه ويكون هنالك حتى يلحق به، ثم أمر الرتبة في يناع أن يطلعوهم للضيافة فإذا دخل الحصن حبسوه، فلما فعلوا وصار في الحبس طلع [ق/481] رسول الإمام عليه السلام فقيده في الحصن، وبقي في الحبس أياماً يسيرة واحتاج القاضي ذلك الدار لطعام يدخله إليه، ونقله إلى مكان قريب من الحيد فكسر القيد وهرب إلى بيت عجل من بني السياغ فالتفت إليه كثير من الناس وكان يؤثر واعتقد فيه كثيرون لأجل هربه من الحبس، وسألت أصحاب القاضي فقالوا: إنه رأى القيد اكتسر حال ضربه فستره، فكان سهلاً لأجل ذلك ولا بد من نأتي من أخباره بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى.