المعنى: أن هذا ليس بأمر حقيقة وليس المراد طلب الإنباء منهم وإنما خاطبهم بذلك مبكتاً لهم ومقرعاً ومنبهاً على أنهم لايعلمون ما يعلمه ليقفوا عند أوامر ربهم ولايستهجنوا ما خفي عنهم فيه وجه الحكمة ولهذا قال: {إن كنتم صادقين} يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سافكين للدماء رداً عليهم وتعريفاً لهم بأن فمن استخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله: {إني أعلم ما لاتعلمون}.
قوله: (أن المراد لاتحملنا ما يثقل علينا وتشتد كلفته). إلى آخره.
هذا وجه حسن وقد فسره جارالله بأن المراد لاتحملنا ما لاطاقة لنا به من العقوبات النازلة مبن قبلنا طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم بقوله: {ولاتحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها ثم قال: وقيل المراد به الشاق الذي لايكاد يستطاع من التكاليف وهذا تكرير لقوله: {لاتحمل علينا إصراً}.
قوله: (والجواب أن المراد أنه يثقل ويشق) إلى آخر ما ذكره هو مستقيم إلا قوله: (والذي أمرنا أن نعدل بينهن فيه هو الجماع) فإنه لايجب العدل فيه إذ هو حق /30/ للرجل غير واجب عليه، وإنما يجب العدل في المثبت، وقوله: (ولين الجناب) فإن إلانة الجناب مندوبة غير واجبة.
قوله: (وحسن العشرة) هو يجمع الانفاق والمبيت وسائر حقوق الزوجية فلا يحتاج إلى قوله: (ونحو ذلك) والذي ذكره جارالله رحمه الله في تفسير هذه الآية ومحال أن يستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لايقع ميل البتة ولازيادة ولانقصان فيما يجب لهن فرفع ذلك عليكم تمام العدل وغايته وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لايستطاع داخل في حد الظلم {وما ربك بظلام للعبيد}.
وقيل: معناه إن تعدلوا في المحبة وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك يعني المحبة، وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لايكاد الحصر يأتي من ورائه فهو كالخارج من حد الاستطاعة هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن.
قوله: (لاسيما على مذهبهم في أن الإدراك معنى).
يعني فإنه فعل من أفعال الله وأما إذا كان صفة مقتضاة عن كونه حياً فليس من قبيل الأفعال وإن كان مقتضى عن الحيية التي هي حاصلة بالحياة التي فعلها الله.
قوله: (فأورد ذلك على طريق التهديد والذم) فيه نظر، والأولى ما ذكره آخراً من أنه وارد على طريق التشبيه. قال جار الله: أراد أنهم لفرط تصامهم عن استماع الحق وكراهتهم له كأنهم لايستطيعون السمع ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا غير عليه فيوعوع به على أهل العدل كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه وهذا مما يمجه سمعي.
وقال: (في قوله: {وكانوا لايستطيعون سمعاً}) يعني وكانوا صماً عنه إلا أنه أبلغ لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمتت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.
الكلام في الألطاف
وجه كونه من باب العدل أن حاصل العدل أنه تعالى لايفعل القبيح، ولايخل بالواجب، واللطف معدود مما يجب عليه فذكر النص على أنه تعالى يفعله ولايخل به وإن كان قد دخل في مسألة عدل حكيم أنه لايخل بالواجب لكن احتيج إلى إفراد الكلام فيه ليدل على وجوبه وتفصيلاً لذلك المجمل وزيادة في طمائنينة النفس واليقين وكذلك أكثر مسائل العدل ووجه اتصاله بباب التكليف ماله من العلاقة به وكونه من توابعه ومذكوراً في شرائط حسنه.
قوله: (هو ما قرب من نيل الغرض).
هذه حقيقته في اللغة وأما في أصلها فاللطافة مقابلة للكثافة وهما من هيئات الأجسام وقيل: اللطف في اللغة الرفق.
قوله: (والمفسدة ما يقابله).
وتحديدها أن يبدل لفظ الطاعة في حد اللفط بالمعصية وزاد بعض المتكلمين في حدها ما لفظه: والثواب في الفعل المكلف به واحد. واحترز به عما إذا أراد الله في تكليفه للمكلف، وفي علمه أنه يعصي عند ذلك فإنه لايكون مفسدة لما يحصل به من التعريض لزيادة الثواب.
قوله: (يختار عنده الفعل). يعني فعل الواجب والمندوب.
قوله: (الذي يختار عنده الترك). يعني ترك المحظور والمكروه.
قوله: (احترازاً من أن يختار الإلجاء).
يعني عند أمر حدث، والمعنى أنه يحترز من أن يختار عند أمر الفعل أو الترك لا لذلك الأمر بل لأمر آخر وهذا زيادة في البيان وإلا فقوله يختار عنده مشعر بأن الاختيار لأجله.
قوله: (ليدخل فيه اللطف المطلق).
واللطف المطلق عند المتكلمين هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كلف فعله أو ترك ما كلف تركه /31/ فعل أو لم يفعل ترك أو لم يترك فهو في التحقيق يشمل أنواع اللطف، هذا معنى كونه مطلقاً لكن لما حسنوا اللطف الذي يفعل عنده بأن سموه توفيقاً والذي يترك عنده بأن سموه عصمة قصروا اللطف المطلق على ما عدا هذين النوعين.
قوله: (فليس بسديد) إلى آخره.
أما على ظاهر عبارتهم فكلامه مستقيم لكن المعلوم قطعاً عنهم أنهم لايقولون بأن الألطاف لاتكون إلا من قبيل الدواعي التي هي اعتقادات وظنون فقط فإنهم لايزالون ينصون على أن الآلام وغيرها وجه حسنها كونها ألطافاً لما يحصل بها من الالتطاف والاعتبار وإنما أرادوا بقولهم أن الألطاف تدعو أن الدواعي تنبعث معها وتحصل لأجلها ويقع اختيار الفعل الملطوف فيه عندها فمعنى عبارتهم في الحقيقة ومختار المصنف في العبارة واحد.
فصل
قوله: (ويسمى لطفاً) إلى آخره.
لما كان اللطف يسوق المكلف ويوصله إلى ما لم يكن ليصل إليه لولاه سمي لطفاًوهو مأخوذ من اللطافة لأن اللطيف من الأجسام يمكن دخوله الأماكن الضيقة الصغيرة للطافته وسمي مصلحة وصلاحاً لما فيه من النفع واستصلاحاً لما فيه من طلب صلاح المكلف.
قوله: (ويسمى توقيفاً).
هذا اسم خاص لنوع منه وكذلك العصمة وما تقدم أسماء غير خاصة.
قوله: (وكذلك لايقال أصلح الله فلاناً).
هذا نسبه في المحيط إلى قاضي القضاة فإن أراد حيث ورد للدعاء فغير صحيح لأن الدعاء بالإصلاح والهداية يصح للكافر والفاسق وإن أراد حيث ورد بمعنى الإخبار فكلامه ليس ببعيد وقيل: بل الصحيح خلافه لأن الله تعالى قد أصلح جميع خلهق بفعل اللطف لهم وإن كان منهم من لم يلتطف.
قوله: (فيجوز كل ذلك).
نحو فلان موفق لفعل الصلاة ومعصوم عن الزنا وأصلحه الله في أمر الصلاة ونحو ذلك.
فصل
قوله: (ليس يجب أن يكون لكل ما كلفناه لطف).
الخلاف في هذا لبشر بن المعتمر ومتابعيه ممن يقول بأن اللطف لايجب فإنهم قالوا لامكلف إلا والله قادر على اللطف به حتى يؤمن لكن لايجب عليه تعالى. قال الحاكم: ولقولهم هذا سموا أصحاب اللطف. يعني لا لنفيهم وجوب اللطف.
قوله: (وذلك ظاهر في الشاهد).
يقال: هذا صحيح لكن ثبوته في الشاهد لايستلزم ذلك في الغائب للفرق الواضح وهو أن الشاهد قاصر في علمه وقدرته والله سبحانه عالم لذاته وقادر لذاته.
قوله: (على أن أصحابنا) إلى آخره.
هو كما قالوه فإنه لايصح جعلها لطفاً في التكاليف الشرعية لأن من حق اللطف أن يكون زائداً على التمكين والإتيان بالشرعيات على وجوهها لايمكن مع فقد المعرفة وقوله العملية أراد به نحو قضاء الدين ورد الوديعة وشكر المنعم وتخرج العلمية نحو معرفة سائر مسائل التوحيد والعدل لمثل ما ذكر في الشرعيات.
فصل
قوله: (اتفق الشيوخ) إلى آخره.
يعني الشيوخ القائلين بوجوب اللطف.
قوله: (وهو أحد قولي أبي هاشم). هو الأخير من قوليه.
قوله: (لأن لطفه في المقدور) يعني فإذا لم يفعل للمكلف لم ..... عليه كمن لطفه في فعل حسن وفيه نظر فإن ترك فعل الله ما هو قبيح مما يدعوه إلى الطاعة لايعد علة للمكلف بها فإن القبيح في حق الله كالمستحيل وقد ذهب أبو علي إلى أنه يستحيل كون القبيح داعياً إلى الحسن فالمسألة مرتفعة من أصلها عنده ورد بعدم تسليم الاستحالة التي ذكرها إذ لايعلم ضرورة ولا دليل عليها وما المانع من كون القبيح داعياً إلى الحسن.
فصل وللطف شروط
قوله: (منها أن يكون ثابتاً).
حرف المصنف عبارة الأصحاب هنا لأنهم يقولون أن يكون موجوداً. قالوا: لأن المعدوم لا حظ له في دعا ولاصرف ذكره في المحيط فورد عليه أن اللطف يكون في الموجود وغيره، قيل: فكان ينبغي أن يقول موجوداً أو معدوماً ويصح وجوده لأن الاعتبار بأن يكون له أثر في الدعاء والصرف موجوداً كان أو معدوماً ولهذا بدل المصنف لفظة موجود بثابت وليس يحصل بذلك كل التخلص مما ورد /32/ وعبارته تشعر بأن مراده بالثابت المستمر لأنه قابله بالزائل ولا مانع من أن تحصل اللطفية بوجود أمر وإن كان قد زال كمرض يشفى منه الإنسان وفقر يتعقبه الغنى والله أعلم.
قوله: (مناسبة). معنى المناسبة أن يكون وجه تعينه على الملطوف فيه معلوماً.
قوله: (فقد يعلمها جملة). وذلك كالتكاليف الشرعية فإنا لانعلم وجه بعثها على ما هي لطف فيه، وهم التكالف العقلية مفصلاً بل على سبيل الجملة وهو أن الله لحكمته لم يكلفنا بها إلا لكونها لطفاً لنا.
قوله: (بأن نعلم أن الله لايفعل إلا ما هو صلاح).
هو غير مستقيم لأن ظاهره يوهم ثبوت اللطفية وعلمنا بها جملة في جميع أفعال الله وليس كذلك والمثال المستقيم ما ذكرناه وهو أن الشرعيات كالصلاة والزكاة والحج ألطاف كما قد تقدم وعلمنا لطفيتها جملة لأن الله كلفنا باه ولو لم تكن ألطافاً لم يكلفنا إياها.
قوله: (وكذلك الصلاة).
قيل: بل هي كغيرها في عدم العلم بالمناسبة تفصيلاً وليس في الآية إلا ذكر أنها لطف وأنه يحصل بها الانتهاء عن الفحشاء ولم يذكر ما وجه ذلك.
قوله: (فلا يخرجه عن كونه مختاراً).
وذلك لأن الغرض باللطف أن يأي بالطاعة على الوجه الذي يستحق به الثواب والإلجاء بنا في ذلك.
قوله: (ومنها أن يكون المكلف عالماً أو ظاناً) إلى آخره.
الأولى التفصيل فيقال: إن كان اللطف من فعل المكلف وكلف بتحصيله فإنه يكفي فيه أن يتمكن من العلم به أو الظن مع إمكان فعله وإن كان من فعل غيره فلا بد أن يعلمه أو يظنه ليثبت له حظ الدعاء والصرف لكن أن علمه فالمعلوم هو نفس اللطف وإن ظنه فالظن هو اللطف وفي الحقيقة أنه لابد أن يكون معلوماً لأن اللطف في المظنون هو الظن وهو معلوم.
قوله: (ويلزمه مثله في فعل العبد).
إنما ألزمه ذلك لأنه لايلتزمه فيه بل يوافق في جواز تقديم اللطف أو فإنا كثيرة كالصلاة فإن الملطوف فيها إنما يفعل بعد وقتها ولذلك وسع فيها إلى آخر الوقت.
قوله: (ولافرق على الصحيح).
يعني على القول الصحيح وهو قول أبي هاشم بجواز تقدمه، وأما على قول أبي علي فإذا منع تقدمه على الملطوف فيه بعد التكليف فأولى وأحرى قبله.
قيل: ومن صور المتقدم على التكليف أن يلتطف الصبي في كبره بما يعلمه في صغره. قلت: قال مولانا عليه السلام فيه نظر لأن التطافه بالعلم المتجدد الحاصل له في حال الكبر ألا ترى أنه لو كان قد نسي ما علمه في حال لاصغر لم يثبت له الالتطاف.
تنبيه
وعلى القول بجواز تقدمه على التكليف فلا قائل بأنه يجب تقدمه ولو فرض أنه مع التقديم أبلغ في الدعاء إلى الطاعة لأن سبب وجوبه التكليف فمهما لم يحصل السبب لم يحصل المسبب وهو الوجوب وكذلك لايجب مقارنته لمثل ذلك.
قوله: (أن يكون مدركاً أو في حكم المدرك).
المدرك كالآلام النازلة بالمكلفين وبغيرهم إذا حصل لهم بها التطاف والذي في حكم المدرك المعلوم ضرورة.
قوله: (وإنما يعتبر ذلك) إلى آخره.
هذا تأويل قاضي القضاة لقول الشيخ والذي ذهب إليه جمهور المتكلمين أنه لايشترط فيه ذلك مطلقاً وقد نبه المصنف بقوله: (قيل والصحيح خلاف ما ذكره) إلى آخره. على ما يحتج به للجمهور.
فصل
قوله: (ليس يصح أن يكون اللطف جهة في التكليف).
أي وجهاً في حسنه.
قوله: (ولاجهة في الطاعة أي وجهاً في وجوبها.
قوله: (كالإرادة التي هي جهة في الطاعة).
أي في كونها طاعة فإن إرادة كون السجدة لله هي المؤثرة في كونها طاعة إذ لو لم يرد بها ذلك وأراد بها غير الله لم تكن طاعة.
قوله: (ونحو ذلك من وجوه الأفعال).
يعني وجوه حسنها وقبحها ككون الكلام صدقاً أو كذباً وكون الفعل عدلاً أو ظلماً.
قوله: (جهة في صوم النهار).
أي في كونه طاعة وتأدية للواجب مثلاً.
قوله: (قيل ليست جهة في الصوم).
فيه نظر لأنه ليس المراد أنها جهة فيه نفسه بل في كونه طاعة ومجزياً /33/ كما قدمنا.
قوله: (وإنما وجب التثبيت) إلى آخره.
فيه نظر لأن ذلك لايخرج به عما ورد عليه فإن الذي استمر به النوم قد أثرت النية المتقدمة في صومه وصارت جهة له ولأنه يلزم على ما ذكره أنه لو كان قبل طلوع الفجر غير نائم وقد كان ثبت النية ولم يستحضرها في الوقت المتصل بطلوع الفجر ومع أول جزء من أجزاء النهار ألا تجزئه تلك النية الأولى وليس كذلك.
فصل
واللطف قد يكون من فعل الله تعالى، وقد يكون من فعل المكلف نفسه، وقد يكون من فعل غيره.
قوله: (وكذلك ما تقدمه أو قارنه).
أما ما تقدمه فظاهر، وأما ماقارنه فلأنه إذا كان التكليف هو المقتضي لوجوب اللطف لم يقتض وجوبه إلا في الحالة الثانية من حصوله.
قوله: (وهذا واجب عند الجمهور).
أراد من الزيدية والمعتزلة وسائر القائلين بالعدل لم يشذ عنهم في ذلك إلا بشر بن المعتمر وتفصيل جعفر بن حرب وإذا روي رجوعه فلا ينبغي أن يعتد بخلافه إلا أن يكون من أتباعه من لم يرجع لرجوعه ولعل القول بعدم وجوب اللطف فرع على القول بأنه لامكلف إلا وفي مقدور الله ما هو لطف له.
قوله: (قيل وقد رجع عن هذا).
نقل عنه أبو الحسين الخياط وحكاه في المحيط وغيره من كتب الكلام.
قوله: (وقال جعفر بن حرب) إلى آخره.
هو أحد قولي أبي هاشم وتلخيص هذه المقالة أن لامكلف إذا كان يستحق من الثواب على ذلك الفعل مع عدم تحصيل اللطف فيه أكثر مما يستحقه إذا فعله بعد أن حصل له اللطف فإنه لايجب لأن الغرض التعريض لمنافع الثواب وقد عرضه بعدم فعل اللطف لمنافع لاتنال مع فعله فإذا لم يفعل ما كلفه فقد أتي من جهة نفسه وتكون هذه الصورة كصورة زيادة التكليف بأنواع من التكاليف إذا علم الله أنه بسبب تلك الزيادة يخل بفعل ما كلفه فيستحق العقاب، فإن وجه حسن الزيادة مع ذلك كونها تعريضاً إلى منافع لاتنال إلا بها، وإن استوى الثواب في الحالين وجب اللطف لأنه إذا لم يفعله كان ناقضاً لغرضه من التكليف مع عدم مراعاة مصلحة أخرى. قال قاضي القضاة: وما ذكره جعفر يؤدي إلى ألا يجب على الله لطف إذ ما من فعل إلا وهو مع اللطف أسهل ومع عدمه أشق والثواب يزداد لكثرة المشقة.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيما ذكره القاضي نظر، وهو غير مسلم على الإطلاق.
قوله: (وقال قوم لابد أن يفعله الله وليس بواجب).
هذا نسبة ما يقوله أبو القاسم أنه لايجب كما يجب قضاء الدين على المدين بل يفعله الله لامحالة ويجب من طريق الجود. قال الحاكم: وهذا الخلاف لفظي.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفي قوله نظر فإن الحق أنه خلاف معنوي لأنهم لايجعلون فعل اللطف واجباً في نفسه كقول الجمهور ومن الخلاف في هذه المسألة ما روي عن قاضي القضاة وهو أنه لايجب على الله تعالى من اللطف إلا ما كان توقيفاً أو عصمة وهذا القول عندي قوي جداً على قاعدة الجمهور، ومقتضى استدلالهم لأنه ما كان من الألطاف لايحصل به إلا مجرد التقريب ولا يقع الفعل عنده فتركه لايعد نقضاً للغرض. والله أعلم.
قوله: (في إزاحة علة المكلف).
يعني فكما أنه إذا كلف العبد ولم يمكنه كان له أن يقول يا رب كلفتني ولم تمكني فأنا معذور في ترك ما كلفتني به فلأي شيء تريد أن تعاقبني عليه، فكذلك إذا لم يلطف تعالى بعبده فإن للعبد أن يقول: يارب كلفتني وأردت مني الوصول إلى الثواب ولو فعلت في كذا لأطعت فعذري في ترك الطاعة من جهتك فلأي شيء تعذبني على معصيتك، هكذا قرره الأصحاب فلا يخفى ما فيه من تكلف القياس وبنائه على غير أساس فإن الله أن يجيب على المعتل بعدم اللطف بأن يقول: كلفتك وعرضتك للثواب العظيم ودللتك على طريقه وأوضحت لك أنك إن تنكبتها وقعت في العقاب العظيم بعد أن أكملت لك العقل ونصبت لك الدلالة وأقمت عليك الحجة. ولاجواب على من لم يمكنه فالفرق واضح وليس مثل هذا الدليل يؤخذ به في الفروع الظنية فكيف بالمسائل الأصولية القطعية.
قوله: (لاستوائهما في أن المكلف لايختار الفعل إلا عنده).
فيه نظر لأنهما ون استويا من هذا الوجه فلم يستويا من وجه آخر وهو أن المكلف لا يمكنه الفعل مع عدم التمكين ويمكنه مع عدم اللطف فلا مساواة ولأنه لو كلفه ولم يمكنه لكان تكليفاً لما لايطاق وقبحه معلوم ضرورة بخلاف ما إذا لم يلتطف /34/.
تنبيه
من عادة المتكلمين أن يحرروا الاستدلال في هذه المسألة على كيفية أخرى يصير بها هذا الدليل الذي ذكره المصنف دليلين أحدهما ما صدره وقدمه وهو أن اللطف يجري مجرى التمكين فيجب كوجوبه ويفردونه بما ذكرناه وهو معترض بما أوردنا.
الدليل الثاني أنه تعالى لو لم يفعل اللطف فلم يحصل كان ناقضاً غرضه في التكليف كما لو منع من ذلك الفعل إذ لافرق بين أن يمنع منه وبين أن يترك ما علم أنه لو فعله لفعل المكل فعند ما كلفه من غير صارف حاجة ولاصارف حكمة ولهم في هذا الدليل الأخير تحرير غير هذا التحرير ويرد عليه سؤال وهو أن هذا لايقضي بوجوب اللطف ولايقتضي استحقاق الذم على تركه وإنما يكشف عدم فعله عن كون المكلف كالعابث بالتكليف، وإنه لم يرد تعريض المكلف إلى الثواب إذ لو أراد ذلك لفعل ما يفعل المكلف عنده ما يستحق به الثواب أو يقربه منه، ولهذا ذهب قوم إلى أن اللطف غير واجب في نفسه ولكن لابد أن يفعل ويستحق الذم مع عدم فعله، لا على الإخلال به بل على أمر آخر وهو كونه كلف لغرض ثم لم يفعل مايفع عنده ذلك الغرض أو يقرب من الوقوع فيصير عابثاً بالتكليف.
قوله: (إلا إذا شاطره على ماله). أي أعطاه شطره.
قوله: (لما توجه الذم إلى التكليف).
أي لما توجه إلى الله لأجل التكليف واعلم أن الذي أورد على دليل أبي علي يرد مثله على دليل الجمهور في قولهم لو لم يلطف بالمكلف لكان ناقضاً لغرضه بالتكليف لأن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة للفعل المكلف به ولتعريض المكلف إلى درجات لاتنال إلا به وإن كان يظهر أن الجمهور جعلو وجه وجوبه ألا ينتقض الغرض وأبو علي جعل وجهه ألاتنكشف عدم الإرادة وكلامهم في الظاهر أقوم وإن كان في الحقيقة أن المعنى واحد. والله أعلم.
قوله: (دليل لو لم يجب اللطف لما قبحت المفسدة).