إذا أُعطيت نفس الفتى قوتها الذي .... حباها به رب العباد اطمأنّتِ
وطابت ولم تغلبه إن كان عاقلاً .... وعادت إلى التقوى وصامت وصلّت
وإن هي لم تعط الذي حُبْيّت به .... من الرزق أمست في الهموم وضلّتِ
وكان قصارى أمرها أن يرده .... إلى حلمها قسراً وخابت وضلت
فأما أخو التقوى الصحيحُ ومن له .... يقين فلا يخشى اللتيا ولا الَّتى
إذا ما تمنت نفسه الشيء ردها .... ولم يعطها عند المنى ما تمنّتِ
يكلفها ما لا تريد وتشتهي .... وإن سئمت صرف الزمان وملّت
ويمنعها من كل ما هويت ولا .... يُمَلكها أمراً وإن هي زلّت
وما تعبت نفس وهانت وأُنْصِبَتْ .... وذلت لرب الناس إلا وعزّت
فيا رب فارزقني اليقين فإنه .... وتقواك رأس الدين فاجعله عُدّتي
وزدني علماً نافعاً وتوفني .... شهيداً ولا تدحض بذلك حجتي
وكفر ذنوبي رب واغفر خطيئتي .... وإن عظمت يوماً لديك وجلّت
وأخر حِمامي رب حتى تميّتني .... وقد كَمُلَتْ مني الفروض وتمّتِ
قوله: وأخر حمامي..إلى آخره؛ يدل على صحة الرواية في أنه عليه السلام قال هذه الأبيات وهو في حال صغره لأنه قال: وقد كملت مني الفروض وتمت؛ فدل على أنها حال إنشائه لهذا الشعر غير كاملة ولا تامة، وهذا لا يكون إلا وقت الصغر وقبل التكليف.
وله عليه السلام أشعار كثيرة أعرضنا عن ذكرها، وفي سيرته منها طرف، وكانت له فضائل وكرامات، ومحاسن في أخباره ظاهرات، وقد تركنا التعريض لما هذا حاله في كتابنا هذا، وإنما نذكر الإشارة إلى علم الإمام القائم من العترة -عليهم السلام-.
وبالجملة فلم نذكر بحمد الله إلا من يعترف بفضله عدوه قبل وليّه، ويستوي في الإقرار به أوداؤه وأعداؤه وخصماؤه وأولياؤه، وظهر علمه واشتهر، وناظر الخصوم وقهر، مع الجهاد العظيم، والأخذ منه بالحظ الجسيم.

[قيامه عليه السلام]
أقام داعياً إلى الله تعالى، ونظم أمور المسلمين، وشيد أركان الدين، ودمر الظلمة والمعتدين، وأهلك الجبابرة والملحدين، وكانت مدته في حروبه وجهاده وانتصابه للأمر على منهاج آبائه وأجداده قدر أربع وثلاثين سنة، لم يزل فيها مجاهداً مرابطاً، وبين التصنيف والاشتغال بأمر الأمة جامعاً رابطاً، وهذه الفضيلة التي اختص بها أئمة العترة النبوية وهي الجمع بين الأضداد؛ لأن التصنيف يفتقر إلى خلو البال، والاشتغال به دون غيره من الأشغال، وتجد الإمام من أئمة العترة جامعاً بين فضيلة العلم وفضيلة الجهاد، وموفياً في هاتين الفضيلتين نهاية الحد وغاية الاجتهاد، وهي مزايا امتاز بها أئمة العترة على علماء الأمة، منها ما ذكرناه من العلم والجهاد، ومنها ما لم نذكره، وسنفرد في آخر الكتاب لها باباً ونفصل فيه أوراقاً إن شاء الله تعالى يكون به تمام الكتاب، ويعرف به الفضل لهم من كان من ذوي الألباب.
ونختم شرح الترجمة بالإمام المنصور بالله، والعلم المشهور؛ فنقول في ذكره خاتمين به فضل أهله:
[الإمام عبدالله بن حمزة (المنصور بالله) (ع)]
(561- 614هـ / 1166- 1218م)
وأما الإمام المنصور بالله أبو محمد عبدالله بن حمزة بن سليمان عليه السلام فهو:
الإمام الفائقة أوصافه، المشتملة على الفضل والعلم والكمال جوانحه وأعطافه، إمام الأبرار، وشمس الأئمة الأطهار، البالغ ذكره حيث بلغ النهار، والمشتهر بالعلم والفضل غاية الاشتهار.

قال الفقيه حسام الدين -رحمه الله- في وصفه، وذَكَر طرف من مناقبه وأحواله عليه السلام ثم قال: هذا باب لا سبيل إلى استقصائه، وإنما نذكر اليسير ففيه كفاية، ومقنع لمن قلت خبرته به، وإلاَّ فأحواله ظاهرة، وبدور شرفه باهرة.
ولما فرغ من تعلم القرآن الكريم أخذ يتأسف على ما مضى من ضياع العمر، وفوات العلم، فقال له والده: يا بني إنه لم يمض من المدة إلا القدر الذي لا يمكنك أن تصل فيه إلى أكثر مما قد وصلت إليه، وأنت مستقبل، فشمّر في ذلك.
فانتقل عليه السلام إلى الدراسة في أنواع العلم، وأخذ في علم الأدب حتى لجج فيه أغواره، والتقط درره من قراره، وبرز في ذلك تبريزاً بليغاً، ولقد كان يحفظ من شواهد اللغة ما لا يحفظ أحد من أهل عصره.
[وصف حفظه لآداب العرب وأشعارهم]
وروى صنوه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة أنه رأى مع الإمام عليه السلام مجلداً فيه أشعار ثم قال له: قد قرأته أشرافاً ثم حفظته، فخذه واسألني عن أي قصيدة منه شئت؛ فأخذه ثم سأله عن أوله ووسطه وآخره، فيأتي بما يسأله عنه.
وروى عمران بن الحسن بن ناصر عن بعض من له حظ وافر من حفظ أشعار القدماء والمحدثين ؛ أنه قال: أنا أحفظ قدر مائة ألف بيت، وفلان يحفظ مثلها، ونحن لا نعدُّ حفظنا إلى جنب حفظ الإمام المنصور بالله شيئاً.

وكان إذا عرض البيت من القصيدة يحتج به على لفظة غريبة من الكتاب والسنة أو غيرهما من كلام العرب روى القصيدة أو أكثرها، وربما روى سبب إنشائها، ونسب قائلها، ويحكي كثيراً من أشعاره إلى غير ذلك من الأحوال الشاهدة له بالسبق في هذا الشأن، وكان عليه السلام عارفاً بأيام العرب على ضرب من التفصيل. انتهى كلام الفقيه الشهيد -رحمه الله- في وصف الإمام المنصور بالله في علم الأدب إلى هاهنا.
وأقول: لو قال قائل: إنه لم يكن مثل المنصور بالله عليه السلام أحد من أئمة العترة وغيرهم في حفظه لأشعار العرب، وأيامها، وأنسابها، وقبائلها، وبيوتها، وعمائرها، وما كان من أخبار الجاهلية وأهلها، وحروبها، وسلمها، وأحوالها، ومن هلك منهم قتلاً، ومن أسلم منهم طوعاً، ومن أسلم منهم كرهاً لكان صادقاً؛ فإن المنصور بالله بلغ من هذه المعارف مبلغاً لم يبلغه أحداً، ومن أغرب أموره وكلها غريب، أنه يعرف أماكن العرب وبلادها ومنازلها وجبالها وطرقها ومناهلها، حتى كأنه عاصرهم من أولهم إلى آخرهم.
ورأيت له قصيدة يذكر فيها (الحجاز) ويذكر فيه مواضع على عادة الشعراء في التشبيب في النسبة بذكر المعاهد والديار؛ يقول من يراها ويقرأها أنه مولود في الحجاز، وناشئ بين أهله؛ وظهر لي أنه عليه السلام لم يَحُجّ رأساً، وأوصى بحجة إلى بيت الله الحرام، وكان من أعرف الناس بالحجاز، وأماكنه ودياره ومساكنه وطرقه ومناهله، ومثل هذا غريب لا يتفق لغيره، ولا يوجد مع أحد سواه.

وأما اطلاعه على السير والتواريخ، وأخبار الصحابة وآثارهم، وسيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّم- فهو المتقدم في هذا العلم إلى غاية لم يسبقه إليها الأولون، وقصر عنها الآخرون، ومن طالع كتبه ورسائله ومصنفاته عرف ما قلناه، وتحقق صدق ما ذكرناه.
[طلبه للعلوم]
ثم نعود إلى تمام ما ذكره الفقيه حميد [رحمه الله] قال -رحمه الله-: ثم ارتحل المنصور عليه السلام للقراءة إلى الشيخ العالم شيخ الزيدية حسام الدين أبي محمد الحسن بن محمد الرصاص -رضوان الله عليه- وكان عالم الزيدية في عصره، والمبرز على أبناء دهره، وإليه انتهت رئاسة أصحاب القاضي شمس الدين -قدس الله روحه-.
فوقف عليه السلام عنده للقراءة فقرأ عليه الأصولين حتى فاق الأقران، وتقدم الكهول والشبان، وحكي أنه كان يكتب في لوح عشراً في أصول الدين في جانب، ويكتب في الجانب الآخر عشراً في أصول الفقه.
قال: وقرأت هذه ثلاثة أشراف وحفظتها، وهذه ثلاثة أشراف وحفظتها؛ فجمع بين القراءة في الفنين، وأدرك الغرض في العلمين، وصنف في أصول الدين قبل بلوغه في العمر إلى العشرين.

[تصانيفه عليه السلام]
وكان من محاسن تصانيفه في حال صباه ودراسته على شيخه حسام الدين -رحمه الله- كتاب (الجوهرة الشفافة) وهو جواب رسالة أنشأها رجل من أهل (مصر) وسماها (بالرسالة الطوافة إلى العلماء كافة) تشتمل على مسائل في الأصول بألفاظ يغلب على كثير منها التعقيد والتقعير، وهي نيف وأربعون مسألة، ومُوردُها أشعري متفلسف، فطافت إلى كثير من البلدان فما تصدى عالم لجوابها حتى انتهت إلى الشيخ الحسن -رحمه الله-، لأنه كان في علم الكلام شمساً مشرقة على الأنام، وحبراً من أحبار الإسلام.
فأمر رضي الله عنه الإمام بجوابها، فأجابها بأحسن جواب، وأوضح خطاب، مع الإيجاز في الألفاظ، والاستيعاب للمعاني، فجاءت حالية الجيد، محاكية للعقد الفريد، ووسم الجواب (بالجوهرة الشفافة رادعة الرسالة الطوافة) وأصحبها هذه الأبيات.
قال حميد -رحمه الله-: أنشدنيها في داره بحصن ظفار -حرسه الله-: [السريع]
هذي أمانة من تلم به .... حتى يؤديها إلى مصر
غراء واضحة تضيء ظلا .... م الليل مثل جمانة البحر
عدلية تمضى لحاجتها .... فتنح عنها أيُّها الجبري
إن كان فيها ما يسؤك من .... ديني فليس عليك من وزري
دعني وما ضمنتها فيه .... أرجو النجاة صبيحة الحشر
ومن تصانيفه عليه السلام: شرح (الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة) وهي جزاءن الأول في أصول الدين، والثاني في فضائل العترة -عليهم السلام-.
ومن تصانيفه عليه السلام: (صفوة الاختيار) في أصول الفقه.

ومنها: كتاب (حديقة الحكمة النبوية في تفسير الأربعين السيلقية) وهو من محاسن الكتب التي فاقت، والتصانيف التي راقت، مضمناً إيضاح الألفاظ اللغوية بشواهدها العربية.
قال حميد -رحمه الله-: ولقد سمعته يقول إنه فرغ من تأليف الجزء الثاني منها في سبعة أيام؛ أو ثمانية أيام وهو في خلال ذلك مشغول بتجهيز العسكر إلى بعض الجهات، ورأيت ذلك الجزء بخطه وهو جزء المسودة، ومن شاهده عجب من ذلك حتى أنه لا يكاد يوجد فيه سطر مطموس، ولا مزيد إلا النادر الذي لا يؤبه له.
[الشافي وسبب تصنيفه]
ومن تصانيفه عليه السلام: (كتاب الشافي) وهو النبأ العظيم والصراط المستقيم، كما قال الصاحب في (كتاب المغني) لأنه عليه السلام ضمنه علوماً كثيرة، وسيراً وأخباراً وتواريخ ونوادر وفرائد، ونخباً في الأدب وفوائد، وجعله أربعة مجلدة كباراً في جواب الخارقة.

وهي رسالة جاءت إليه من الفقيه المسمى بأبي القبائل الأشعري الجبري يطعن فيها على الإمام عليه السلام، وقد وقف له على رسالة إلى (الحجاز) ذكر فيها الإمام المنصور أحاديث نبوية، وضمنها ما يضمنه الأئمة دعواتهم من الدعاء إلى الجهاد، ومنابذة أرباب الفساد، ويذكر فيها الإمام طرفاً من فضل العترة النبوية، واعتقاداتهم في المسائل الخلافية الكلامية، وما يَدِيْنُون به في الأصول الدينية، فاعترضها فقيه الخارقة وطعن في شيء من النحو والتصريف، وما يكتب بالياء وما يكتب بالألف، ثم أخذ يتكلم في الأحاديث، ويعترض الإمام عليه السلام بعدم الأسانيد، وذكر فيما يزعم أن الإمامة في ولد العباس إلى غير ذلك من مذاهب الجبرية.
فلما وصلت هذه الرسالة المسماة بالخارقة أجابها الإمام المنصور بالله عليه السلام بهذا الكتاب الجليل وهو الشافي كاسمه، وجعله أربعة مجلدة كباراً ذكر في الجزء الأول جواب ما اعترضه من الأمور المتعلقة بالعربية، وأورد عليه من هذا القبيل جملة من المسائل الدقيقة التي لا يهتدي أحد إلى معرفتها.
ولقد قال الشيخ العلامة إمام الأدب إسماعيل بن إبراهيم بن عطية: أن المسائل التي أوردها المنصور على صاحب الخارقة مما يتعلق بعلم العربية لا هداية لأحد إلى معرفتها وجواب مشكلاتها إلا بوحي من السماء؛ هذا وهو علامة فنون الأدب، والآية المشار إليها في معرفة كلام العرب، وهذا فن شريف.

وضمن عليه السلام باقي المجلد الأول الكلام في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ومن بعده من أولاده الأئمة الطاهرين، ومن عارضهم من الأمويين والعباسيين إلى عصره عليه السلام، ولم يذكر نفسه، وختم الأئمة بالإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام، فذيل ذلك الكلام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن الوليد القرشي.
وكان من جملة كلامه أن قال: لما أنفذ الفقيه أبو القبائل المجبري القدري رسالته إلى الإمام عليه السلام، وهي الموسمومة (بالخارقة) وذكر فيها أئمته من بني العباس ومن قبلهم من أئمته، وأطنب في مدحهم؛ رأى مولانا –سلام الله عليه- أن يتكلم عليه في الجواب الكبير المعروف بالشافي عن جميع ما ذكره مما يجب الكلام عليه فيه.
حتى قال: إلى أن اتصل بآخر إمام من أئمة الحق -عليهم السلام- قبل قيام مولانا عليه السلام؛ وهو الإمام الأجل المتوكل على الله عز وجل أحمد بن سليمان بن الهادي عليه السلام، ولم يذكر مولانا نفسه، ولا تعرض للتعريف بشيء من أخباره وأحواله في هذا الجواب المذكور؛ أحب بعض أشياعه وأتباعه، والمتمسكين بحبل ولايته، المعتقدين لصحة إمامته أن يذكر من أخباره عليه السلام وأحواله طرفاً، ويكون من جنس ما ذكره من أخبار آبائه الطاهرين، وأحوالهم –سلام الله عليه وعليهم أجمعين-؛ من ذكر ولادته ونسبه وتربيته ومنشئه وعلمه، وجملة من تصانيفه وورعه وزهده، وبركته وسماحته وقوته على تدبير الأمر.

رجع الكلام منا إلى تمام وصف الشافي وما يتعلق به كل مجلد منه، هذا المجلد الأول، والمجلد الثاني والثالث والرابع في علوم شتى من مذهب العدلية من العترة النبوية، وأتباعهم من المعتزلة والزيدية، وبيّن الأسانيد في الأحاديث التي يختص بروايتها أهل البيت -عليهم السلام-، وأوضح طرقها، وحقق صحتها، وأتقن روايتها، وضمن ذلك كله فضل العترة النبوية، وأنها ومن تابعها الفرقة الناجية المرضية، وأزال تمويهات الجبرية، وكشف عن بوار هذه الفرقة الفرية، وذكر جميع ما يتمسكون به من الشبه في المسائل الكلامية، وأظهر بالأدلة الصحيحة الواضحة أنهم هم القدرية.
فكان هذا الكتاب من أقوى ما يعتمده الزيدية، وتعول عليه هذه الفرقة الهادية المهدية، فهو حصنها العزيز، ومعقلها الحريز، فقدس الله روح منشيه، وأعظم ثواب مصنفه وموشيه؛ فلقد كفانا مؤنة الطلب، وملأ لنا دلو المناظرة إلى عقد الكرب، وأتانا من علمه الباهر بأنواع العجب، ولله القائل: [البسيط]
لولا بدائِعُ صُنْعِ الله ما نبيّتَت .... تلكَ الفضائِلُ في لَحْم ولا عَصَبِ

36 / 39
ع
En
A+
A-