[رؤيا بشأن الحسن بن الإمام القاسم]
وحيث قد ذكر الحسن رضوان الله عليه ووالده صلوات الله فلأذكر رؤيا رأيتها مرتين في تلك المدة.
الأولى: بعد الهزيمة من قدم وبني حيش، وقد أمسينا في عتاد من بني بلاد الجبر وهي أني رأيت كأن ما بين وادعة وحوث إلى صعدة قاع صفصف وإذا قد طلعت الرايات تقصد جهة صنعاء وتحتها قوم كثير من العرب على أنواعهم وجهاتهم المتفرقة، ثم الهند على لباسهم وراياتهم خضر، وفيهم الترك ثم عبيد بلباس الحبشة، ولهم رايات وخيل مختلفة اللباس وهم يقولون هم تقدمة الإمام الحسن، فقلت لمن رأيته وعرفته وهو القاضي علي بن أحمد بن أبي الرجال وقد رأيته فيهم ولا عرفت غيره من هذا الإمام الحسن، وفهمت أنه الإمام الحسن بن علي بن داود سلام الله عليه فقال: لا هذا سيد من أنصار الإمام وليس بإمام أتعرف السيد قاسم بن نجم الدين من جبل ذري وهو من أهل الفضل قلت: نعم قال: هو في سنه، وسمعتهم يقولون [ق/471] لا يزال حتى يحطوا في النجد الأحمر ولا أعرف النجد الأحمر قبل هذه الرؤيا، وكان ذلك في عام سبع وعشرين وألف، وكان ما سيأتي إن شاء الله تعالى من اجتماع هذه الطوائف تحت راياته رحمه الله تعالى وخروجه من صعدة.

الرؤيا الثانية: وكنت في الحمزي وقد قل الناس ومل أهل الجهاد وفي النفوس كثير من ضيق الحال والخوف على المسلمين حتى لقد عرض وادعة وغيرهم أن الإمام يتأخر من وادعة إلى حوث وهو في النحيد من بلاد المقابلة فصليت في أول الظهر وخفقت على السجادة وأنا مستلق فرأيت رجلاً داخلاً علي من باب المسجد عظيم اللحية يعني جسيمها وهي ممتدة إلى أسفل صدره، لابساً صوفاً ليس عليه عمامة وإنما عليه قلنسوة من صوف أسود وقد علاه الشيب وعليه هيبة، وفي يده عمودان دقيقان من حديد على مثل الرماح الدقاق طولهما نحو من عشرة أذرع ولم يقع في نفسي شيء منه من الهيبة لأجل الأنس منه، ثم خلفه رجل على مثل صورته ولباسه إلا أنه أقصر منه قامة، وليس في يده شيء من الحديد، وكأنه خادم للأول فاستحييت من سؤال الأول من هو فسألت الآخر؟ فقال: هذا هو الإمام الهادي إلى الحق يعني يحيى بن الحسين صلوات الله عليه فوقف الأول حتى كانت قدماه حذاء خدي، وقال: أنا الإمام الهادي أو قال جدك الهادي -السهو مني- فجعلت فمي على قدمه، وقلت: يا مولانا أليس معنا إمام ولا يصح إمامان في مذهبك؟ فقال عليه السلام: أنا مغير على الإمام القاسم الذي في وادعة فقلت لعله القاسم بن جعفر رحمة الله عليه فقلت: الإمام القاسم بن جعفر، فقال الإمام القاسم بن محمد إنما هو ولدي وهذا الحديد أضرب به أعداءه يا صرارتاه، ويا عمراناه، ويا صنعاتاه، ويا يمناه بهذا اللفظ فاستيقظت وقد استبشرت فما عقب ذلك إلا الصلح، وأخربوا محاطهم بأيديهم، وقد كانوا عمروها وغرسوا فيها الغروس كما بلغ. والله أعلم.

وبعد طلوع الإمام عليه السلام شهارة المحروسة بالله بنحو عشرة أيام أو أكثر وصل مولانا الإمام الحسين رضوان الله عليه من الظفير وقد اجتمع معه عسكره وكانوا مع أهل الظفير ومن سار بسيرته نحو ألفين بالسلاح الحسن والهيئة التي قل مثلها في ذلك الزمن، وكان لوصوله بتلك الهيئة الشأن العظيم، والذكر الفخيم الذي شرح صدور المؤمنين وأوغر قلوب المعاندين، ووصلهم الإمام عليه السلام بالصلات الواسعة، والحمد لله رب العالمين.
وقبل عقد االصلح وإقبال الجدب على المشارق طلع النجم ذو الذنب [ق/472] المشهور وصفته أنه طلع نجم مع الفجر له رأس كالسنان المرتفع، وله نور يطلع قبله، ثم لا زال يطلع حتى انتهى إلى نحو ثلث السماء أو يزيد وهو يطلع قبل الفجر نوره في كل يوم حتى انتهى إلى ما ذكرناه، ثم طلع بعد أيام نجم أصغر منه من فوقه وطال نوره نحو اً من منزله وأقل وبقيت هذه النجوم آية يشهدها العالم، وسئل الإمام عليه السلام وكان من جوابه مما رأيت بخط يده الكريمة أنه ذكر ما هذا مثاله:

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، ذكر في كتاب (عقد الدرر في أخبار المنتظر المهدي عليه السلام) من نسخة قديمة قال في آخرها: تم الكتاب بحمد الله ومنه وحسن توفيقه بالقاهرة المغربية وذكر كاتبها إلى أن قال: بتأريخ يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة أربع وعشرين وسبعمائة عن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما قال: لا يخرج المهدي حتى تطلع مع الشمس آية. قال: أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسيين البيهقي وقال في هذا الكتاب: وعن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: إذا بلغ العباسي خراسان طلع بالمشرق القرن ذو السنين وكان أول ما طلع هلاك قوم نوح حين أغرقهم الله وطلع في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في النار، وأهلك الله النمرود بن كنعان وحين أهلك الله تعالى فرعون ومن معه، وحين قتل يحيى بن زكريا عليه السلام وسلط الله على قاتله بخت نصر، قال: فإذا رأيتم ذلك فاستعيذوا بالله من الفتن، وذكر في سياق طلوعه كسوف الشمس والقمر، قال: ثم لا يلبثون حتى يخرج الأبقع بمصر، قال: أخرجه أبو عبيد نعيم بن حماد... تم ذلك.

وكان قد ضعف أهل وادعة من الجدب وخاف الفضلاء على الإمام عليه السلام وعرضوا عليه الخروج إلى حوث كما تقدم فلم ير ذلك، وسمعت في تلك الأيام من غير واحد أنه خرج ليلة يتفقد المساكين على عادته فسمع طائراً يصوت فقال: معنا في هذه الليلة غدر أو نحو هذه الكلمة، ثم أخذ يفتش مواضع حتى وجد تحت مرقده عليه السلام باروتاً كثيراً قد دسه العجم وشياطين العرب على أنه يحرقونه في الليل فأخذه إلى المخزان وأمر بعمارة الموضع وجعل بابه إلى البيت الذي هو فيه، فرأيت الباب معموراً وكنت أعرفه مفتوحاً.

وأخبرني السيد الفاضل قاسم بن حمزة الغرباني أطال الله بقاه أن هذا التفتيش من الإمام عليه السلام [ تورية فأنه أخبره من أبدت اسمه] وكان يختلف إلى حي الأمير [ق/473] علي بن المطهر بن شويع الحمزي فقال إنه طلبه أمير الأتراك المسمى شالق مصطفى وقال له: هذا الإمام لا نقدر على حربه ولكن قد فعلنا من يحرقه في هذه الليلة بالباروت ونعتقد في الأمير أنه يحبهم في الباطن، قال: فأجابه الأمير بأن هذا الصواب وأظهر الفرح، ولما خرج من عند الأمير طلب هذا الراوي وقال: هل فيك خير؟ قال: نعم، قال تسير هذه الساعة وقد كان وجه ليل إلى الإمام فما تدرك منه إلا ما قدرت عليه وأخبره بمقالة الأمير فأغار مسرعاً فوصل والإمام عليه السلام في بقية أعمال فاستدعاه من عند أصحابه وأخبره، قال: فأخبره أن الإمام عليه السلام عرف ذلك فلم يستقم حتى يخبره بتمام الخبر، بل خرج موضع آخر وأمر بالمحراس، وكان ما كان من أخذ الباروت، وكان الإمام عليه السلام أمر قبل عوده من وادعة بالإستسقاء فلما حضرت الصلاة هم بالخروج، ثم رجع وأمر السيد صالح بن عبد الله نفع الله به فحصل مطر غزير في البلد التي كانت فيها الصلاة والإستسقاء، وبلغنا أنهم سألوا الإمام لم لا تحضر وقد هممت بالخروج؟ فقال: خشيت على الناس أنه إذا لم يحصل المطر يقنطون لما قد خالطهم من الشدة وإن مطروا غلوا ووقعوا في أمر عظيم من القنوط أو كما قال صلوات الله عليه، وكان قد عدم الماء في شهارة حتى في بركة الجامع المقدس مما أخبرني بعض الدرسة في الجامع أنه لم يجد ما يسقي به الدَّواه وإنما سار إلى الناصرة يطلب من

هناك وعظم ذلك، ثم إنها وصلت كتب من السيد الزاهد العلامة شيخ العترة الحسن بن شرف الدين رضوان الله عليه يقول للإمام: بادر بالوصول عسى نمطر ونسقى ببركاتك ثم أكثر من ذلك فعزم الإمام عليه السلام على الإرتحال وكانت طريقه سوق الثلاثاء من أعمال المسارحة بعد صلاة الجمعة في شهر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وألف[إبريل1619م].
قال السيد الفاضل العلامة محمد بن الحسن بن شرف الدين: رأيته عليه السلام في المصلى يقبض من الطين وينظر فيه وطول عهده بالجدب فرأيته يدعو ويحرك شفتيه وهو يقلبه بيده، وكان العسكر فيما أحسب ثلاثة آلاف أو أكثر من غير أهل البلاد ومن وفد من غيرهم من آنس وبلاد حراز، وبلاد الشاحذية للأسباب الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى، فلما حاذى شرفة المواطر وقد تقدم إلى المسارحة مولانا محمد عليه السلام يهيئ أماكن وما يحتاج إليه الإمام عليه السلام والعسكر، وأقبل مطر ما قد عهد في تلك السنة حتى لقد ألجأنا وكنا بالقرب من الإمام عليه السلام إلى سقاة كبيرة أظن درجها [ق/474] يجاوز العشرين الدرجة كانت متعطلة فامتلأت وبقينا بين الماء، والإمام عليه السلام قد لجأ إلى الجبل ولا أدري فيما اكتن من المطر، فلما ارتفع المطر وإذا هو لم يتجاوز الحازة ولم يصل شهارة ولا غيرها، ثم في اليوم الثاني تقدم مولانا محمد إلى نجد بني حمزة ولما انحدر الإمام عليه السلام من قرية المسارحة وصار في آخر العسكر وإذا بقائل يقول: هذا سيدنا عبد الرحمن المنتصر العشبي وصل من كوكبان، وكان من الأسرى هناك فنزل الإمام عليه السلام ونزل الفقيه وهو على بغل من أهل

كوكبان أعطوه إياه ليركبه مع عزمه ويعود عليه هادي بن مبارك قائد عسكره، ولما رأى الإمام عليه السلام عينه قد ذهبت بكى ودمعت عينيه، فبكى الفقيه وترامى على قدميه وهو يدعو له، والفقيه يقول: قليل ذلك في محبتكم أهل البيت، ولما وصل عليه السلام شهارة المحروسة بالله وقد لبس ثوباً من شواذر الشرف وفرد قميص من بز الشرف وعمامة (من بز الشرف) أيضاً وعباءة منكساً متواضعاً وقد تلقاه الشيوخ من أهل شهارة مثل السيد الفاضل العلامة الحسن بن شرف الدين، وسيدنا العلامة عامر بن محمد رضوان الله عليهم وغيرهما من الشيوخ والصغار، وفي أول العسكر مولانا محمد عليه السلام وأمراء العسكر، وكان يوماً مشهوداً، وشريت القرية الماء بفوق سبعة كبار مما يأتي به السقاة من الغيول الخارجة عن شهارة المحروسة بالله، وكان الإمام عليه السلام خرج من شهارة إلى عيان وبعض الجامع لم يتم تنضيد الحجارة في الشمسي، ومطاهير الجامع لم تكن كما هي الآن بل كانت دون ذلك وسقوفها خشباً وتولى تمام ذلك الفقيه الفاضل عماد الدين يحيى بن محمد بن حنش وكان يحضر معه سيدنا عامر رحمه الله فتم ذلك على أحسن حال، وكانت طريقه صلوات الله عليه الجامع فصلى فيه ركعتين وأغلقت الأبواب عليه وعلى من معه في الجامع، وكنت شاهد ذلك، ثم طاف فرأى الصرح موافقاً فدعا للفقيه يحيى كثيراً، ثم نزل البركة ورأى كذلك ولا فيها قطرة من ماء فرأيته سلام الله عليه تغير وجهه حتى هبته وكذا غيري، وعاد مسرعاً إلى قبلة الجامع والدموع تسيل على خده الشريف، واستقبل القبلة ودعا بما شاء الله ونحن صفوف نؤمن على دعائه، ثم

خرج من الباب الشرقي وصعد داره السعيد، ومعه الفضلاء وصغار أولاده، وأولاد أولاده، ومولانا محمد عليه السلام والسادة أمراء العسكر في الميدان يرصدون العسكر وينظمون لهم [ق/475] مواضع وإذا الهاتف بالأصوات المرتفعة يقول لكم الإمام عليه السلام: بادروا بالخيام وأخرجوا مضرباً وخياماً غيره، ثم شرعوا يصرفونها والهاتف من الإمام بادروا قبل المطر فما كان أقرب من حدوث غيث هني، فلجأ العسكر إلى الجامع ومنازل الدرسة والمطاهير والمساجد فلم يصل الظهر إلا في المطاهير السافلات، ثم تتابع المطر حتى صلينا العصر في الواسطات، ثم ما صلينا العشاء الآخرة إلا والمطر في أعلى البركة ويفيض منها وقد عم المطر شهارة وما حولها، وكان يتردد المطر الغزير من دعائه عليه السلام سبع مرات مما عددته وغيري والحمد لله رب العالمين.

[المناطق التي شملها الصلح التابعة للإمام القاسم]
فصل: ولنذكر البلاد التي وقع الصلح عليها: غربان، وعشم المسيجد وبني مالك من وادعة وبني عتمة وادعة وبلاد بني قيس وبني صريم، ثم مرهبة والصيد وبني جبر وبلاد بني زهير إلى حدود بني جرموز وإلى حدود بلاد نهم وما وراءها إلى جهة المشرق والشام جميعاً وجهات شظب المقعد وما إليه، والموسم وما بعده من بني موهب والجبر من شظب وما وراءه من بلاد عفار هجرة وكية فقط، وجبل نيسا والظفير وما وراءهما من بني جديلة وبني حمار والشرفين، وغير ذلك.
وأما جهات الحيمة فمن بني مطر بلاد الثلث والحدب وبني سوار جميعه والأيازل فإن للعجم بني سليمان أجمع وما وراه وبني السياغ العارضة إلى الإمام عليه السلام مع الحيمة، وأعلى بني السياغ للعجم والأجبوب كله إلا المسانية أصحاب الشيخ علي المنامة، وبني النمري جميعاً إلا ردمان للإمام عليه السلام، والحيمة والحجرة وعانز للإمام عليه السلام.
وأما حراز فحصبان وحلفاهم الشافعية مثل جبل بني إسماعيل وبني حسن وبني سعد إلى الإمام عليه السلام وحصن مسار وبلاده إلى الإمام عليه السلام وبلاد الثلث ومن إليهم.

102 / 109
ع
En
A+
A-