والجواب عن الأول على أصل من يحيل مقدورين قادرين هو أن المستحيل غير مقدور، فلا يلزم الكفر من قولنا أن الله غير قادر عليه، وإلا لزمهم الكفر من قولهم أن الله غير قادر على الجميع بين الضدين.
وأما تشبييهم بالمجوس فلم يكن كفر المجوس لأجل قولهم أن الله غير قادر على فعل الشيطان، بل لأجل أنهم أثبتوا قديماً مع الله.
وبعد، فإن الله تعالى وإن لم يقدر على غير فعل العبد، فإنه يقدر على حبسنه، ومن كل حبس وليس هذه مقالة المجوس.
وبعد، فعندهم أن الله تعالى لا يقدر على أن يكتسب فعل العبد، فما أجابوا به فهو جوابنا.
وبعد، فمذهب المجبرة أشبه بمذهب المجوس كما سلف بيانه.
وأما قولهم: أجمع الناس على شكر الله على الإيمان والمعتزلة ترد هذا الإجماع فه من جنس الخراريف، فإن المعتزلة تقول بموجب هذا الإجماع، ويشكرون الله على الإيمان؛ لأنه أقدرهم عليه ومكنهم منه ولطف بهم فيه وحببه إليهم ونحو ذلك، والله تعالى يشكرهم على فعله بمعنى أنه يرضاه لهم ويثنيهم عليه، وقد قال تعالى: {فأولئك كان سعيهم مشكوراْ، وما أرادت المعتزلة على القول بأن الإيمان سعي المؤمن وأنه مشكور عليه.
وبعد، فهب أن المعتزلة خالفوا الإجماع، فمن أين أن مخالفة الإجماع كفر هذا ما لا يقول به مميز.
الشبهة الثالثة في المعدوم
قالوا: زعمت المعتزلة أن المعدوم شيء وذات، وهذا موافقة لأهل الهيولا.
والجواب: معنى كون المعدوم شيئاً وذاتاً عند المعتزلة هو أنه يقبح العلم به على انفراده، وهذا لا يمكن إنكاره، وقد تقدم من الأدلة عليه ما لا وجه له لإعادته.
وأما قولهم فيه موافقة لأهل الهيولا فظاهر السقوط، وكيف وأهل الهيولا يثبتوا بها موجودة قديمة ولا يجعلون للقادر فيها تأثيرا ويمتنعون من كون العالم وجد بعد أن لم يكن، والمعتزلة أثبتوا التأثير في المعدوم على أتم ما يكون، بل لا يكون الشيء مقدوراً للقادر إلا في حالة العدم.
الشبهة الرابعة في أن القرآن مخلوق
قالوا: فكفرت المعتزلة بذلك لقوله عليه السلام: ((القرآن كلام الله فمن قال أنه مخلوق فقد كفر)).
والجواب: هذا الخبر أحادي والتكفير إنما يكون بالقطع من الأدلة، ونحن قد أوضحنا في ما سلف الأدلة على أنه مخلوق وإبطال قول الخصم في ذلك؛ ولأن معنى هذا الخبر إن صح فمن قال أنه منسوب إلى غير قائله كما يقال قصيدة مخلوقة إلى منسوبة إلى غير قائلها.
وبعد، فيلزمهم أن يكفروا عمر رضي الله عنه لقوله: فإذا اختلفتم فيه فكلوه إلى خالقه، وقد وضعه النبي عليه السلام بذلك في قوله: ((كان ولا شيء ثم خلق الذكر)) ونحو ذلك مما تقدم.
/404/ الشبهة الخامسة في مسألة الرؤية
قالوا: أنكرت المعتزلة الرؤية، وفي ذلك إنكار لقاء الله؛ لأنه لا يمكن لقاء الله إلا على الرؤية.
والجواب: أنا قد أوضحنا فساد أقوالهم في هذه المسألة وأن اللقاء لا يقيد الرؤية وإلا وجب أن يراه جميع الخلق؛ لأنهم يلقونه، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} ثم قسمهم فقال: {فأما من أوتي كتابه بيمينه} الآية، وقال تعالى: {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم غلى يوم يلقونه}، وقال: {واعلموا أنكم ملاقوه}.
وبعد، فالملاقاة حقيقة في المماسة وهي مستحيل في حقه تعالى.
وبعد، فيقال لهم: ما أردتم أن المعتزلة أنكروا لقاء الله، هل بالمعنى الذي تريدونه أنتم؟ وهو الرؤية فهو محل النزاع، فمن أين أن من أنكره كفر وإن أردتم أنهم أنكروا لقاء ثوابه وعقابه وما وعد أو توعد فلا وأبيكم ما أنكروه وأنهم لأشد معرفة منكم وأثبت قولاً.
فصل [في المرجئة]
لا يخلو القائل بالإرجاء، إما أن يقول أن الله تعالى ما توعد العصاة بالعقاب أصلاً، وهذا كفر بلى شبهة؛ لأنه رد لما هو معلوم ضرورة من الدين، وإما أن الله تعالى توعد العصاة ولكنه يجوز عليه الخلف والكذب، وهذا أيضاً كفر؛ لأن فيه تصريحاً بجواز الكذب على الله تعالى، ففارق حاله حال الإلزام، وأما أن يقول ان الفساق من أهل الصلاة ليسوا مزجورين عن المعاصي.
قيل: وهذا لا يكون كفراً، وإن كان في كونه فسقاً خلاف، وأما أن يقول أنهم داخلون تحت هذه العمومات، لكن يقطع أن الله يعفو عنهم بمخصص إخراجهم أو يجوز عنهم أو عن بعضهم أو قال في هذه العمومات شرطاً واستثناء لم ينب عنه الظاهر ونحو ذلك من أقوال المرجئة، فإن هذا لا دليل على كونه كفراً ولا فسقاً، والذي يشتبه أن يقال أنه يلزمهم عليه أنهم قد جوَّزوا على الله الألغاز والتعمية، وقد تقدم أن الكفر لا يثبت بالإلزام.
فصل [في الخوارج]
ذهب أهل العدل إلى أنه لا يقطع بكفرهم لفقد الدليل عليه لكنهم فسقوهم بتنزيهم من أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من أئمة الحق وتكفيرهم إياهم؛ لأن ذلك يقتضي الاستخفاف بهم والاستخفاف بأئمة الحق فسق.
وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم يكفرون، ولهم في ذلك شبهة:
الأولى: أن الخوارج يعتقدون إباحة قتل من خالفهم من الأئمة وغيرهم واستباحة أموالهم ويفعلون ذلك.
والجواب: إنما يكون فسقاً فقط، وأما الكفر فلا دليل لهم عليه؛ لأنهم يعتقدون حسن ذلك وأن الله أباحه، فلا يمتنع أن يكون اعتقادهم لحسنه وإباحته عاصماً لهم من الكفر.
الثانية: أنهم حكموا بأن المعاصي كفر، وهذا رد للمنصوص، وأيضاً ففيه نسبة الأنبياء غلى الكفر؛ لأنهم قد عصوا.
والجواب: إنما يكون القول بمخالفة النصوص كفر إذا كان مقتضاها /405/ معلوماً ضرورة من الدين، فأما ولشبهة فيه مدخل فإنما يكون جهلاً فقط.
وإما نسبة الأنبياء إلى الكفر فمن قال به كفر، لكن الظاهر من حال الخوارج أنهم يمنعون وقوع المعاصي من الأنبياء.
الثالثة: أنهم كفروا أمير المؤمنين وتبرّوا منه، وهذا استخفاف بالدين وهو كفر.
والجواب: بل إنما يكون فسقاً فقط لتضمنه الاستخفاف بإمام الحق، فأما أنه استخفاف بالدين فلا دليل عليه، وكيف وعندهم أنهم أشد الناس إعزازاً للدين.
وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية )) فهو أحادي.
فصل [في الرافضية]
حكى الأصمعي أن سبب تلقيبهم بالرفض أن زيد بن علي لما خرج لله جاءه قوم وسألوه البراءة من الشيخين، فأبى ذلك فرفضوه وعزلوا إمامته، وقيل: سموا بذلك لرفضهم أبا بكر وعمر.
قال زيد بن علي: حدثني أبي، عن أبيه، أنه قال: يا علي يكون في آخر الزمان قوم يدعون حباً لنا لهم نبر يعرفون به يقال لهم الرافضة يرفضون الإسلام، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم قتلهم الله. قلنا: ما علاماتهم؟ قال: ليس لهم جمعة ولا جماعة، يسبون أبا بكر وعمر. وقد اختلف الناس في تكفيرهم، فذهب العدلية والرازي من المجبرة أنه لا ليل على إكفارهم، وكفرهم أكثر الأشعرية لمثل ما تقدم في الخوارج.
فصل [في المقلدين والعوام]
لا خلاف بين الجمهور أن المقلد مخطئ وإنما اختلفوا في كفره، فقال أبو القاسم وغيره من الشيوخ: لا يكفر؛ لأن المعلوم من حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحكم بإسلام من تكلم بالشهادتين من الأعراب، والظاهر من حالهم أنهم لم ينظروا في هذه الأدلة، وإنما كانوا معتقدين لصحة ما جاء به من غير نظر، وهذا هو معنى التقليد، وكذلك فالصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا يحكمون بإسلام من علموا من حاله اعتقاد إثبات الصانع وصفاته وما يجب له وأقرَّ بذلك وإن علموا من حاله إهمال النظر والميل إلى التقليد.
وقال الشيخان وغيرهما: يكفر المقلد، واحتجوا بأن الإجماع منعقد في كل عصر على أن التارك لمعرفة الله تعالى والعادل عنها مع التمكن منها كافر المقلد عادم للمعرفة تارك لها، فيجب أن يكفر.
واعترض بأنه إن كان المدعي إجماع الصحابة فالمعلوم أنهم لم يتكلموا في هذه المسائل ولا يحثوا بحث المتأخرين عن أدلة حدوث العالم وتقرير النبوَّة، وإن كان المدعى إجماع الأعصار المتأخرة عن المسلم فغير صحيح.
ويمكن الجواب بأن المدعي إجماع كل عصر إلى وقت الخلاف على أن الجاهل بالله جملة وتفصيلاً كافر، فأما الصحابة وغيرهم فإنهم وإن لم يبحثوا بحث المتأخرين عن أدلة الصانع /406/ والنبوات فقد بحثوا عنها على الجملة، ونحن إنما أجبنا العلم الحمليّ، وقد ظهر في كلاماتهم في توحيد الله وعدله وحكمته ما يدل على علمهم، لا سيما أمير المؤمنين فإن العلماء أبداً مستمدون من خطبه قواعد أصول الدين، على أن أكثر ما وقع الخلاف فيه بعدهم كان ظاهراً في عصرهم لا مجال للاشتباه فيه نحو عدل الله وحكمته وصدق رسله وأشباه ذلك، وإنما أحوج إلى دقيق الكلام أهل البدع ومتبعوا الشبهات.
دليل ، قد ثبت أن الشاك في الله كافر، ولا علة في كفره غلا انتفاء المعرفة، وهذا ثابت في المقلد؛ لأنه فاقد لها.
واعترض بأنه لا يمكن القطع بأن علة الشاك انتفاء المعرفة فقط، ومن الجائز أن تكون العلة انتفاء المعرفة أو ما يقوم مقامها، والمقلد قد فعل ما يقوم مقامها، وهو أنه اعتقد الحلق لكنه اعتقاد تقليد وغير ممتنع أن يقوم اعتقاد التقليد مقام المعرفة في اللفظ، لكن لا يتناوله التكليف لقبحه، وهذا العذر وإن كان غير صحيح، فلا تمتنع معه السلامة من الكفر لجواز أن يكون عقاب المقلد أخف من عقاب المقلد أخف من عقاب الشاك.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن العوام من أمة محمد عليه السلام والنساء غير جاهلين بالله ولا مقلدين، بل هم عالمون به على الجملة لأجل ما يشاهدونه من الأدلة الإلهيَّة في ملكوت السموات والأرض ويعلمون وجه دلالة ذلك، وهو أنها محدثة، ولا بد لها من محدث قادر عالم ونحو ذلك، لكنهم يعلمون ذلك على الجملة ولا يعلمون تفاصيل الأدلة ولا تعيينها، فلو قلت لأحدهم: ما الدليل على إثبات الصانع لما درى ما يقول لك، فإذا قلت له الدليل على ذل ملكوت السموات والأرض، قال لك: إني قد شاهدت ذلك وعلمته، ولكن لم أعلم أنه هو الدليل، وصار الحال فيه كالحال فيالعاقل، فإنك تقول لكثير من الناس ما علوم العقل فيقول: لا أدري، فإذا قلت له: هي العلم بأحوال النفس وبالبداية والمحسوسات وأخذت تعددها له، قال لك: فأنا أعلم هذه الأشياء، ولكني لم أعلم أنها هي علوم العقل، وهكذا حال العوام من أهل الإسلام، ولهذا تجد في قلب كثير من العوام من الخشوع والخوف والطاعة له والتوكل عليه ما لا تجد في قلب كثير من العلماء، وهذا القول أحسن ما يقال في أمة محمد عليه السلام العوام قائل لا يكاد تجد أحد منهم يظهر له شيء من ملكوت السموات والأرض وعجائبها إلا وهلل ووحد وظهر من حاله ما يدل على أنه لاح له وجه يقتضي ذلك التهليل والتوحيد.
وأيضاً فإن القرآن مشحون بالأدلة والتنبيه عليها نحو قوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرَّة} وقوله: {إن في خلق السموات والأرض} ونحو ذلك من الأحاديث والمواعظ، ولا شك أن أكثر العوام ينتبهون لها ويعقلون معناها، ولكن إذا سألت أحدهم فربما لا يحسن /407/ العبارة عما في نفسه، وربما يخجل لأجل السؤال خوفاً من أن ينزل في العبارة وسيعظم الخطر في ذلك، وربما يذهب عنه ما عنده للخجل والهيبة، ولو بهته لاستحضره قلبه وربما لا يتميَّز له ما يدل على الذات مما يدل على الصفات ولا صورة ترتيب الدلالة وإيرادها، وربما يرد في لفظ السؤال ألفاظ لا يعقل هو معناها على التفصيل نحو قولنا: ذات وصفة وجوهر وتحيّز ونحو ذلك مما لأجله يضطرب جوابه ويلتبس عليه كيفيّة القول.
يزيده وضوحاً أنك لا تكاد تورد للمتعلم دليلاً في إثبات الصانع أو صفاته إلا ووجده موافقاً لما في قلبه ولما يعلمه من جملة الدين ما إذا قلت له الدليل على أن الله تعالى عالم هو أنه قد صح منه الفعل المحكم، فإنه يجد نفسه عالمه بأن في أفعال الله من الأحكام شيئاً عظيماً، لكنه لم يكن يعلم أن هذا هو الدليل ولا أن الدليل يورد على هذه الصورة.
القول في التفسيق
اعلم أن الفسق كالكفر في أنه لا يجوز إثباته إلا دليل قاطع، وهو إن جاز ثبوته في نفس الأمر من غير دليل كمن يعصي معصية يكون في معلوم الله كبيرة ولا نقطع نحن بكونها كبيرة، بل لا يصح كما تقدم أن يدلنا الله على كل فسق؛ لأن في ذلك العلم بأن يكون ما عداه صغيراً.
فصل
وذلك الدليل هو السمع فقط من صريح كتاب الله أو سنة متواترة أو إجماع معلوم أو قياس قطعي.
أما الكتاب فنحو قوله تعالى في أكل مال اليتامى: {إنه كان حوباً كبيراً}، وقوله في الإفك: {ويحسبونه هيناً وعو عند الله عظيم} وقوله في الربا: {الذين يأكلون الربا} إلى قوله: {ومن عاد ينتقم الله من}. وباجملة كلما فيه وعيد يخصه.
وأما السنة فكعقوق الوالدين والرياء والفرار من الزحف.
وأما الإجماع فكإجماعهم على فسق من خرج على إمام الحق واستخف به، وكإجماعهم على أن ترك الصلاة من غير عذر فسق.
وأما القياس فكأن يعلم العلة في كون بعض الأفعال فسقاً فيحكم بالفسق في ما حصلت فيه تلك العلة أو هي وزيادة، كأن يعلم أن سرقة عشرة دراهم إن كانت فسقاً لكونها مضرة بهذا القدر، فيعلم كون غصب عشرة دراهم فسقاً لحصول العلة فيه، لكن الأغلب أنه لا يمكن القطع بعلة فسق قط، ألا ترى أنه لا يمتنع أن تكون العلة في كون السرقة فسقاً إنما هي سرقة ومضرة، فلا يمكن قياس الغصب عليها؛ لجواز أن تكون المفسدة في السرقة أكثر، فيكون الذنب بها أعظم.
القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر هو: قول القائل لغيره افعل أو ما يقوم مقامه على جهة الاستعلاء مع إرادته /408/ لحصول ما تناولته الصيغة.
والنهي: قول القائل لغيره لا تفعل أو ما يقوم مقامها على جهة الاستعلاء مع كراهتة لحدوث ما تناولته الصيغة.
والمعروف: هو كل فعل يستحق به الثواب، لهذا لا يوصف فعل الله تعالى بأنه معروف. والمنكر: هو كل فعل يستحق به العقاب، ولا حاجة غلى ذكر ما يدل على الاشتقاق، فيقال: هو ما عرف فاعله حسنه أو قبحه؛ لأنه ليس كل حد اصطلاحي يذكر فيه وجه الاشتقاق؛ ولأنه إن أكن ذكر الاشتقاق في المعروف فلا يمكن ذكره في المنكر.
فصل
لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن اختلف في كيفية هل يجب بالقول والفعل أو بأحدهما كما سيتضح، ويدل على وجوبه من الكتاب: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} إلى قوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..} الآية، وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} فأمر الله أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأوجبه على الكفاية، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وقال تعالى: {كنتم خير أمة..} الآية.
وأما السنة فقوله عليه السلام: ((ليس لعين ترى الله يعصى فيطرق حتى يغيروا وينتقل فيه عن البلد)) وقيل عن المكان والمراد وينتقل إن لم يمكن التغيير، وليست أو هاهنا للتخيير، وعنه عليه السلام: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم)) وأشباه هذا من الأحاديث أكثر من أن تحصى، ولو ادعى كونه ضرورة من الدين لأمكن.
فصل
كان المتقدمون من شيوخنا يطلقون القول بوجوب ذلك إطلاقاً حتى جاء المتأخرون ففصلوا، فجعلوا الأمر بالواجب واجباً، والأمر بالمندوب مندوباً، قالوا: لأنه لا يريد حال الأمر على حال المأمور به، فإذا جاز للمأمور أن يترك المندوب جاز للآمر أن يترك الأمر به، فأما المنكر فلا ينقسم، فلذلك وجب النهي على الإطلاق إذا تكاملت الشرائط التي يأتي ذكرها.
فصل
واختلف الشيخان في هل يدل العقل مع السمع على وجوب ذلك، فقال أبو علي: يدل على وجوب ذلك.
وقال أبو هاشم: لا يدل إلا في صورة واحدة وهي أن يلحق أحدنا برية المنكر اغتمام وغيظ فيقضي العقل بوجوب الإنكار دفعاً للضرر عن نفسه، وما عدا ذلك لا يقضي العقل بوجوبه؛ لأنه من باب الإحسان إلى الغير ودفع الضرر عنه، فهو حسن فقط.
وبعد، فلو وجب عقلاً لم يكن بد من وجه وجوب يعلمه العقل؛ غذ لا يقضي بالوجوب من غير وجه، ولا وجه في العقل يقضي بوجوب ذلك، والذي يشتبه الحال فيه أن يقال: أن العلم يقبح الفعل يتبعه وجوب المنع منه حبراً أو يقال: أن العقل يقضي بوجوب كراهة القبيح يتبع وجوب المنع من فعله /209/ أوي قال: يجب ذلك لئلا يوهم أنه يريد المنكر أو يكره المعروف، وكل هذه الوجوه يقتضي أن يجب على الباري أن يمنع من المنكر بطريق القهر، ويقتضي أيضاً قبح إقرار أهل الذمة على القبائح وأخذ الجزية.
ولأبي علي أن يقول: أما الأول فلا يصح؛ لأن الباري تعالى مكلِّف، فلا يدفع أحدنا بطريق القهر بخلاف أحدنا، فإنه يحسن منه المنع بطريق الإكراه والحمل على الواجبات.
وأما الثاني: فمسلم أن العقل قد كان يقضي بقبح إقرار أهل الذم بعد العلم بخطئهم، لكن السمع قضا بإقرارهم، فأما دعوى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لطفٌ والعقل يقضي بوجوب اللطف، فلا يصح؛ لأنه لا يمكن القطع من جهة العقل على أن ذلك لطف.
فصل
وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تبدأ بالقول اللين، فإن حصل به المقصود من الامتثال وإلا تعداه إلى القول الخشن والوعيد، فإن نفع وإلا العصا ثم السيف، والوجه في هذا الترتيب أن الغرض بالأمر بالمعروف والنهي هو أن يقع المعروف وأن لا يقع المنكر، فإذا تم الغرض بالأمر السهل فلا وجه للتعدي إلى الأمر الصعب، وقد ورد النص بذلك، قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..} الآية، فأمر بإصلاح ذات البين أولاً، وهو يتضمن الكلام الليّن والخشن ثم القتال، وبهذا يبطل ما حكي عن بعض الإمامية من أنه لا يجب الضرب ولا القتل، إلا إذا كان هناك إمام، ويبطل أيضاً ما يحكى عن بعض المرجئة من أنه لا يجب إنكار المنكر إلا بالقلب فقط؛ لأن الآية لم تفصل بين الإنكار بالقلب والإنكار بالجوارح.