[بقية تصانيفه]
وذكر الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن الوليد في تذييله على (كتاب الشافي) بتأليفه الذي سماه (الدر المنثور في معرفة أحوال الإمام المنصور) جملة في الإشارة إلى علمه عليه السلام. فقال: وأما علمه عليه السلام فإنه بلغ الرتبة العالية، والمنزلة السنية السامية، وانتشر ذكره عند الخاص والعام، واشتهر بالعلم وعرف مكانه فيه، وكاتبه العلماء والفقهاء، وشَاعَره الفصحاء والبلغاء؛ فأجاب كل سائل، وصنف التصانيف العجيبة في كل فن؛ في علم الكلام وأصول الفقه وفروعه.
منها ما صنفه أيام دراسته قبل بلوغ عشرين سنة من مولده، ومنها ما صنفه بعد ذلك؛ فمنها: (الجوهرة الشفافة)، و(الرسالة الناصحة وشرحها)، وكتاب (صفوة الإختيار)، وكتاب (تحفة الأخوان)، وكتاب (حديقة الحكمة النبوية)، و(مصباح المشكاة)، و(الأجوبة الكافية والرافعة للإشكال)، و(الناصحة المشيرة)، و(الرسالة الكافية)، و(جواب مسائل من مكة)، و(مسائل من حجة)، و(مطاعن الروافض)، والدعوة العامة، ودعوة السلطان إسماعيل بن سيف الإسلام، و(دعوة سيف الدين حكو بن محمد الكردي)، ورسائل كثيرة، وعهود إلى الولاة والقضاة، وكتب إلى أهل البلدان، وأشعار كثيرة، هذا كلام محمد بن أحمد بن الوليد القرشي في وصف علم المنصور بالله عليه السلام.

وكنت قد جمعت تصانيفه عليه السلام وذكرتها جملة من كلام الفقيه حميد -رحمه الله- وغيره، وهي هذه مسرودة: (الجوهرة)، و(الناصحة وشرحها)، و(صفوة الاختيار)، و(كتاب الشافي)، و(حديقة الحكمة)، و(الرسالة الهادية بالأدلة البادية)، و(الدرة اليتيمة في أحكام الغنيمة)، و(الأجوبة الكافية بالأدلة الوافية)، و(الأجوبة الرافعة للإشكال الفاتحة للأقفال)، و(الناصحة المشيرة بترك الاعتراض على السيرة)، وكتاب (الإيضاح لعجمة الإفصاح)، و(الرسالة الكافية إلى أهل العقول الوافية)، و(الرسالة النافعة بالأدلة القاطعة)، و(الكاشف للإشكال في الفرق بين التشيع والإعتزال).
وشرع في تفسير القرآن العظيم، ورتب في أوله مقدمات حسنة لا يعلم مثلها في تفسير قط، ففرغ من سورة البقرة في مجلد واحد لم يكمل بعد، وأودعه من الشواهد العجيبة، ومن الكلام في المعاني الغريبة، ومن الكلام في دلالة الآي على بطلان مذهب المطرفية والجبرية؛ ما يتحير فيه الألباب، ويدل على أنه السابق في هذا الباب، ورأيت أنا جزئين من تفسيره (بخزانة ظفار) حماه الله تعالى سماه (بالنهج القويم في تفسير القرآن الكريم).

ومن تصانيفه عليه السلام: (كتاب اللمع) بالكلام على آيات، ومن تصانيفه (العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين) في الكلام على الإمامية مجلد واحد، ومن تصانيفه (الرسالة الفارقة بين الزيدية والمارقة) في الكلام على المطرفية، ومن تصانيفه (الرسالة الحاكمة بالأدلة العالمة) في الدور والتكفير والغنائم، ومن تصانيفه (تحفة الإخوان) في الرد على المطرفية، والنصيحة لهم وتعليمهم معالم الدين، وأحكام الشريعة المطهرة.
ومن تصانيفه (العقيدة النبوية في الأصول الدينية)، ومن تصانيفه (القاطعة للأوراد من لجاج المتعنت في الإيراد) في الجهاد وما يتعلق به، ومن تصانيفه (الرسالة القاهرة بالأدلة الباهرة) في الفقه، وفيها علم عظيم، ومن تصانيفه (الرسالة التهامية).
قال الفقيه حسام الدين [-رحمه الله-]: إلى غير ذلك من تصانيف الإمام المنصور بالله عليه السلام، وأجوبة المسائل التي طارت بها الركبان، إلى القاصي والدان من البلدان، ولا سبيل إلى ذكرها في هذا الموضع لكثرتها.
ومن تصانيفه عليه السلام دعوات جمة كتبها عليه السلام إلى الأمصار، وإلى العلماء الأخيار، منها: (دعوته العامة) وفيها علم واسع من شاهدها بهره ما فيها من الكتاب والسنة وعلوم العترة؛ وهي دعوة كبيرة، واسعة الأطراف، تحتوي على علم غزير، وفضل شهير.

ومنها: (دعوته إلى إسماعيل)، و(دعوة إلى حكو)، و(دعوته إلى خوارزم شاه)، و(دعوته الأخيرة إلى أهل اليمن) جمع فيها علماً جماً، وفيها من الوعظ والتذكير ما يأخذ بمجامع القلوب، ويصد عن ارتكاب الحوب، وفيها كثير من فضل العترة، وفيها كلام في حكاية أحوال كثير من خلفاء بني العباس، وما فعلوه بعضهم ببعض من أنواع النكال، وفيها طرف من السير، وفيها الحث العظيم على الجهاد.
قال الفقيه حميد [رحمه الله]: ولم ير دعوة مثلها لأحدٍ قط، ومن وقف على جواهر كلامها؛ علم أن الله خص عبده المنصور بما لم يخص به أحداً من الخلق بعد النبي والوصي -عَلَيْهما السَّلام-، ومن طالع سيرته الشريفة وما فيها من غرائب الكتب العجيبة إلى ملوك العجم والعرب، وما له من الكتب المستطيلة إلى المخالفين جملة من مطرفي وجبري وغيرهما، وما له من الدعوات إلى (الجيل) و(الديلم) وغير ذلك من كتبه التي نشرها في البلاد، وبثها إلى الحاضر والباد، شاهد ما يبهر عقله، ويحيّر لبه، وما هو إلا فضل الله يؤتيه من يشاء.
[ومن المصنفين على مذهبه]

ومن تصانيفه: (فتح الألباب في السبق والاحتساب)، ولما اشتهر علمه وظهر فضله صنف العلماء في ذلك كتباً منهم الشيخ محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد القرشي صنف كتاباً سماه (هداية المسترشدين في فتاوي أمير المؤمنين) عبدالله بن حمزة، ورتبه على أبواب الفقه، وألحقه رسائل جمة منها رسالة في أحكام المخالفين، ورسالة على من طعن في خراب المساجد الضرارية، ورسالة تحذيراً لأهل صنعاء من مساكنة الكفرة، وفيه (كتاب اللمع)، و(الإشارات إلى فوائد الإختيارات) من كلامه عليه السلام.
ومن المصنفين على مذهب المنصور بالله عليه السلام صاحب (كتاب المهذب)، جمع فيه أقوالاً غريبة، وتفصيلاً من السير شافياً، ورتبه على ترتيب أبواب الفقه.
ومن ذلك (المجموع المنصوري) في أربعة مجلدة كبار محتوية على رسائله ومسائله.
ومن تصانيفه: كتاب (الثبات في وصية البنات)، ومن تصانيفه (الحكم المنصورية)، ومن تصانيفه كتاب (الزيادات الفاضلة)، ومن تصانيفه (أدعية الأيام السبعة).
ومن طالع المجموع المنصوري وفَاتَحَه، واستوفى خواتمه وفواتحه، علم صحة ما قاله الفقيه حميد -رحمه الله- إن الله خص عبده المنصور بما لم يخص به أحداً من الخلق بعد النبي والوصي -عليهما السلام-.
فإن قيل: فظاهر هذا تفضيل المنصور على أئمة العترة كافة.
قلنا: هكذا أطلقه الفقيه حميد -رحمه الله-، ولكن المنصور بالله معترف بفضل من تقدمه من الأئمة السابقين والهداة الطاهرين.

وله عليه السلام في النظم اليد الطولى والقدح المعلى، وديوانه مشهور شاهدٌ له بالتقدم في هذه الصناعة، والتبريز في هذه البراعة، وله في جملة أشعاره من الوصايا والحكم والحث على الجهاد ما لم يسمع مثله لغيره.
وسمعت عن بعض العلماء وقد وقف على شعر المنصور [بالله] عليه السلام فقال: من وقف على هذا الديوان اعتقد أن المنصور بالله لم يكن إلا شاعراً فقط لما جوّد فيه، وطوّل في قوافيه؛ فإن فيه من الغزل وذكر الديار والمعاهد على عادة العرب شيء كثير، وفيه من أشعار الحماسة والحروب والافتخار بنفسه وأفعاله، ومواقفه في الجهاد ومواطنه في الجلاد ما زاد في ذلك على أشعار العرب في هذا المعنى.
وله عليه السلام في أمير المؤمنين علي عليه السلام القصيدة المشهورة التي شرحها الفقيه حميد (بمحاسن الأزهار في مناقب العترة الأطهار)، وله (أرجوزة الخيل) في أوصافها وألوانها وأصولها وأعراقها وما يحمد منها وما يذم، ما إذا وقف عليه الواقف لم يهتد إلى معرفة ذلك، وتحير لبه في تلك المسالك.
[أقوال العلماء فيه وفي مبلغ علمه (ع)]
وعلى الجملة فإن المنصور فاق علماً وبراعة، ومن علمه يتعلم أرباب هذه الصناعة، وله عليه السلام في علوم السير والتواريخ ما ليس لأحد قطعاً، وقد ذكر ذلك الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام في شرحه (الأربعين السيلقية) وقصر براعة المنصور عليه السلام على علم التاريخ، وهو أوسع من أن يُقصر على فن بعينه.

قال الفقيه حسام الدين [رحمه الله]: ومن تصانيفه (الإختيارات المنصورية في المسائل الفقهية) علقه عنه بعض أصحابه وفيه فقه غريب، وله (كتاب الفتاوى) وهو مجلد عُلّق من أجوبة السائلين، ورتب على المعتاد من ترتيب الكتب.
قال حميد رضي الله عنه: وكان عليه السلام المبرز في ميدانه، الناظم لدرره وجمانه، المستنبط لغرائبه، المستخرج لعجائبه، وكم من غريبة جاء بها من غير تكلف ومشقة، ولقد أخبرني الفقيه الفاضل جمال الدين عمران بن الحسن بن ناصر أسعده الله عن والده العالم الفاضل الحسن بن ناصر -رحمه الله- أنه كان يقول: إن فقهه عليه السلام فقه طري يشبه فقه الصحابة -رضي الله عنهم-.
وقال الفقيه بهاء الدين علي بن أحمد الأكوع -رحمه الله-: كانت المسألة إذا أشكلت عليَّ للإمام عليه السلام طلبتها فوجدتها لأمير المؤمنين أو لزيد بن علي -عليهما السلام-.
وسمعت شيخنا بهاء الدين أحمد بن الحسن الرصاص -رحمه الله- يقول: أخشى أن تكون إمامة الإمام عليه السلام يعني المنصور بالله عليه السلام صارفة للناس عن إمامة غيره بعده. فقلت: وكيف ذاك؟ فقال: لأن الناس يطلبون منه من العلم ما يُعْهَدُ من الإمام، وربما لا يتفق ذلك.
ولما صدرت تصانيفه إلى (الجيل) و(الديلم) وأطل عليها السادة من أهل البيت وفقهاء الزيدية، تداكوا على بيعته تداك الإبل الهيم عند الحياض، وقالوا هو أعلم من الناصر للحق.

قال الفقيه حميد رضي الله عنه: وأخبرني من أثق به وهو الفقيه الصالح صالح بن محمد من جهات تهامة وكان من عباد الله الصالحين، أنه سمع السيد نظام الدين يحيى بن علي السليماني –قدس الله روحه-يقول: إمامنا هذا أعلم من الهادي عليه السلام، وأخبرني من أثق به عن بعض عيون علمائنا -رضي الله عنهم- أنه كان يقول مثل ذلك.
قال الفقيه حسام الدين: ومن شاهد في تصانيفه علم أن له المزية العظمى، وذلك أنه كان لا يصده كثرة الناس حوله عن التصنيف، ولقد شهدته في مجلس الصباح وهو غاص بمن فيه يكتب في تفسير القرآن الكريم كتابة مستمرة، وهو يُسْأل في أثناء ذلك في أمور الدين والدنيا فيجيب عنها، وإن قلمه ليتحدر تحدراً سريعاً؛ وهذه درجة عالية، ومرتبة سامية.
ورأيت بخط موثوق به أنه أجاب في بعض تصانيفه من أول النهار إلى عند العصر إلى موضع سماه من التصنيف؛ فعددت ذلك فوجدته بخط متوسط خمس قوائم، فليعجب المتعجبون ولا عجب؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وكانت أجوبته على البديهة، فإذا سئل عن التعليل شفى العليل، ونقع الغليل، وأوضح السبيل، وحكى الدليل.
وكان عليه السلام في الورع والاحتياط على ما يليق بسعة علمه وغزارة فهمه، وعرف بذلك في جميع أحواله، والحكايات في هذا المعنى كثيرة جداً، وقد ذكر الفقيه حميد -رحمه الله- في حدائقه من ذلك شيئاً كثيراً اختصرناه.

ونذكر كلاماً رواه الفقيه محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد القرشي في (كتاب الدر المنثور) وقد أخذ يروي أولاً عن علمه، وثانياً عن فضله وزهده وورعه، وكان من جملة ما ختم به الكلام في الاستدلال على علمه أنه قال:
ومن ذلك ما وقع من الامتحان له قبل قيامه عليه السلام من جماعة العلماء من الأمراء وغيرهم في كل فن وتعدادهم يطول، وهو مذكور في (السيرة المنصورية) حتى أن الشيخ محيي الدين محمد بن أحمد النجراني -رحمه الله تعالى- سأله وحده عن خمسة آلاف مسألة في الأصول والفروع، وعلوم القرآن والأخبار دع من سواه، وأجابه عليه السلام عن كل ما سأله عنه بأحسن جواب.
وكان يحفظ من الأحاديث المسندة سبعة آلاف حديث، وحُسِبَت مسموعاته في وقت قيامه أحد عشر ألف خبر، وأما إلى وقت وفاته فلعلها تبلغ خمسين ألفاً؛ وأما ما يرويه من طريق الإجازة فلعلها تكون خمسين ألفاً أخرى.
قال في السيرة المنصورية: وله من حفظ القصص المتقدمة والسير ومغازي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم- وحروبه وفتوحه وسيرته، ومعرفة أصحابه وأنسابهم وقصصهم وأخبارهم، وسيرة الخلفاء بعده وأخبارهم، والتابعين وروايتهم عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم- ما يجل ويعظم.

حتى ذكر فضله وورعه وزهده، وقال: أما زهده فمعروف في سيرته، مشهور من شيمته، يعرفه من خالطه، واتصل به من حال الصغر إلى الكبر؛ وأنه كان كثير الصبر على مضض العيش، مدمن على الصوم والقيام، وما لمس حراماً متعمداً، ولا أكله ولا رضي أكله.
وكان اشتغاله بالدرس في العلم، وكان يغشى مجالس العلم كما قدمنا، ويقتات بالشيء اليسير الزهيد، ويؤثر على نفسه الوافدين إليه والضعفاء والمساكين والغرباء، كتب كتاباً قال فيه: (والله ما رأيت بعيني خمراً في يقظة ولا منام، ولا الملاهي من الطنابير وما شاكلها، حتى ظهرت على الجبارين من الغز، وأمرت بكسرها وإراقة خمورها، ولا فعلت قبيحاً أعلمه قبيحاً متعمداً من الصغر إلى الكبر، ولا أكلت حبة حراماً أعلمها، ولا قبضت درهماً حراماً أعلمه، ولا تركت واجباً متعمداً، وإني لمعروف النشأة بالطهارة، ما كان لي شغل إلا التعليم والدراسة والعبادة؛ ثم انتقلت بعد ذلك إلى الجهاد في سبيل الله فحاربت الظالمين قبل أن أقص شاربي بعلم الخاص والعام).
[كتَّاب سيرته وأخباره]
وأقول: استيفاء مثل هذا من أخباره عليه السلام في زهده وفضله وورعه وجوده يخرجنا عن المقصود، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة سيرة بسيطة ومتوسطة ومختصرة.

37 / 39
ع
En
A+
A-