قوله: (وبين ما يكون سببه) أي سبب وجوبه طاعة كالنذور فإن لفظ النذر قربة كما إذا نذر بركعتين وتصيران بذلك السبب واجبتين.
قوله: (واعترضه بعضهم).
كان في أصل النسخ وهي التي بخط المصنف تصريح بأن المعترض شيخه القاضي سليمان بن إبراهيم النحوي ثم خدش اسمه وأبدله بلفظ: بعضهم.
قوله: (إن كان من قبيل الدواعي).
نظراً إلى ظاهر عبارة الجمهور وليس مرادهم أن الألطاف لاتكون إلا من قبيل الدواعي التي هي اعتقادات وظنون فإنهم مصرحون بلطفية كثير من الأفعال وليست كذلك بل أرادوا أن الألطاف تدعو إلى فعل الملكوف فيه وقصدوا بذلك ما قصده المصنف يقوله أن يختار عندها فعل الملطوف فيه.
قوله: (ولامتممه للألطاف).
لعله أراد بالمتممة ما يقصده أهل علم الأصول بالمكملات للضروريات التي هي حفظ العقل والنفس والنسب ونحو ذلك كتحريم قطرة من الخمر فإن ذلك لا لكونها يحصل بها ضياع العقل بل على جهة التكميل.
قوله: (ولهذا حكمنا بأن بعثة الرسل) إلى آخره.
يعني لاعتقادنا كون الشرعيات واجبة في نفسها لقيام الدليل على ذلك حكمنا بما ذكر ولو لم يكن واجبة في نفسها بل أوجبت لتحصيل الثواب لم يجب التكليف بها وكذلك البعثة التي هي للتعريف بها.
قوله: (فأما المفسدة من فعل المكلف) إلى آخره.
ظاهر كلام المصنف أنه يجوز وقوع المفسدة من فعل المكلف سواء كانت مفسدة في حقه أو حق مكلف غيره والمروي عن الشيخين أن أبا علي يمنع من وقوعها وأن أبا هاشم يجيز أن يقع من المكلف حيث هي مفسدة في حق نفسه ويمنع من جواز وقوعها إذا كانت مفسدة في حق غيره مطلقاً، ويوجب على الله ألا يمكنه منها مهما أراد بنفيه التكليف وكذلك إذا كانت من فعل غير المكلف.
قوله: (أو دفع ضرر عاجل).
أراد ضرر الخوف الحاصل عند عروض الخاطر.
قوله: (أو لوجوب شكر المنعم).
يعني على التفصيل لأنه مفصلاً لا يمكن إلا بعد معرفة المنعم.

فصل في الكلام على أهل الأصلح
اعلم أن الذي تقدم كلام على الأصلح في باب الدين وقد ذكر مذهب الجمهور في وجوبه على الله لأن المراد بالأصلح في الدين الألطاف التي يدعو المكلف إلى امتثال ما كلفه وأما الأصلح في غير باب الدين كمصالح الدنيا من الأرزاق وغيرها فقالت البصرية من المعتزلة وكذلك الزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية أن هذه المصالح الدنيوية غير واجبة على الله وإنما هي تفضل منه وجود وكرم كما إذا أحسن الواحد منا إلى غيره. وقالت البغدادية: الشيخ أبو القاسم وغيره أن ذلك واجب على الله واختلفوا فمنهم من قال بوجوب ذلك عليه مع ..... كوجوب قضاء الدين حتى لو قدر إخلاله به لاستق الذم.
وقال أبو القاسم: بل يجب وجوب وجود وتفضل لا أنه يصير مستحقاً عليه وهو خطأ في العبارة حيث سمى الجود والتفضل واجباً وليس الواجب من هذا الجنس إلا ما كان مستحقاً وهذا الخلاف هو في المصلحة الدنيوية /40/ ومعنى كونها دنيوية أنها لا أثر لها بدعاء وصرف في شيء مما كلفناه فعلاً أو تركاً سواء كانت تلك المصلحة في الدنيا أو في الجنة.
قيل: وحقيقتها المنفعة التي يصح أن ينتفع بها العبد ولاضرر فيها على غيره ولا وجه من وجوه القبح مع تعريها عن الدعاء والصرف في الدين.
قوله: (والنظر في العقليات أي هو المثال في العقليات).
يعني النظر في معرفة الله لأنها لاتتم المعرفة إلا به والظهور هو المثال في الشرعيات لما لايتم الواجب إلا به فإن الصلاة لاتتم إلا بالطهور.
قوله: (وكالاعادة). يعني فإنه لايتم الواجب من الإثابة للمطيعين ولاعوض للمؤلمين والانتصاف من الظالمين للمظلومين إلا بها.
قوله: (واستحالته لاتخرجه عن كونه واجباً).
فيه نظر بل تخرجه وكيف يجب ما لايطاق فإن الذي لا يتناهى مستحيل والمستحيل لايطاق والذي لايطاق لايجب.
قوله: (بحيث لايعلم بها المكلفون). يعني فلا يقدر أن في علمهم بها مفسدة.
قوله: (لأنه إذا حصل وجه الوجوب وجب الفعل).

فيه نظر لأنه لابد أن يتعرى عن وجوه القبح وإلا فإنه إذا تعارض وجه وجوب ووجه قبح فترك المفسدة أهم من تحصيل المصلحة.
قوله: (ولوجب أن ينقي الله الكفار كلهم). يعني إن كانت التنقية أصلح.
وقوله: (أو يميتهم كلهم). يعني إن قدرنا أن إماتتهم أصلح.
قوله: (سائر المباحات). يعني كالأكل والشرب وهو يلزمهم حيث في المباح نفع فأما ما لانفع فيه فلا يلزم لكن يقال: إن الذي لانفع فيه يخرج عن حد المباح إلى العبث الذي هو نوع من القبيح وفي الإتيان بلظفه سائر هنا نظر فإنه إنما يقال سائر كذا بعد أن يؤتى بشيء منه كأن يقال: الأكل وسائر المباحات ونحو ذلك وقد عد الحريري هذا من غلطات الخواص في كتابه درة الغواص.
قوله: (ويقتضي اعتبار قيد زائد).
يعني وهو ألا يكون فيه ضرر ولو التزموا هذا لم يضرهم لكنهم لم يرد في كلامهم اعتبار هذا القيد.
قوله: (كسائر الواجبات). يعني فإنها لاتخلو عن ضرر ومشقة.
فصل في شبههم
قوله: (يجري مجرى التمكين).
يعني من الفعل المكلف به ومعنى كونه جارياً مجراه أنه إذا لم يفعل كان تركه علة للمكلف في ترك ما كلفه كما إذا لم يتمكن.
قوله: (يجري مجرى الاستفساد).
أي طلب الفساد بفعل المفسدة لأنهم قد ذكروا أن ترك اللطف في نقض الغرض كفعل المفسدة.
قوله: (فأما الشرع فقد جاء بوجوب الزكاة) إلى آخره.
هذا لامعنى له فإن الزكاة لاتتعين على ربها صرفها في فقير معين كما لايتعين عليه أن يتفق على الغير من ما له فكان الأحسن أن يقول فأما الشرع فقد ورد بأنه يجب على المؤسر أن يسد رمق المشرف على الهلاك من ماله ويصير ذلك من جملة الواجبات الشرعية كما أن الشرع أجاز ...... خشي على نفسه التلف أن يأخذ من مال الغير وإن كره لأن حرمة النفس آكد.
قوله: (فأنهم يعتقدون وجوب إضافة الضيف).
ظاهره أن وجوب الإضافة لا أصل له في الشرع وقد ذكر علماء الشرع بها يجب على أهل الوتر وله أصل في الأثر.
قوله: (قلنا ليس هذا وزان المسألة) إلى آخره.

جواب صحيح وقد يجاب بأنه إنما قبح من أحدنا ذلك من حيث أنه لا غرض له في المنع من ذلك حتى لو قدرنا أن له في ذلك غرض صحيح لم يقبح منه المنع. والله تعالى لايصح كون عدم خلقه لما ينتفع به الأحياء ويتنعمون به من قبيل التفضل عبثاً.
القول في الآجال
وجه إدخال القول في الآجال والأرزاق والأسعار في علم الكلام واتصالها بباب الألطاف جواز كونها ألطافاً أما الأجل فقد يكون حياة الإنسان وموته لطفاً لغيره وأما هو فلا يصح أن تكون حياته لطفاً له لأن اللطف لابد أن يكون زائداص على التمكين ولاموته لأنه لاتكليف بعده لكن العلم بذلك يمكن كونه لطفاً له ولايقطع بذلك ويقطع بأن الموت لطف لغيره إذ لابد فيه من اعتبار /41/ وهو متعذر في حقه فيثبت لغيره، وأما الأرزاق فمن الجائز الممكن المستقرب كونها ألطافاً وأن الله سبحانه يفعلها ويبسطها طلباً للاح عبده وتعريضاً له للشكر والعفاف وغير ذلك من الطاعات، وأما الأسعار فما كان منبته من غير الله تعالى فلا يقطع فيه بلطف ولا خلافه وما كان من جهة الله ويحصل به ألم أو غم فلا بد فيه من لطف للمتألم أو المغتم أو غيره والذي لا ألم فيه ولاغم يجوز ذلك فيه ولايقطع به، وقد نبه المصنف على هذه المعاني في آخر الأبواب.
قوله: (الأجل هو كل حادث) إلى آخره.
الظاهر من اللغة أن الأجل في أصلها مدة الشيء وفي عرفها إذا أطلق فلوقت الموت ولايستعمل في غيره مطلقاً بل مقيداً كأجل الدين.
قوله: (إن مات الأمير). هذا من أمثلة النفي لأن الموت انتفاء الحياة عند الجمهور.
قوله: (فعبده حر) كذلك لأن الحرية انفتاء الملك وأما مثال الصفات فكان يقال: إذا حصل الوجود للجوهر تحيز.
فصل
قوله: (ومعنى أن الله جعل للشيء أجلا) إلى آخره.
يقال: بل المعنى الأظهر في كون الله جعل له أجلاً أنه حد له وقتاص لايتعداه إلى غيره ويكون انقطاع الحياة مثلاً في آخره يفعله تعالى أو نحو ذلك.
فصل
قوله: (ولايصح فيمن قتل غيره).

أو يقال أنه قطع أجله هذا مذهب أبي هاشم وأصحابه بناء على أنه ليس للموت إلا أجل واحد وقالت البغدادية بل للموت أجلان مقدر ومسمى واختلف في تفسيرهما عنهم فقال الحاكم: المقدر الذي يموت أو يقتل فيه والمسمى الذي لو لم يقتل مثلاً أو لم يغرق أو يصيبه الهدم أو يحترم لبقي إليه.
وقيل: بل الأقرب أن المخالف يعكس فيجعل المسمى هو الذي يموت فيه أو يقتل أو نحو ذلك والمقدر يختص بالمقتول والغريق ونحوهما وهو الذي يقدر بقاؤه إليه لو لم يبق له ذلك لأن هذا أنسب إلى العبارة ولايبعد أن يكون مذهبهم هذا متفرعاً على قطعهم بأن المقتول لو لم يقتل لعاش.
والحجة الواضحة للبهشمية أن الأجل هو وقت الشيء الذي يقع فيه فلو جعلنا للموت أجلين لزم ثبوت موتين في هذه الدار وخلافه مقطوع به واحتج البغدادية بقوله تعالى: {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده}.
وأجيب بأنه تعالى لم يرد أجلين للموت وإنما أراد بالأول أجل الموت وبالثاني أجل القيامة هكذا ذكره جار الله في تفسيره.
قال: وقيل الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأول: النوم والثاني الموت.
واعلم أن احتجاج البغدادية هذا يقضي بصحة تفسير الحاكم لقولهم والذي عكس نظر إلى ظاهر العبارة فقط والمعول عليه ما ذكره الحاكم ومعنى كون الأول مقدراً أن الله قضاه وقدره لا بمعنى أنه تقديري ومعنى كون الثاني مسمى أنه سماه ولم يقض به والله أعلم.
واحتجت البغدادية أيضاً بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} الآية فإنه نقل عن الحسن البصري في تفسيرها أنهم قوم هربوا من الطاعون فماتوا قبل آجالهم، وأجيب بتسليم أن للمذكورين في الآية أجلين فإنهم أميتوا في الدنيا مرتين والخلاف إنما هو فيمن يموت مرة واحدة.

قالت: قال مولانا عليه السلام: الخلاف في الحقيقة إنما هو في القاعدة التي بنى البغداديون كلامهم عليها وهو أن المقتول ونحوه لو لم يقع فيما وقع فيه لعاش قطعاً فلو صحت لهم لم ينازعوا فيما ذكروه من الأجلين وكان كلامهم فيه مستقيماً.
قوله: (ما ورد في الحديث أن الرجل ليصل رحمه) إلى قوله: الخبر تمامه: وإن الرجل ليطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيبتره الله عز وجل إلى ثلاث سنين.
وقوله: (وفي رواية الحديث: فيرده الله). الذي في شمس الأخبار: فيمدها الله. ومثل هذا ما نقل عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( احتضر رجل بار بأهله وفي جواره عاق بأهله فقال الله للملك ـ وهو أعلم بذلك ـ: كم بقي من عمر هذا العاق؟ قال: ثلاثون سنة. قال: حولها إلى عمر هذا البار واقبض روح هذا العاق )).
فصل
قوله: (ذهب الجمهور من شيوخنا إلى أن المقتول لو لم يقتل لجاز أن يموت وجاز أن يعيش).
هذا قول الزيدية وجمهور المعتزلة منهم الشيخان وقاضي القضاة وأتباعهم.
قوله: (لجواز أن يعلم الله من حاله) إلى آخره.
هذه الزيادة غير محتاج إليها ولا هي بمستقرة المعنى.
قوله: (وقال أبو الهذيل) هذا أيضاً منسوب إلى الحشوية والجبرية لكن عللوا بغير ما علل به وهو أن وقوع خلاف المعلوم محال ورد ما ذكروه بأن تقدير بقائه لو لم يقتل لايكون فيه خلاف ما علم الله لأن الله سبحانه قد علم أنه يقتل في ذلك الوقت وعلم أنه لو لم يقتل لعاش إلى وقت آخر يكون موته فيه.
قوله: (وقال بعض البغداديين).

الذي في غير هذا الكتاب نسبته إلى جملتهم وهكذا الخلاف في كل من مات بسبب من هدم أو غرق أو تحريق والظاهر بقاء كلام الجمهور على ظاهره وقال الحاكم: بل المراد التجويز في حق المقتول لو لم يقتل وأما بعد القتل فيقطع أنه لم يكن يجوز غيره لأن الأجل عبارة عن وقت الموت فإذا قتل في ذلك الوقت فقد مات في أجله وإلى هذا أشار صاحب شرح الأصول حيث قال: ولاخلاف فيمن مات حتف أنفه أو قتل أنه مات بأجله لأن الأجل هو وقت الموت وهما جميعاً قد ماتا وإنما الخلاف في المقتول لو لم يقتل كيف كان يكون حاله في الحياة والموت.
قوله: (على أنه قد فوت عليه بالقتل أعواضاً كثيرة).
يعني لأنه إاذ مات حتف أنفه أو بسبب من الله فآلام الموت وغمومه من جهته تعالى فعوضها عليه والعوض المستحق عليه يبلغ في الكثرة مبلغاً لايبلغه ما كان من غير الله تعالى أو بسبب منه كما سيأتي فيكون ظلمه إياه لتفويته تلك المنافع عليه ومما حتج به أبو الهذيل ومن قال بقوله قوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} أراد مصارع الموت.
وأجيب بأن المعنى لو كنتم في بيوتكم وقد علم الله أنكم تقتلون في وقت كذا بموضع كذا لبرز المعلوم ذلك من حالهم إلى تلك المصارع باخيتارهم لداع يدعوهم إلى ذلك كما ورد في الخبر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه إذا علم الله وفاة عبد في جهة جعل له فيها حاجة.
فصل
قوله: (ومعنى كون الأجل لطفاً ... يختلف) إلى آخر كلام المصنف في هذا الفصل جيد واضح.

قوله: (ويجوز أن يكون علم زيد بأنه يموت) إلى آخره. هو صحيح ويتصور مثله في علمه بحياته في مدة عمره، ويتصل بهذا الباب فائدة ينبغي أن تعد فصلاً من فصوله وهي أن الله تعالى هو المميت لكل حي وهذا أمر ظاهر لايجهله مسلم والمسلمون مجمعون عليه ولو ادعى كونه معلوماً بضرورة الدين لأمكن وخالفت فيه المطرفية فقالوا: إن الله تعالى لايميت الأطفال ولا من لم يبلغ عمره مائة وعشرين سنة ومن مات دون ذلك فموته لأسباب عارضة لا أن الموت من الله وينبغي أن يسألوا عن سبب موت من حكموا بأن الله لم يمته. فيقال لهم: هل مات لأمر أو لا. لايصح أن يحكم بأن موته لا لأمر لنه حينئذ لايكون بأن يموت أولى من ألا يموت وإن كان لأمر وقد ثبت أن الموت إما معنى مقابل الحياة أو عبارة عن التفريق المضاد لما تحتاج الحياة إليه فهذا العفل لايصح أن يكون إلا من فاعل والفاعل لايصح أن يكون هو الميت إذ لايقف على قصده وداعيه ولاينتفي لصارفه وكراهته وإن قيل بأن المؤثر غيره لم يصح لأنه إن كان موجباً قديماً فلا قديم مع الله، وكان يلزم حصول الموت قبل أوانه لأن ذلك الموجب القديم حاصل قبله بل كاني لزم ألا يوجد حي، وإن كان موجباً محدثاً فما هو ولأنه إنما يكون سبباً فالمؤثر فيه إذاً محدثه، وإن كان مختاراً فلا يصح أن يكون عرضاً ولاجماداً إذ لا اختيار لما هذه صفته وإن كان قادراً بقدرة فمن هذه صفته لايفعل فعلاً في غيره إلا بواطسة الاعتماد ولايعلم شيء من ذلك في حق من مات، وأما من مات بسبب من الغير /43/ فإن موته مضاف إلى فاعل ذلك السبب وأعواضه عليه، وإن كانت الدلالة قد قامت بأن الله تعالى هو المميت له وأن ملك الموت يتولى قبض روحه ويدل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: {خل الموت والحياة}، والظاهر الاستغراق لحصول أداته، ومثله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}.

القول في الأرزاق
الرزق في اللغة العطاء، قيل: ومن معانيه الشكر. قال تعالى: {وتجعلون رزقكم} الآية. وقيل: الرزق في أصل اللغة عبارة عن كل ما يغتذي به الحيوان اقتناء على وجه لاترجح مضرته على نفعه ولايساوى ولامنع منه ليخرج نحو الدم والخنزير وما أشبه ذلك ويفترق الرزق والملك فالرزق أعم إذ يدخل فيه ما ليس بملك كلاماء والكلا. وإذا قيل: رزق الملك جنده. فالمعنى أعطاهم رزقهم المفروض لهم ويقال: رزقك الله ولداً صالحاً أي وهب لك فإن كان المعطي مما يسمى رزقاً فهي نسبة حقيقية وإن لم يكن كذلك فهي مجازية كقولهم: رزقك الله العافية.
قوله: (فلأسباب حادثة).
قال صاحب شرح الأصول: سبب الملك ربما يكون الحيازة وربما يكون الإرث وربما يكون المبايعة وربما يكون الهبة هذا في الآدميين قال: وأما في البهائم فينقسم أيضاً إلى ما يكون رزقاً على الإطلاق وذلك نحو الماء والكلا وغير ذلك وإلى ما يكون رزقاً على التعيين وذلك نحو ما حواه فمه والمعنى أنه إذا حاوه فمه فقد تعين له فلا يجوز لغيره أخذه.
قيل: والرزق يكون من عند الله كتوالد المواشي ونما الزرع وإجراء الفلك إلى الجهة المقصودة لطلب الرزق وقد يكون سببه من فعل العبد كالإجارة والتجارة وأنواع الاكتساب.
فصل
والرزق لابد أن يتعرى عن وجوه القبح والحظر.
قوله: (خلافاً للمجبرة).
المحكي عنهم أن الرزق هو المأ:ول والمشروب والملبوس والمنكوح ونحو ذلك مما يلتذ به حلالاً كان أو حراماً.
قوله: (كما قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}).

المراد بالزينة الثاب وكل ما يتجمل به وبالطيبات المستلذات من المآكل والمشارب. قال جار الله: ومعنى الاستفهام إنكار تحريم هذه الأشياء. وقوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً} أي أنزله رزقاً حلالااً كله فبعضتموه وقلتم هذا حلال وهذا حرام كقولهم: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ووجه الاحتجاج أن الاستفهام فيها للإنكار أنكر عليهم كونهم قضوا على شيء من الرزق بكونه حراماً.
قوله: (ويتعبد الإمام بقطع يده).
يعني لن النصاب المسروق على وجه يوجب القطع هو عندهم من أنواع الرزق.
قوله: (فقال: {وأنفقوا مما رزقناكم} ، ومدح على ذلك فقال: {ومما رزقناهم ينفقون}).
وجه الاحتجاج بهاتين الآيتين أنه تعالى مدح على الإنفاق من الرزق وأمر به وهو لايأمر بالإنفاق من الحرام ولايمدح به لأن ذلك قبيح وهذا الاستدلال معتمد عند الأصحاب. وضعفه بعض المتأخرين وقال: إن هذا لايرد على الخصم إلا لو قال بأنه لاشيء من الرزق إلا الحرام فأما وهو يجعل الرزق قسمين حراماً وحلالااً فلا ينتهض الدليل عليه لأنه لم يأت في الآيات بلفظ يعم كل ما يسمى رزقاً وإنما أتى بمن التي للتبعيض فللخصم أن يقول ذلك البعض هو الحلال. قال: والأولى الرجوع في الاستدل إلى موضوع الرزق لغة عند أئمة اللغة وهم لايسمون ما اعتقدوا تحريمه رزقاً.
قلت: قال مولانا عليه السلام: ظاهر الآيتين الكريمتين الأمر بالإنفاق من أي رزق كان والمدح على ذلك من غير تقييد والظاهر أنه إذا أنفق مما رزق فقد امتثل الأمر واستحق المدح. واعلم أن تطويل الأصحاب في هذه المسألة احتجاجاً وشبهة وجواباً مما لم يكن إليه كل الحاجة فإن لفظة الرزق لفظة لغوية يرجع في موضوعها إلى أهل اللغة وأن اصطلح فيها اصطلاحاً آخر فلكل اصطلاحه، فليست من مسائل الكلام التي ينبغي أن يطول فيها الكلام.

99 / 158
ع
En
A+
A-