فالبسيطة سيرة القاضي العالم علي بن نشوان –رحمه الله- فإنه الذي ابتدى تأليف (السيرة المنصورية) وأبسط فيها القول بسطاً شافياً، ورأيت منها المجلد الأول، وفيه ما يدل على تبحره في العلم، وحسن السياق، ورشاقة العبارة، وجودة اللفظ، وإضائة المعاني؛ فإن صاحب السيرة ما لم يكن على هذه الصفة لم تحسن السيرة، وربما كان كلامه إذا كان بخلاف هذه الأوصاف مغيراً لحسن سيرة الإمام، ومفسداً لها بكلامه الركيك، وعبارته القاصرة، وألفاظه المتقاصرة، وقد رأينا هذا عياناً، وشاهدناه بياناً، في سيرة المتقدمين، ورأيت في سيرة علي بن نشوان خط الإمام المنصور بالله عليه السلام في أماكن كثيرة تصليحاً وزيادة، وقيل: أنّهَا إلى عشرة مجلدة.
وأما السيرة المتوسطة فهي سيرته المشهورة التي جمعها الشيخ الفاضل أبو فراس بن دعثم -رحمه الله-، وهي ستة مجلدة، أخبرني بعض العلماء أنه اختصرها من سيرة ابن نشوان.
وأما السيرة المختصرة فهي ما ختم به الفقيه حميد -رحمه الله- (كتاب الحدائق الوردية) فإنه ذكر الإمام المنصور بالله عليه السلام، وكان كلامه في سيره وأخباره أوسع من السابقين عليه من الأئمة -عليهم السلام-، وما ذلك إلا لأنه -رحمه الله- شاهد المنصور عليه السلام، وعاصره وأخذ عنه، ولم يكن بينه وبينه واسطة، فجادَت في سيرته عبارته، وحَسُنَت في ذلك إشارته، وترسلت فيه قريحته، وتفننت في أخباره طريقته.

ولم نذكر (الدر المنثور في أخبار المنصور) لأنه تذييل لكتاب الشافي؛ وقد اختصر محيي الدين بن الوليد فيه سيرة المنصور عليه السلام اختصاراً وافياً بمقاصدها، ومبيناً بطيب مصادرها ومواردها، فجزى الله العلماء عنا خيراً، فلقد حسبت في حفظ سيرة الأئمة الأطهار آثارهم، وطابت لنا بأخبار الخلفاء الأقمار أخبارهم.
وهؤلاء تتميم الأئمة الذين قدمنا ذكرهم في الترجمة المتقدمة، ووعدنا بالكلام على أعيانهم، والإشارة إلى فضلهم وعلمهم دون التعريض لشيء من أخبارهم، وقد نجز غرضنا بحمد الله مما أردناه من ذكر الأئمة الهداة، وبقي من الأئمة الطاهرين من دعا إلى الله تعالى من بعد المنصور بالله عليه السلام من أهل البيت -عليهم السلام- في ديارنا هذه؛ وهم أئمة أطهار، وسادة أخيار، وإن مدَّ الله في المهلة، ونَفّس لي في تأخير الغائب المنتظر، جمعت من أخبارهم وسيرهم ما يكون تماماً للحدائق الوردية، فقد جمعت رسالة سميتها (المخبرة في أخبار العترة المطهرة)، وقصرت فيها الكلام على الأئمة الطاهرين من أمير المؤمنين، إلى أن ذكرت المتأخرين من بعد الإمام المنصور بالله عليه السلام، إلى الإمام الناصر عليه السلام.

وجعلتها مشتملة على طبقات عشر أشرت إليهم فيها إشارات من دون بسط في العبارات، والرجاء في فضل الله تعالى تمام الأمل في تجريد سيرة الأئمة المتأخرين على ما اختاره الفقيه العلامة حميد بن أحمد -رضي الله عنه- في حدائقه، فلقد أحسن فيها ووفى، وشهدت له بحبه أولاد المصطفى، وسيجزى الجزاء الأوفى بحبه لخير الناس أماً وأباً، وعمله بقول الله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] .
* * * * * * * * * * * *
[خصائص تفضيل العترة؛ وترجيح مذهبهم]
نعم، ولكل كلام ثمرة، وثمرة ما ذكرته من الإشارة إلى فضل أئمة العترة المطهرة هو بيان فضلهم ليقتدي بهم المقتدي، ويهتدي بهديهم المهتدي، وهو على بصيرة من معرفته تفضيلهم، وعلى حقيقة من علمه بعلمهم؛ وليكون ما ذكرناه سبباً في ترجيح مذهب العترة النبوية على غيره من مذاهب فقهاء الأمة، وعلماء العامة.
فإن من عرف ما عرفناه من فضل أهل البيت، وكان على ذكر من باله ما ذكرناه من علمهم وزهدهم وورعهم، واختصاصهم بالمزايا الشريفة، والمراتب المنيفة؛ من سلامة العقائد في الأصول الدينية، وامتيازهم بالإصابة في المسالك النظرية؛ فهذه خصيصى شريفة لم تكن لأحد من فرق الإسلام، وقد أشار إليها الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام كما قدمنا في الرواية عنه، وجملتها عشر خصائص، نختم بها الكلام في فضلهم وترجيح مذهبهم:

الخصيصة الأولى:
ما أشرنا إليه من سلامة العقائد في أصول الدين، وتنزيههم لرب العالمين؛ فهم سادة أهل التوحيد والعدل، والقائلون فيها بالقول الفصل، فلا يعتقدون في ذات الله تشبيهاً بالمحدثات، ولا يصفونها بما لا يجوز من الصفات، ولا يثبتون مع الله المعاني القديمات، ولا يشبهونه بخلقه في حالة من الحالات، ولا يقولون إنه تعالى يرى في جهة ولا في جهات، وهذه الأمور لا تجوز على فاطر الأرضين والسماوات؛ هذا في التوحيد.
وفي العدل: لا يقولون بأن الله تعالى خالق المقبحات، ويدينون ويعتقدون بأن أفعاله سبحانه كلها حسنة محكمات، وأن أفعال العباد منهم لا من الله في النفي والإثبات، مثاله ترك المعاصي وفعل الطاعات، وعكسه فعل القبائح وترك الواجبات؛ كل هذه تضاف إلى العباد نفيا وإثباتا، ومن أضافها إلى الله تعالى فقد أخطأ، لأن الله تعالى قد تبرأ منها في كتابه، وعلى لسان نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-، وأدلة ذلك معروفة في مواضعها من كتب الكلام.
فمن اختص بهذه الخصيصة أولى في المتابعة والمشايعة ممن لم يختص بها مع الإنصاف، وعدم المكابرة، إلى غير ذلك من الكلام، ومسائل الوعد والوعيد، والإمامة على ما هو مقرر في مواضعه.

الخصيصة الثانية:
الجهاد:لأنه كما ورد في الحديث سنام الدين، ورهبانية المتقين، وشعار سيد المرسلين، وأصحابه من الخلفاء الراشدين، والفضلاء الصالحين، وقد قال الله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95)دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(96)} [النساء] وغيرها من الآيات، والأخبار الواردة في فضل الجهاد لا تحصى كثرة.
ومعلوم باليقين أن هذه الفضيلة اختص بها أئمة أهل البيت المطهرين، فهي لهم بالأصالة توارثوها كابراً عن كابر، وورثوها عن أَسِرّةٍ في الفضل ومنابر؛ فليس لأحد من فقهاء الأمة وعلماء العامة مثل هذه الفضيلة، والحمد لله.
الخصيصة الثالثة:
الزهد في الدنيا: وهي فضيلة شريفة، ومنقبة منيفة، وبها تميز الأنبياء المرسلون عن الملوك المتجبرين، وتزين بها الأئمة الهادون في عيون السلاطين المتكبرين، وقد قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } [طه] ، وهذه الآية الشريفة اختص بالعمل بها وبأمثالها أهل البيت الطاهرون، وأئمتهم المطهرون.

تنزهوا عن الدنيا ولم يخامروها بشيء من الأشياء، واتخذوها بلغة إلى الآخرة ووصلة إليها؛ يعرف صحة ما قلناه من طالع أخبارهم، وعرف آثارهم، وتلمح أحوالهم، وفهم أقوالهم، وقد قدمنا في هذا ما فيه كفاية وزيادة.
الخصيصة الرابعة:
الورع عن المحرمات والمشتبهات: وهذه هي صفة أئمة العترة النبوية في تورعهم عن ملابسة الأحوال الدنيوية، ومجانبتهم لمن في يديه شيء منها؛ عملاً بقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} [هود:113] ، وهذه الفضيلة أعلى فضائل المتقين، وأشرف غلائل الزاهدين، وفيها الحديث المشهور: ((لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، وتوفيتم بين الركن والمقام ما نفعكم ذلك إلا بالورع)) .
ومن أنصف عرف أن أئمة العترة هم المختصون بهذه الصفة دون غيرهم من علماء العامة وفقهاء الأمة، وهل الورع إلا مثل ما فعله القاسم بن إبراهيم عليه السلام في رده وقر سبعة أبغل ذهباً، على أن يبتدي عبدالله بن هارون الملقب بالمأمون بن الرشيد بكتاب أو يجيب له كتاباً؟ هذا هو محض الورع والزهد في الدنيا.

وكل أفعال أئمة العترة النبوية متصفة بالورع، فإنهم لو قبلوا الدنيا ممن هي في يده من ملوك بني أمية وبني العباس ما فعلوا بهم الأفاعيل المنكرة، والأمر فيهم كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في أبي ذر الغفاري حين أخرج إلى الربذة: (إن القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه؛ فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمِنُوك).
وهذه هي صفة أئمة العترة النبوية مع الأموية والعباسية لو قبلوا دنياهم لأحبوهم، ولو قرضوا منها لأمنوهم؛ يعرف هذا كل منصف، ولا ينكره إلا كل متعسف.
الخصيصة الخامسة:
العلم، وهذه الفضيلة وإن شوركت أئمة العترة الطاهرة فيها، وضربت فقهاء الأمة فيها بنصيب؛ فإن علم أئمة العترة الطاهرة مختص بما لم يختص به علم فقهاء الأمة، لأنه مسند عن أب فأب إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-، فعدالة نقلته وحملته مستيقنة متحقّقة لا ريب فيها، ولا شكّ يعتريها.
ومزية أخرى: وهي أن علمهم -عليهم السلام- مشفع بالعمل الصالح، والعلم حجة على صاحبه ما لم يكن وصلةً إلى العمل، وقد ورد (العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل).

ومعلوم لكل منصف أن أئمة العترة هم العاملون بعلومهم في الجهاد، ومنابذة أرباب الفساد، والزاهدون في الدنيا والمتباعدون عن أهلها، والمتورعون في مكاسبها، والمتنزهون عن مذاهبها، والمباينون لملوكها وأربابها، والعافّون نفوسهم عن شهواتها ولذاتها؛ فهم متجلببون بجلابيب الزهادة، ومنتصبون في محاريب العبادة، لم يذلوا على أبواب الملوك ، ويصغروا ما عظم الله من حرمة العلم بالتواضع والذل لأهل الدنيا الحقيرة، ويجعلوا العلم سُلّماً إلى الدنيا، وذريعة إلى نيلها، والتسلق إلى حطامها، والتوصل إلى زبرجها، هذه صفة علماء زمانهم إلا من عصم الله ، وهم بحمد الله على العكس من هذه الصفات في جميع أحوالهم وأقوالهم.
وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى في أماكن كثيرة من هذا الكتاب، ومن أراد الاطلاع عليها فليطالع أخبار العترة الطاهرة، وأئمتها الشموس الباهرة.
الخصيصة السادسة:
الفضل، وهو عبارة عن التوفر على الطاعات، والتحرز عن مواقعة المقبحات، والاستكثار من أنواع القرب، والاشتهار بذكر الله ما طلع نجم وغرب، وهذه صفة أئمة العترة النبوية، وقد ذكرنا أن منهم من صلى الفجر بوضوء العشاء الآخرة ستين سنة، وذكرنا ما كان عليه سلفهم الأطهار من عبادة الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار.

وهذه الفضيلة وإن شوركوا فيها فإن لهم فيها المزايا الصالحة، والصفات الراجحة، لأنها مبنية على قواعد في الدين رصينة، وعليها من آفات الأديان درع من التقوى حصينة؛ لأن العبادة إذا خَلُصَت من شوائب الإحباط كانت مقبولة، وإذا تلطخت بمعاصي الاعتقاد كانت مردودة.
الخصيصة السابعة:
مهاجرتهم بأديانهم عن دار الفسق، ومخالطة الظلمة، ومؤانسة سلاطين الجور في الأمصار الكبار، فاختاروا الأنس بالوحوش في الفلوات صيانة لأديانهم، وعملاً بقوله تعالى : { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء:97] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء:100] .

وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل)) وفي موانسة العصاة من الوعيد ما يعظم إيراده، ويكثر تعداده، وكفى بقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} [هود:113] ، وماذا فسر به الركون، وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..إلى آخرها} [المجادلة:22] ، ومن تدبر أحوال أئمتنا -عليهم السلام-؛ عرف صحة ما قلناه والحمد لله، وهذه كتب السير والتواريخ مبسوطة لا يمكن أحد من خصومنا كتم ما فيها، ومن استقرأها علم أن أئمة العترة النبوية كانوا قذائف الفلوات، وأن فقهاء الأمة كانوا في أمصار أعداء الله أهل طمأنينة ودعة، منهم من تولى القضاء عن الظلمة، ومنهم من كان وزيراً ومعيناً وظهيراً وعضداً ونصيراً، وأفضلهم حالاً من أخذ من دنياهم قسماً، ولم يعنهم عدواناً وظلماً.
والفضيلة بمباينتهم وعدم إيناسهم ومساكنتهم كانت لأهل بيت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم-؛ ففازوا بهذه الفضيلة، وتميزوا بهذه المنقبة الجليلة.

38 / 39
ع
En
A+
A-