صلاة الجمعة، وقسمت الرايات وزحف الناس حتى كانوا في أسفل الجبل وجعل أهل البنادق البالغة وثقال الرجال صفاً واحداً، ثم طلع في الجبل وفعل صفاً ممن هو بعدهم ثم طلع في الجبل وفعل مثل ذلك، ثم تقدم مع باقي الجيش للحملة على محطة أميرهم وقد جمع عدو الله أصحابه على عادته وكانوا زهاء على خمسة آلاف، وقد تحصنوا في البيوت وذروة الجبل، ثم حملوا على المجاهدين فهزموهم حتى ألجوهم إلى المركز الأول من الثلاثة، وصالت فيهم الرجال ورمتهم البنادق ثم هزموا المجاهدين إلى المركز الثاني وثاروا فيهم كذلك ثم الثالث واستقامت الصفوف وكان أمر ليس بالهزل حتى دنا الليل وقد عجز العجم عن حمل جرحاهم، فعادوا والجنود الإمامية ملاحمون لهم حتى أدخلوهم المحطة وقد قتل من الظالمين فوق ثلاثمائة نفر واحتزوا منهم نحو سبعين رأساً، وعلى الجملة إنه لم يبق منهم خُبرة لم يقتل منهم أو يصاب فاشتغلوا بذلك وقد أيس المحتازون وخاطبوا وقد لقوا شدة وكادوا يأخذونهم قبضاً بالأيدي، وغيروا عليهم الماء بأن طرحوا إليه الدجر واقتلعوا بعض سور الحصن فظهر للعجم ضعفهم [ق/463] فحملوا من أكيد الحراسة سهلاً لذلك ولأنهم قد خاطبوا وطلبوا الأمان، ولما عرف الفقيه قاسم أصحابه اشتغال الترك عنهم بما هم فيه وبما يظنونه فيهم سلوا سيوفهم واقتحموا شرطة ومن فيها فهزموهم وقتلوا منهم، وخرجوا سالمين وهم أعرف بشعاب الحصن ولم يقتل منهم إلا أربعة أنفار أحدهم الفقيه صلاح بن علي الآنسي وعامر الحبسي العمراني وآخرين خفي علي أسماؤهم فما وصل آخر من كان في الحرب العمشية إلا وهم معهم، وكفاهم الله ذلك
الهول، وضربت الطبول والأرياح وأوقدت النيران بشارة بخروجهم، وأخذ أعداء الله الندم وهلاك من تقدم منهم، وفي سائر الأيام الست تكون قريباً من ذلك، ولما وقع هذه الحرب أيس الترك أخذهم الله من الطمع في بلاد الإمام عليه السلام ولم يكن بعده حرب مما يعتد به حتى تم الصلح والحمد لله رب العالمين.
[أخبار البلاد قبل الصلح]
فصل نذكر فيه الصلح وكيفيته وما تعقبه من وفاته صلوات الله عليه وسلامه فإن المشارق خصوصاً أجدبت وامتنع عنها المطر وكان أعظمها جهات خولان العالية فإنه لما جرى منه ما تقدم من نقض العهود بعد توكيدها، وكان ربما يظهر في المحافل الإستهزاء بالإمام عليه السلام لما يرون من عطاء العجم الواصل إلى بيوتهم من غير مشقة، وكان أول من سارع إلى نقض طاعة الإمام عليه السلام بنو سحام، ثم تلاهم بنو شداد وكان بنو جبر آخر من صار إليهم إلى جبال اللوز وصاروا محاطاً، وهذه من مكائد محمد باشا ودسيسة شياطين العرب، فجعلوا ناموس التقدم لأول سابق إلى طاعتهم مثل بني سحام وقدموهم على بني جبر وقدموا بني شداد على بني جبر في العطاء وديوانه لأجل سبقهم، فعظم ذلك على بني جبر ولهم عادة في التقدم على خولان وغيرهم وكثرت الإحن بينهم حتى أن كبراءهم كانوا يعسكرون بهم في جانب محطة العجم، ويجعلون نياراً مرتبة، ويلعبون على النار ويشعرون فذكروا بنو سحام بني جبر معرضين بهم لأخذ التقدم فحمل بعض بني جبر الغضب أن رمى شاعر بني سحام إلى عند النار فقتله، وثار الحيان يقتتلان، فقتل من هؤلاء وهؤلاء جماعة، ثم خرج عليهم جنود العجم فطردوا الفريقين من المحطة وقامت الخصومة بين خولان حتى كادوا يتفانون ووصل البلاء وانقطعت أرزاقهم من الأرض، ومع الصلح انقطعت عنهم مواد العجم واستخفوا بهم وأهملوهم ونزلوا المغارب، وهلكوا في أسواقها وطرقها حتى لقد روي ممن أذلهم الله أن منهم كثيراً ركبوا البر [ق/464] إلى الحبشة لطلب القوت.
وأخبرني رجل من أهل الحيمة قال: كان عندنا الشيخ نشوان أبو عريج السحامي ضيفاً في بعض بيوتنا فإذا دوشان من المداحين يتكلم من خارج البيت فقلنا: أخرجوا لهذا طعاماً فنظر الشيخ نشوان ذلك من حيث لا يراه، قال فرجع علينا وقد تغير كثيراً وحولق واسترجع فقلنا: ماذا يا شيخ؟ قال: هذا فلان من سلاطين بديدة بني جبر قد حمله الجوع والحاجة أن دخل مع هؤلاء ويظن [أنه لن] يعرفه أحد في هذه الأرض فلو يعرف أني قد رأيته وعرفته قتل نفسه، قال فسارعنا بأن أعطيناه شيئاً وسيرناه لا يعرف أبا عريج عندنا ومما سمعته فيهم من مولانا الإمام عليه السلام أني بعد الصلح استأذنته لزيارة أهلي إلى بني جرموز، فلما عدت إليه سلام الله عليه سألني عن المشارق فحملني ما شاهدت من أحوالها أن قلت صالحة من الشمس والريح، وأما المطر فلا عهد لها به فاستعادني فعدت عليه وكان منبطحاً فقام واستوى جالساً ثم نادى السيد العلامة صالح بن عبد الله وعنده غيره، وسيدنا العلامة عامر بن محمد رحمة الله عليه وقال: يا سيد صالح اسمع ما يقوله الشريف ثم وضع كفه الطاهرة علي، وقال: أخبره عن خولان يا بني أو كما قال، فأعدت عليه فرأيته بعد أن كان متبسماً قد أغضب، ثم قال خذلوني وكذا فسلط الله عليهم الجوع الأغبر، والموت الأحمر، ثم كرر ذلك وقال فيما بين ذلك وهم يقدرون على نصرتي وإنما جعلوني كذا يأكلون بي من الترك أو كما قال، فرأيت سيدنا عامر رحمه الله ينظرني مغضباً لما وقع من بركات دعاء الإمام عليه السلام وأولاده فيهم والظواهر مثلها، والبلاد الإمامية يعني مشارقها أقل وارتفعت الأسعار،
وكاد الطعام يعدم في كثير وكان الأمداد في أكثرها من المراتب من شهارة المحروسة بالله، ثم إن عساكر العجم ضجروا وطلبوا ما لا يعتاد حتى لقد اضطربوا مراراً وهموا بقتل باشتهم وأخذوا منه مالاً وأغضبوه، ثم إنه كان في بلاد الحجرية وبلاد المعافر أمير يسمى الأمير علي الشرجبي كان إليه ولاية تلك الجهة وقطع طريق عدن إلى تعز وطريق المخا من طريق موزع، وعظم أمره وقد وجهوا لحربه الأمير محمد الزوم وغيره من ولاة العجم في اليمن فهزمهم وقتلهم واستفحل أمره حتى قلت المواد على هذا الباشا مع اضطراب العسكر عليه والسنة الشهباء في المشارق وبلاد صنعاء.
وأخبرني الفقيه علي بن محمد الكاتب من أصحاب الأمير صفر وقد صار إلى الإمام [ق/465] عليه السلام أنه كان في بلاد الروم مع الأمير صفر، وأنها وصلت كتب محمد باشا تشكى من حروب اليمن وأن الإمام كاد يستأصله وأن الأمير الشرجبي من خلفه تقطعه وطلب الأمير صفر لاشتهاره في حروب صعدة ونواحي اليمن فأرسلوه وجعلوا له مدينة تعز وبلادها ولاية وبلاد الحجرية، فخرج بمحطة من الروم إلى اليمن وحارب الشرجبي نحواً من سنتين ولزمه صلحاً بعد صلح الإمام عليه السلام في سنة أو سنتين وبقي في حبسهم حتى قتله فضلي باشا.
[أسباب الصلح]
نعم، فتوسط في الخطاب للصلح الأمير علي بن المطهر بن الشويع كان إذذاك في خمر وكذا الأمير شالق مصطفى والأمير محمد بوتج المخيم في السودة، وبلغني أن الإمام عليه السلام هادى المذكورين، وبذل لمن أعان على الصلح وقد شاهدت الجمال تحمل لهم أرزاً مقشوراً كثيراً وسكراً وقشراً من أملاكه سلام الله عليه، وبلغني من كثير من الأصحاب ولم أسمع ذلك من حي السيد صلاح الدين صالح بن عبد الله الغرباني نفع الله به، أنه قال قبل وفاة الإمام عليه السلام قلت للإمام: أراك تبذل الرغائب في الصلح وقد عالجوك فيه مع وصول محمد باشا فلم ترض والآن تطلبه أو كما قال، وقال عليه السلام: الأولى أني رأيت أن أختم عمري بالجهاد وتنغيص دنيا الظالمين، ولما رأيت قد تفاقم وظننت قرب أجلي خفت أن يحدث بي الموت وأمور الإسلام على ما ترى فلا يتمكن أهله من النظر ويحصل في الإسلام ما يحصل، فرأيت المسارعة حتى ينتزح الترك عنا وفرج الله قريب أو كما قال، وحيث ذكرنا الملجي لمحمد باشا من الأسباب لطلب الصلح فلنذكر طرفاً مما كان عليه الإمام عليه السلام من الشدة فإن المشارق وأكثر المغارب ضعفت كما سيأتي إن شاء الله تعالى، واحتاج الإمام عليه السلام المعاون الكثيرة وقل المدد والتاث إليه كثير من الضعفاء، وله في تفقدهم بنفسه وإيثارهم بما عنده ما يطول كما قال القاضي الأعلم جمال الدين علي بن الحسين المسوري رحمه الله في المرثية الآتية:
إذا قدموا يوماً إليه طعامه .... يقول أما غير له اليوم آكل
ولقد سمعها مني بعض أصحابه فبكى وقال: كان ذلك كذلك.
وأخبرني القاضي الأعلم وجيه الدين المهدي بن سعيد الهبل عافاه الله أنه أخبره حي السيد الفاضل عبد الله بن شرف الدين العاهمي من المدائر أنه وصله في تلك الأيام خط من الإمام عليه السلام بخط يده الكريمة أنه لا يجد غداء من عنده في النجيد وأنه إذا لم يحصل لهم غداء [ق/466] انفضت المراتب وحصل الخلل العام فأقرضنا ما نجد من الطعام أو اقترض لنا، وأعيذك بالله أن تخيب ظني فيك، وأن يعود رسولي من غير شيء فيحصل الخلل العام وأكثر من ذلك، قال ومعي في مدفن ثمرتي كلها أربعين كيلة ثلوثي لا يزيد عن ذلك ولي عول ومن لا يعذرني، فهممت أن أقسمها نصفين فيكون لي نصف، وله عليه السلام نصف، فرأيت ما تشدد في كتابه وأنه إذا لم يحصل شيء انهزم المركز أو كما قال، فقلت وقد غالبت نفسي لأوثرنه على نفسي وأولادي بهذا كله وأكثر ما يكون أبيع المال في النفقة أو أسير بعيالي المغرب، وحملت ذلك كله في الليل ولم أترك شيئاً، وأقسم القاضي عافاه الله أنه أقسم له أن الله فتح علي أبواب الكفاية في تلك السنة ولا نقص عليه حال وأن المال الذي كان غلته في أخرف أربعين كيلة استمرت في كل عام الحاصل منه أربعمائة كيلة فكان ذلك أضعافاً، ثم بعد ذلك غرسها السيد المذكور بناً واكتسب إليها، فكان من أكثر أهل بلده مالاً وأحسنهم حالاً، وكان يقرض الإمام المؤيد بالله رضوان الله عليه حتى لقد كان يسميه مخزاننا فإنه في بعض الشدائد كما سمعت ذلك أرسل إليه بألفي حرف في ليلة واحدة، وفي أيام عقد الصلح بلغ الإمام أن كثيراً من أهل بلاد الشرف استقبل المعاون فإن الحاجة دعت إليها حتى لقد رأيت
الإمام المؤيد بالله سلام الله عليه يقضي بعض أهل الشرف في أواخر أيامه مما أقرضوا مولانا الحسين رحمه الله في تلك المدة، فأرسل الإمام عليه السلام رسالة تقرأ عليهم [..............].
[ق/469] ثم إن الإمام عليه السلام أرسل السيد الأكرم فخر الدين عبد الله بن شمس الدين بن الحسن الجحافي، وكان من أهل الكمال ومعرفة الخطاب إلى صنعاء لعقد الصلح وتحديد البلاد وتحليف الباشا ففعل، فلما بلغ الإمام عليه السلام ذلك وقد تواعد هو والعجم أن محاطهم ترجع صنعاء ومحاطه ترجع شهارة المحروسة بالله في يوم وأحد وكنا في مرتبة الحمراء من أعمال مرقص فما راعنا إلاوقد عاد العجم كلهم صنعاء وهدموا أملاكهم بأيديهم، والإمام عليه السلام انحدر إلى درب الأمير المعروف بيت القابعي [وكان قد جعل فيه مخازين الأرز ولم يعمر كثيراً] ، واجتمعت إليه المراتب كلها حتى كانت جموعاً هائلة، ثم اشتغل عليه السلام بتمام قواعد الصلح وتحديد البلاد وأطلق من عنده من الأسرى وكانوا فوق أربعمائة؛ لأنه كان قد خرج بعض منهم ومات بعض وهلك في الشام بنظر الشيخ محمد البحش فوق أربعمائة، ولما وصلوا إليه سلام الله عليه أبقاهم حتى وصل الأسرى من صنعاء وهم أصحاب مولانا الحسن رحمه الله ومن بقى ممن لزم أو أسر غيرهم حتى لقد أخرجوا من في البحر من إخوة القاضي العلامة سعيد بن صالح الهبل وغيرهم، ثم كساهم وزودهم إلى السودة، ثم خرجوا صنعاء وهم جماعة منهم علي آغا من كبرائهم وقاسم آغا وإبراهيم آغا، وقرا جمعة آغا، وسالم كاشف، وجوهر كاشف، والأمير عبد الله بن إسماعيل الداعي من همدان حراز، وكثيرمن
كبرائهم وهادي بن مبارك من كوكبان، ولقد رأيناهم لما اجتمعوا من الحبوس وعليهم بقية أسمال خلقة وقد نضهم التعب والشقا في المهن الدنية ولا يعرف منهم غير الأغوات فاحتاج مولانا محمد عليه السلام أن يفرق فيهم الكساء والزاد فازدحموا على الكتاب والأعوان، فصاح أحدهم عليه بقية من بساط هاني شاوشية فخرج منهم أربعة أنفار أو خمسة، وأخذوا الأعصى من أيدي الأعوان ونظموهم وقالوا بلق فلان فعدوهم واحداً بعد واحد ولم يزدحم أحد مع أحد، ثم عزموا والأغوات بقوا يومين ثم عزموا بعدهم، وكان اتفق من حي السيد محمد بن صلاح الأعور الأهنومي وناصر ابن أبي خير الأسدي خيانة في عسكر مطهر بن عبد الرحمن وكادوا يفسدون العسكر وهم من سراتهم وكبراء العسكر الإمامي، فاستدركهم مولانا الحسين رضوان الله عليه وقبض عليهما وعلى الشيخ علي بن قاسم المرهبي، فأما المرهبي فقتله العسكر الذين أرادوا إيصاله حصن حميمة سنخدا لأنهم خافوه، وهذان بقيا في الحبس فاتفق [ق/470] أنهما وأصحابهما حرضا كبار المجاهدين من بلاد الأهنوم وبلاد عيال أسد والمذاعير أنهم يشفعون فيهم ويطلقون كما يطلق العدو، فاجتمع الأعيان من المشائخ وكبراء العسكر حتى رآهم الإمام عليه السلام وأحس بهم، فلما رآهم مولانا محمد عليه السلام تلقاهم وسألهم عن المقصود فأخبروه وقد عرف ما في نفس الإمام عليه السلام عليهما فقال لهم:أتروني لكم ناصحاً، فقالوا: بل المالك أو كما قالوا، فقال الإمام عليه السلام داع لكم شاكر لكم راضي جهادكم مثنٍ عليكم فلا تلجوه إلى أحد أمرين، إما أنه لا يجيبكم وتقع في نفسه ونفوسكم أو
يجيبكم وهو كاره فتكونوا قد أحبطتم سعيكم المحمود أو كما قال، ولكن تؤخرون هذا إلى وقت وأنا أقوم به وإذا تقارب الأمر عرفتكم فقالوا: قد رآنا الإمام عليه السلام فلا نعود من غير حديث، ثم قدموا إلى الإمام عليه السلام وقالوا: يا مولانا نراك أطلقت أسارى الترك وأعيانهم وسكت عن ولدك الحسن رضوان الله عليه فيا سبحان الله إذا لم يطلقوه فلا تطلق أصحابهم، فقال لهم عليه السلام وقد تبسم إليهم ودعا لهم: يا سبحان الله أترون أحبس هؤلاء العلوج بالحسن أو كما قال وقد أودعته القادر على إطلاقه أترون أن الكريم من البدوان يضيع وديعته؟ فقالوا: لا، فقال: ثقوا بالله فإن الحسن خروجه على الله سبحانه لا أطلبه من غيره أو كما قال بإطلاقه ثقة بالله فكان كما سيأتي إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.