خرج إلى الإمام عليه السلام، وطلع ابن سنان وجميع المحاط إلى جبل حضور إلى موضع يسمى جبل الثويرين، وأقبلت الحيمة يواجهون من كل جهة واختفى السيد أحمد وأفرد من أصحابه والقاضي يحيى المخلافي اختفى في بلاده وأفرد، وغلظ عسكر العجم من أهل الحيمة، فالصف الأول عليهم المنامة، والأسفل عليهم الجرمي، والشيخ محمد بن عز الدين البروي، حتى صار البروي هذا في محرم من بلاد بني عمرو، وقد أنزلوا الأمير خضر من العجم إلى العر، وتبسطوا في البلاد، فعرف الصف الأسفل أنهم قد عابوا وخانوا الإمام، وله على كبرائهم أيادٍ وأن يناع لم يصح لهم بل قبضه العجم، وولوه بنظرهم برأي الشيخ المنامة وغيره، أنكم تسدوا بيننا تأخذونه لكم لا لنا ولا لخصومنا، وأخلفهم العجم ما وعدوهم به، وقد رأى ابن سنان أن المنامة الذي أوصله إلى الوزارة فإنهم عظموه بعدها، وصار إليه أكثر اليمن، ورأوا تبسط العجم عليهم، حتى أن الشيخ محمد بن عز الدين البروي الذي يسموه آغا جعل خيمته في أعلى بيت الشيخ صلاح بن مفضل في بني عمرو، فندم أهل الحيمة على ما سبق، وعادوا إلى النظر في أنفسهم، وكان أول من ذكر لهم وقائم في نقض طاعة العجم الشيخ صلاح بن ناصر بن مفضل، فإنه كان يمشي في الليل إلى مواضع، ويجتمع بأعيان من الصفين، ثم يراسلون القاضي عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي، وقد وعدوهم القيام، واستوثق منهم، ووعدهم أنه يطلب من الإمام عليه السلام الحاج شمس الدين أحمد بن عواض يأتي إليه إلى المخلاف، ثم يظهرون لقتال العجم، وقد فسد المخلاف بعسكر البروي مع العجم، وإنما هذا في الليل سراً حتى استحكم
أمره، وطلبوا السيد شمس الدين أحمد بن علي أطال الله بقاه فوجد متخفياً في بعض البلاد، وقد اشتد به الخوف، وهم أن يلحق بالمشرق، ثم يرجع إلى الإمام عليه السلام كما سبق للشيخ علي بن عبد الله الطير وقد تبسط العجم، وأمنوا وفرقوا عسكرهم، فمنهم من رجع صنعاء، ومنهم من نزل العر مع الأمير خضر، ومنهم في جانب بني النمري مع الأمير سهيل، ومنهم من تفرق للمال مع المشائخ في الحيمة وحضور [ق/458] فتواعدوا للحرب على جبل الثويرين فأصبح مع القاضي عماد الدين جماعة نحو ثلاثمائة نفر فقط وأخلفه الباقون، فقصد بهم محطة ابن سنان على حين غفلة، فما شعروا إلا والرمي آخر النهار في أطرافهم فأحربوهم إلى الليل، وقد أرسل ابن سنان بخاتمه إلى الباشا أن أدركنا، فأرسل غارات من صنعاء وكوكبان، ولما يظهر القاضي يحيى بذلك عاد إلى عر بني سليمان والحصن المعروف بحصن بني سليمان، فوصل إليه بعض أهل العزائم في الليل، وأجابه أهل الجهاد حتى أصبح وقد اجتمع له فوق الألف، ولما استكمل للعجم عساكرهم قصدوه وحازوه في هذا الموضع بعض نهار فأغارت الحيمة حتى أغار الذين لم يتظهروا بالجهاد من قبل، فكسروا الجنود الظالمة، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم شدد الرتب وجمع من أجابه، وظهر السيد أحمد بن علي عافاه الله تعالى فحاصروا العر ووقعت عليه حرب، ثم إن أسفل الأحبوب يسمون المحاجرة والبعابعة وبني عباس نحو ثلاثمائة رجل عسكروا في خربة سودان موضعاً أعلى من العر وحاصروه من جهتهم، ثم خافوا من ابن سنان ومن معه فجعلوا رتباً في مواضع منها بيت حباب من أعلى ظهر الأحبوب وزالان موضعاً آخر،
وكان أهل البيت ينقسمون نصفين، نصف يدافع [عن] المحطة التي في العر من الطلوع، ونصف يقاتل محطة ابن سنان لا ينزل عليهم والغارات إليهم، وكان ذلك دأبهم أياماً، حتى وصلتهم غارة من كوكبان مع النقيب محمود، وحمل العجم والعرب وأهل كوكبان حتى أحاطوا بهذه المراتب، ووقع أمر ليس بالهزل، حتى لقد احتمل رتبة زالان صاحب لواء العجم وقتلوه وقتلوا معه كثيراً، ووصلت الغارات، فلما رأوا البيرق منصوباً على البيت ظنوهم العجم قد أخذوا المرتبة فكفوا وبردوا، وإلا فلو عرفوا أن الرتبة المنصورون لكانت قتلة هائلة في العجم ولا زالوا يكسرونهم حتى ردوهم، وقد قتل منهم جماعة كثيرون.
وأما الذين في بيت حباب فإنه أصيب النقيب محمود فحمل وانهزم أصحابه فقتل منهم فوق أربعين نفراً وكانت كسيرة، ثم بعد ذلك خاطب الأمير خضر أنهم يفرجون له بعد أن حاصروه محاصرة شديدة، فجرى الخطاب، وحمل بنوا عمرو الذين مع العجم الحرص على حصن يناع بأن منعه الشيخ الجرمي لعنه الله ومن إليه أن الأمير لا يجي طريق الأحبوب وهي [الطريق] المعتادة بل يخرجونه بلاد بني مهلهل، ثم بني سليمان، ثم الجبل ويكون الحصن لهم، ففعلوا ذلك وجعلوه لهم، فأخذه القاضي يحيى وصار له لطيب [ق/459] نفوس الفريقين.
وأخبرني القاضي عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي رحمه الله تعالى، قال: لما استقروا في جبل الثويرين قال تكلم محمد آغا البروي على ابن سنان، وعلى الترك، وأنه لم يحمد حربهم، وكان قد وشى به الوشاة أنه يفتك بالمحطة، ويأخذها لما يعرفون من سطوته، فكان ذلك مقوياً لما يعرفون فحملوه ليلاً إلى صنعاء وكبلوه في الحديد، وبقي محبوساً إلى أن قتله فضلي باشا لعنه الله.
قال القاضي رحمه الله: فكان ذلك من ألطاف الله تعالى، فما كنا نخاف أحداً خوفنا منه، ولما اجتمع جنود العجم تقدمت المراتب الإمامية، وأرسل الإمام الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران والشيخ المجاهد محمد بن صلاح البخض وغيرهم لإعانة القاضي يحيى، والسيد أحمد وكانت المراتب في بيت موجان من بني سوار، وفي بيت المفصر، وفي العر من بني سليمان، وفي رحب وفي الحصن، ومراتب السيد أحمد في أعلى الأحبوب وبعض بني النمري وسر بني الشقاق، وطالت الحروب حتى انعقد الصلح على هذه المواضع كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[حرب بلاد آنس]
وأما بلاد آنس فإن أسفلها كانوا تمنعوا من الترك كبني أسعد وقد يرسل إليهم الإمام عليه السلام من تبقى معهم، منهم الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي رحمه الله، ومنهم السيد الهادي بن علي الشامي أخ السيد أحمد وقد ترجع جهات خولان، ثم أنه قد تقدم أن الباشا محمد اسستنفرهم إلى حضور والحيمة مع الأمير دمر، ثم وجههم الأمير ومن مع الأمير سهيل إلى جبل شظوان بني مطر فعظم عليهم حيث يأكل بلادهم غيرهم، وجعل الباشا واليهم من العجم معهم في شظوان فتمالوا على الحرب إلى بلادهم وحلفوا للشيخ أحمد بن داود الملاحي وكان معظماً مع التركي حتى لقد سموه آغا، وجعلوا له إقطاعات وجوامك وغيرها، فلما وصلوا بلادهم ساقوا للباشا ما رأوه من غير شدة فاتفق أن الملاحي خرج إلى بلاد ضوران، وكانوا إليه يطلبهم مطالب فاستظهروا عليه بالحداء وقتلوا من أصحابه قدر أربعين رجلاً وهزموه وقتل عليه من خيله فشكى ذلك على الباشا فقال: نصلح بينك وبين أهل ضوران والحدا فأغضب، وأرسل للسيد الهادي علي بن الشامي ومن في بني أسعد من أصحاب الإمام عليه السلام وأرسل للشيخ علي دهاق الدريدي والشيخ عاطف بن راجح، ثم حالفوه ونصروا للإمام عليه السلام وخرجوا على بلاد ضوران، وقتل من الحدا في جانب بلاد هداد مقتلة تقرب من الأربعين النفر واجتز منهم رؤوس ممن قتل من أصحابه، فخرجت محطة من صنعاء [ق/460] والأمير جعفر من عظماء الترك من ذمار بمحطة والحدا فصاروا في جانب بكيل وبلاد مخلاف عاثين، ووقع حرب في يتار من أعلى بلاد سلامة انهزم فيه أهل المغرب، ولما عظم عليه الأمر راسل
إلى مشائخ قائفة وكانوا أصهاره هو متزوج منهم فوصلوا على صفة الغارة وقد كاتبوا الباشا أنهم يتقدمون ويخاطبونه ويشترطون له وكذا، فلما وصلوا صار إليهم وترك من عنده من آل المغرب ومن السادة، ثم توجه الأمير جعفر إلى بلاد آنس فأحربوا في بعضها، وقد قام معه الشيخ ناصر بن راجح فإنه قد والى الترك منذ وصل جعفر باشا كما تقدم وبقي السيد الهادي والشيخ علي بن دهاق إلى أن تم الصلح في بني أسعد وحصن ظفر والقارة.
[الاستيلاء على حصن مسار]
وأما بلاد حراز فقد تقدم أن حصن مسار صار إلى العجم فأرسل الإمام عليه السلام في هذه المدة السيد محمد بن علي بن حسين القراع، فأجابه كثير وأعانه أهل مسار فأخذوه من يد آغا من العجم ورفقوه، وبقي السيد محمد بن علي فيه ،وصعفان وما إليه في يد دعاة همدان، ثم حصل اختلاف بينهم فأرسل الإمام عليه السلام في أول عقد الصلح الآتي القاضي العلامة أحمد بن محمد السلفي رحمه الله لأنه خاف من السيد محمد بن علي أن يعود إلى شيء من تخلفات أحواله.
حرب بني علي
قد ذكرنا أن فيه رتبة في حصنهم أعلى جبل بني علي من قبل الإمام عليه السلام مع حي الشيخ عامر بن لهوس السعيد الأهنومي، ولما عادت المراتب كما تقدم بعد هزيمة بني جيش وبلاد جنب وقدم، وجهاتها خفف الإمام عليه السلام الرتبة فيه، وجعل عليهم الفقيه المجاهد علم الدين قاسم بن سعيد الشهاري رحمه الله وشيخ بني علي المسمى الشيخ سعيد بن صلاح العليي والشيخ عمار ونحو أربعين قصبة بنادق، ومن بني علي أصحاب الشيخ سعيد قريباً من عشرين نفراً بنادق، وقد استقرت المراتب كما تقدم والحرب لا تزال، وبعد أن تقدم أمير العجم المسمى الأمير محمد خمخم إلى بيت بني علي المعروف بقرن اليهودي وقد جمع العسكر من بلاد حجة وبلاد عفار وبلاد كوكبان مع من عنده، ثم أرسل الجمهور إلى السودة إلى الأمير محمد بوتج وكان نظيره في المرتبة فاضطربت المراتب الإمامية، وكل مرتبة تقول الغزو لها فلما كان باقي ربع [من] الليل أو يقرب من الصبح وقد أصبحوا على بني علي بعد أن أخرجوا الأمير إبراهيم بن المعافا وأمراء من العجم إلى ظلعة البستان المقابل لحصن عتاد، وعسكروا هنالك، وتقدم جمهورهم [ق/461] إلى بني علي فأخذوا الجبل حميعه ولجأ أهله إلى الحصن، وكان مولانا محمد عليه السلام في حبور ظليمة وقد صار عنده نحو من أربعمائة عسكر مختارين معداً لهم للغارة، وكان ذلك دأبه مستمراً فلما سمع ابتداء الحرب أمرهم بالغارة مع القاضي المجاهد أحمد بن محمد السلفي رحمه الله، فلما قرب القاضي أحمد من المدائر سمع مولانا محمد عليه السلام الحرب في غربان أيضاً وسمعه من الموسم وسمعه في
المقعد، وكان عنده شيخان من غربان متهمان بالخيانة فأرادا تبرأة أنفسهما عنده فقالا له وهما ناصحان: يا مولانا إذا ذهبت المراتب وبقي غربان فهو أنفع أو كما قالا، وعضد ذلك غيرهما فأرسل عليه السلام إلى القاضي أحمد ومن معه أنهم يطلعون غربان ويتركون شظب فما وصلوا غربان إلا وقد تم الحرب وانهزم جنود العجم إلى خمر وإنما أرادوا يشغلون مدد غربان من شظب.
وأما حرب بني علي فإن السادة الكرام علي بن الحسن ومحمد بن صالح رحمهما الله تعالى جمعا من عندهما وتقدما للمدد إلى بني علي وأحربا حرباً عظيماً لم يقع على أن أنسل إليهم مكالف بني علي وصغارهم وبعض مواشيهم لأنهم سارعوا قبل أن ينفتح الصباح، فتفرق العجم في المواضع التي يحفظون فيها الطريق إلى الحصن، وهذا كان يوم السبت، وقتل من الفريقين جماعة وعادوا ثم وصلتهم الغارات من المراتب الإمامية، وقد لحق أمير العجم محمد بوتج بنفسه وملك الجبل جميعه، وجعل على المجاهدين سبعة صفوف وبقي في قرية الجملول، ولما اجتمعت الأمداد من المراتب الإمامية يوم الأحد تقدموا للحلمة فطلعوا الجبل وقد أحصر أمراء العجم جنودهم فهزموا المجاهدين وعادوا في بعض الليل، وذلك يوم الأحد وتكاثرت الغارات وأحربوهم يوم الإثنين فانهزم المجاهدون كذلك، ثم الثلاثاء ثم الأربعاء ثم الخميس فكانت الحروب في جميع المراتب ستة أيام لا يفصل بين الفريقين إلا الليل، هذا والحرب في الظلعة كذلك وفي الموسم كذلك حتى لقد دخل ناصر بن محمد صبح عافاه الله إلى أعلى من الخف وكادوا يحصرونه أيضاً وكذا غربان وكذا في المقعد وكذا رتبة في العرض، وكذا
رتبة في بلاد عفار نزلت على جبل نيسا، وهم الإمام القاسم عليه السلام بأن يغير بنفسه وكان قد طلب ولده مولانا أحمد أطال الله بقاه لولاية صعدة كما سيأتي فهو عنده في النجيد، ووقعت هذه القضيه فأمره بالغارة إلى عند صنوه مولانا محمد عليه السلام فوصل إلى آخر الفصال.
قال [ق/462]القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين: إن الإمام عليه السلام أمر عمه العلامة الفاضل علي بن الحسين المسوري بالغارة وقد كان شيخاً، ثم قال: يا سيدنا أنا أعلم ضعفك عن مباشرة الجهاد إلا أني أخاف أن يراني الله سبحانه وتعالى سهلت في المسلمين أو كما قال، وخرج الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله المشرق للغارة، ووصلت غارة صعدة إلى قرن الوعر وحصل الفصال في اليوم السابع، وذلك أن مولانا محمد عليه السلام أغار إلى الغرب أعلى أخرف مما يلي بني محمد ولم يبق عنده إلا السادة والفقهاء وأهل العلم والحضرة، فلما وصل ذلك الموضع وأراد اللحوق بالمجاهدين وذلك يوم الجمعة فلزمه السادة، وقالوا له: لولم يبق عندك إلا المرفع[فإذا كان بقاك أولى] فإذا وصلت كان وهناً لأنه لم يبق معك مدد وإذا كنت في هذا الموضع قدر الولي والعدو إن عندك قوة تنتفع بها، وكان فيهم السيد العلامة عبد الله بن محمد المحرابي رحمه الله فقال: أنا أكفيك ثم أجمعوا على الكيفية التي نذكرها إن شاء الله تعالى، فلما وصل السيد عبد الله رحمه الله وقد اجتمع المجاهدون من كل مرتبة، ومنهم من عند الإمام حتى قيل: إنهم صرفوا لهم القوت لثمانية آلاف، وأرسل مولانا محمد عليه السلام إلى جميع جهات المراتب بأن تفتح الحرب بعد