الخصيصة الثامنة:
ما اختص به أئمة العترة النبوية من أنواع البلاء في ذات الله وطاعته، وهذه الفضيلة وإن كانت قد دخلت في فضيلة الجهاد؛ فإن المراد هاهنا ما اختصوا به من شدة المحنة مع دعائهم إلى الجهاد، وسكون من سكن منهم لعدم القدرة عن مباينة أهل الغي والفساد، فهم مخصوصون بالبلاء العظيم في الحالين وموتورن بكل خطب جسيم على الوصفين، وكما وصفهم من قال: [السريع]
أمن النصارى واليهود وهم .... من ملة الإسلام في أزل
وتراهم والناس في دعة .... يتطامنون مخافة القتلِ
فمنهم أهل السموم، ومنهم أهل الحبوس، ومنهم المصلوب، ومنهم المقتول، ومنهم الخائف المترقب، ومنهم المشرد المترهب؛ فهم بين هذه الأوصاف بين قتيل وشريد، ومسموم وطريد، وخائف مستور، وبارز مطلوب، وهذه فضيلة عظيمة لم يشاركهم فيها أحد من علماء الأمة وفقهائها إلا من تظهر بموالاتهم، أو شُهر بمودتهم، كما يحكى عن أبي حنيفة والشافعي.
فأما أبو حنيفة فقيل إنه مات مسموماً فذهب شهيداً في حب أهل البيت -عليهم السلام-، وأما الشافعي فنالته نكبة من هارون حين أنكر نقضه لأمان يحيى بن عبدالله كما قدمناه آنفاً.
الخصيصة التاسعة:
اختصاصهم بأنهم أئمة الحق، والدعاة إلى إحياء دين الله بالقول الصدق؛ فهم خلفاء الله في أرضه، والقائمون بسنته وفرضه، وكل إمام لم يكن منهم فليس من إمامة الحق في شيء.
قال الإمام المنصور بالله عليه السلام في كتابه الشافي: الإجماع منعقد أن الإمام لا يكون إلا عدلاً، جامعاً لشرائط الإمامة وهي الخصال المعتبرة، وقال أيضاً: والإجماع منعقد على أن من ركب هذه القاذورات فإنه فاسق، والفاسق لا يستحق إمرة المؤمنين، وإنما الخلاف وقع بين الصحابة -رضي الله عنهم- وبين التابعين إلى يومنا هذا في عين الإمام لا في شرائطه، ومع اختلاف الصحابة في عين الإمام لم يختلفوا في طلب الأفضل للإمامة مع اختلافهم فيه، من هو؟
قال الإمام المنصور بالله عليه السلام: فلا نعلم راية تحت أديم السماء نسبة من تحتها أصحاب محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم- إلا رايتنا هذه، لا يظهر في أهلها المنكرات، ولا تشرب معهم المسكرات، يأمرون بالمعروف الأكبر، وينهون عن الفحشاء والمنكر؛ فهذه فضيلة شريفة، ومرتبة عالية منيفة.
الخصيصة العاشرة:
اختصاصهم بنسب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم- وأنهم ذريته وعترته، والمرادون بقول الله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] ، وبقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) الحديث إلى آخره، وهذه فضيلة لم يُشاركوا فيها.
وقد ذكر صاحب (البرهان) الجويني في ترجيح مذهب الشافعي على غيره أنه من قريش، وهو وإن كان كذلك فأهل البيت أحق بالأولوية منه لقربهم من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-، وكونهم لحمته وعصبته، وأهله وعترته، قال الله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:75] .
وذكر الشيخ أحمد بن محمد الرصاص في كتابه (الوسيط) في الترجيح بين الرواة؛ أن كون راوي الحديث من أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- وجهاً في ترجيحه، وقبوله، والعمل به.
فثبت بهذه الخصائص ترجيح مذهبهم على غيره من المذاهب، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه؛ على أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
[بحث عن الخلاف في تصويب آراء المجتهدين]
ونختم كتابنا هذا بذكر الخلاف في تصويب آراء المجتهدين:
اعلم أنا لا ننكر فضل الفقهاء وعلمهم وصلاحهم على كل حال، وإن كان الخلاف بيننا وبينهم شائعاً في الأصول والفروع؛ فأما الاختلاف في أصول الدين فالحق فيه مع واحد، ولا يجوز تصويب آراء المجتهدين في المسائل الكلامية القطعية.
وأما الاختلاف في مسائل الفروع، فقد اختلف الناس في هذه المسألة، هل كل مجتهد فيها مصيب؟ أم المصيب واحد؟ والمخطي معفو عنه؟ والخلاف مبني على أن لكل واقعة حكماً معيناً في نفس الأمر، أو لا بل يتعين باجتهاد المكلف واختياره؛ فإن لم يكن المصيب إلا واحداً أيكون كلهم مصيباً؟
قال الشافعي: ليس كل مجتهد مصيباً، وهو قول أبي العباس الحسني، ورواية بعض المتأخرين عن الناصر، وهو قول المؤيد بالله أولاً.
وقال الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه: إن كل مجتهد مصيب، وهو الذي نصره الإمام يحيى بن حمزة وقوّاه في كتبه الأصوليّة ، ونصّ العلماء أن المصيب في اجتهاده له أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والمخطئ له أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، ولا يكون إثماً لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-: ((من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد)) .
ولا نقول كل قول حجّة، والقصد الإشارة إلى تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات الشرعية، وإنما كلامنا في ترجيح الأَوْلى منها، وقد ذكرنا من فضائل العترة النبوية ما إذا نظر فيه الناظر، وأزال عن نفسه محبّة المراء والجدل، وأبان عنها علاقة الهوى والتعصب؛ علم صحة ما قلناه، وتحقق صواب ما اخترناه.
* * * * * * * * * * * *
ذكر في الأصل المنسوخ منه: وهذا حين الفراغ من هذا الكتاب المبارك عليه إن شاء الله تعالى، وأنا أسأل الله الذي لا إله إلا هو بحق ذاته العظمى وبحق أسمائه الحسنى وبحق ما سأله به نبيه محمد المصطفى أن يصلي عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وآل كلٍّ وسائر الصالحين، وأن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه، ومن قرأه ونظر فيه، ويجعله من أرجح ما يوزن يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ، ونصلي ونسلم على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، تاريخه في الأم كان العاشر من شهر المحرم سنة ثمان وثمانمائة سنة.