الفائدة الأولى: ذكر في المحيط أن هذه الشرائط يقتضيها التكليف لا أنها شرط في حسنه والصحيح خلاف ما ذكره وأنها شرائط في الحسن إذا أحيل أحدها قدح في حسنه وهو الظاهر من كلام المتكلمين.
الثانية: أن الشرائط تنقسم فمنها ما يتقدم على التكليف وهو التمكين ونحوه ومنها ما يقارن وهو المشقة هذا على عدها شرطاً لنها لاتكون إلا بالشهوة والنفرة ولو تقدمتا لم يكن لها حظ في حصول المشقة ومنها ما يعتبر فهي التقدم والمقارنة وهو العقل وما يتفرع عليه من العلوم التي تناول الأفعال والتروك وأحكام الأفعال والتي يدعو إلى الفعل أو يصرف عنه. هكذا قيل. وفي عد العقل شرطاً نظر فإنه نفس التكليف في الحقيقة.
الثالثة: أنه لايشترط في التكليف وحسنه أن يقبل المكلف ولا أن يكون هناك لطف ولا أن يعلم كونه مكلفاً ولا ألا يعلمه الله بأنه يموت على الكفر مع بقاء تكليفه بل يجوز ذلك عند الأكثر. وقال أبو القاسم: لايجوز لأنه إذا علم أنه من أهل النار أيس من الانتفاع بالتكليف فيطرح علائقه فيكون إغراء. وهو قول طائفة من البغدادية ومتأخري الأشاعرة.
وأجيب بأن علمه أن عقابه إنما هو لكفره فقط زيادة في زجره عن الكفر فيكون لطفاً لا إغراء وانهماكه في العصيان عند علمه بذلك غير مسلم لأن العقاب مراتب وهو يعلم أنه ما ازداد كفره ازداد عقابه ورضاه بالأخف لايكون رضا بالأشد يوضحه قوله تعالى في أبي لهب: {سيصلى ناراً ذات لهب} فقد أخبر بأنه من أهل النار والقرآن خطاب وإعلام لجميع المكلفين وهو من جملتهم وأما إعلام المكلف بأنه يؤمن ويدخل الجنة فلا خلاف في حسنه.
الفائدة الرابعة: في ذكر فروع يتفرع على التكليف بعد ثبوته وكمال شرائطه ذكرها بعض أصحابنا:

الفرع الأول: في حكم من فعل الواجب أو ترك القبيح خشية من الذم في الدنيا والخزي والعقوبة العاجلة كالحد أو ضرر ينزله لاله به في نفسه أو ماله لا لوجوبه ولا لقبحه ولا لقصد الإمتثال حكمه أنه لايستحق الثواب لأنه جزا ولايستحق الجزاء من لم يطابق ما أراده المجازي، وأما لاعقاب فيسقط عنه إذ قد أتى بالواجب على وجهه كقضاء الدين ونحوه من الواجبات العقلية ولم يأت بالقبيح فأما نحو الصلاة من الشرعيات فالقرب أنه يستحق العقاب وإن أى بها على ذلك الوجه إذ هو في حكم المخل بها لأنه لم يأت بها على الوجه المشروع في نيتها فلا يقع على الوجه الذي لأجله وجبت وهو اللطفية لأن لاشرط في لطفيتها إيقاعها على لاشروط التي قضى الشرع باعتبارها ومن جملتها النية التي بها تتعين وتمتاز عن النفل وهي أن يفعلها لوجوبها.
الفرع الثاني: من فعل الواجب مخافة العقاب على تركه إن اقترن /26/ بذلك معرفته أنه لايعاقب إلا على ترك واجب فإن تلك النية تجزيه لأنه في التحقيق قد أداه لوجوبه فيستحق الثواب وينجو من العقاب، وإن اعتقد أنه تعالى يعاقب على ترك ما ليس بواجب لم تجزه نيته، وأما إذا ترك القبيح لهذه النية فإن عقابه يسقط بكل حال، إذ لايفتقر تركه إلى نية إلا لتحصيل الثواب فإن تحصيله يفتقر إلى تركه بنية الطاعة والامتثال.

الفرع الثالث: من فعل واجباً أو مندوباً أو ترك قبيحاً أو مكروهاً ليحصل الثواب قال لا إشكال أن هذه النية لاتجزي في الواجب والمندوب لأن الواجب لايكون لطفاً والمندوب لايكون مشبهاً للفرائض إلا مع نية التأدية للوجوب أو للندب فلا يستحق ثواباً ولايسقط عنه عقاب الإخلال وأما تركه للقبيح لذلك فيسقط عنه العقاب وأمأ الثواب فيه وفي ترك المكروهات يحتمل عدم استحقاقه لعدم نية الامتثال فإنه إنما ترك لغرض يخصه ويحتمل أن يستحقه لأن نيته قد تضمنت نية الامتثال لأنه لايصل الثواب إليه إلا مع الطاعة والامتثال وقد قصد وصوله هذا في حق الواجبات والقبائح الشرعية وأما العقليات فحكملها حكم القبيح الشرعي في سقوط العقاب والاحتمالين في استحقاق الثواب.
الفرع الرابع: لو فعل الواجب لوجوبه لكنه ضم إلى ذلك قصد أن يمدح عليه وكذلك ترك القبيح. قال: ألتحقيق أن الشرع قد نص على أنه يبطل استحقاق الثواب مطلقاً إذ سئل صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: لاشريك لله في عبادته فلا ثواب في فعل الواجبات الشرعية لذلك ولاسقوط للعقاب، وأما القبائح فلا عقاب إذ لم يفعلها بل قد تركها لكن يستحق العقاب على نية المدح وإرادته المحرمة وأما الواجبات العقلية فيسقط عقاب تركها لفعله لها وحصولها على وجه وجوبها ويعاقب على تلك النية ولايستحق ثواباً، وأما ترك القبيح العقلي فكذلك لايعاقب عليه إذ لم يفعله ويعاقب على تلك النية وهي إرادة المدح.
الفرع الخامس: لو ضم إلى نية فعل الواجب لوجوبه إرادة أن يثاب عليه أو ألا يعاقب على تركه. قال: لا إشكال أن هذه النية توجب سقوط العقاب، وأما الثواب فلا بد من مطابقة مراد الله منه لأنه جزاء ولاجزاء مع عدم إرادة الامتثال لأمر فاعل الجزاء لكن إذا علم أنه تعالى لايثيب إلا على ما أراده فقد قصده.

الفرع السادس: إذا فعر الواجب لوجوبه وترك القبيح لقبحه من غير قصد اتباع مراد الله. قال: ألتحقيق سقوط العقاب مطلقاً وعدم استحقاق الثواب إذ لاثواب إلا مع إرادة مطابقة مراد المثيب كما قدمنا لكن لايبعد أن يستحق بذلك العوض لأجل المشقة الت يضمنها الله تعالى لافعل والترك فهو بمنزلة المؤلم، هذا تلخيص ما ذكره بعض أصحابنا من هذه الفروع. وعندي أن ذلك أو أكثره بحكم لادليل عليه وأن أحكام النية وإجزاؤها وعدمه طريقة الشرع ولامجال للعقل فيه ولم يرد في الشرع ما يقضي بما ذكره إلا في تحريم النية التي يصير بها مرائياً وبطلان العمل لأجل المراياه وما عدا ذلك فهو مما تفرد بعلمه الله والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في أن الله تعالى إذا أكمل للعبد شرائط التكليف فلا بد أن يكلفه
اعلم أن مع كمال الشرائط قد حصل التكليف بأحد المعنيين وهو مصير العبد مكلفاً والمراد هنا المعنى الثاني وهو أن يريد منه الطاعة ويأمره بها ويكره منه المعصية وينهاه عنها فالوجه فيه ما ذكره.
قولهك (كمن يصنع للغير طعاماً).
يعني ولايدعوه إليه ولايعرضه عليه فإن ذلك يعود على غرضه بالنقص.
القول في قبح تكليف ما لايطاق
قوله: (إلا الغزالي).
ليس وجه امتناعه عنده عقلاص، الوجه الذي تعلل به العدلية وهو قبحه وأن الله لايفعل القبيح لأن قاعدته نفي التقبيح العقلي /27/ بل علل بأن الطلب ممن لايتأتى منه المطلوب محال كما يستحيل طلب الحركة من الشجرة.
قولهك (إلا من لا يعبأ به الجمهور).

مهم على أنه ممتنع سمعاً فالقائل بجوازه عقلاً وسمعاً الأشعري وأتباعه وليسوا كما ذكر ممن لايعبأ به فإن الأشعري رأسهم وإمامهم الذي يعتزون إليه ويعظمونه وقد نسب إليه أصحابنا التصريح بذلك وذكر ابن الخطيب وابن الحاجب أنه لم يصرح بجواز تكليف ما لايطاق وإنما أخذ له من نحو قوله: لا تأثير لقدرة العبد في أحداث الفعل فإذا كلف به فقد كلف بما لايقدر عليه وغير ذلك من أصوله القاضية بالجبر وعدم الاختيار.
واعلم أن لما لايطاق صوراً إحداها ما لايدخل تحت مقدور قادر مطلقاً كالجمع بين الضدين وإيجاد ما لايتناهى وجعل القديم محدثاً وإدخال بعض المتحيزات في بعض. الصورة الثانية: ما لانقدر عليه نحن وهو مقدور في نفسه يقدر القديم سبحانه عليه كإيجاد الأجسام ونحوها مما لايتعلق به قدرنا.
الصورة الثالثة: ما لانتمكن من فعله لوجه يقع عليه وإن كان مما يدخل جنسه تحت مقدورنا كلاكلام الموجود في الحصى والشجر والطيران.
الصورة الرابعة: ما يدخل تحت مقدورنا جنساً ووجهاً وصفة إلا أن كل قادر يقدرة لم توجد فيه القدة على ذلك وإن كانت قد توجد في بعض القادرين فهذه صور أربع وهل الخلاف فيها كلها او في البعض منها الرواية عنهم في ذلك مختلفة.
قيل: والأظهر أنهم يجيزون التكليف فيها كلها وقيل لايخالفون إلا في الصورة الرابعة فأما الثلاث الأول فلا يصح عندهم التكليف بشيء منها وذكر محمود الملاحمي حاكياً عن الشيخ أبي الحسين أنه وجد في بعض كتب الأشعرية قال: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى يصح أن يكلف ما لايطاق وإن اختلفوا هل يجوز تكليف العاجز والزمن السعي والضرير ..... المصحف والإنسان خلق الأجسام وخلق مثل القديم وجعل القديم محدثاً والمحدث قديماً، قال: فيمنع بعض أهل الحق من ذلك وأجازه آخرون وهم المصيبون المحقون واتفقوا جميعاً أنه لايصح أن يكلف تعالى الجماد.

ثم أن الشيخ أبا الحسين تعجب من هذا الكلام فقال: العجب من قوله أهل الحق وتسمية من قال بجواز تكليف ما لايطاق محقاً والمانع من ذلك مبطلاً وأعجب من هذا قوله: المحقون المصيبون وكونهم عنده من قال بجواز أن يكلف الإنسان خلق الحيوان وجعل القديم محدثاً والمحدث قديماً وكل ذلك مستحيل منا، ثم العجب كيف قضى بقبح تكليف الجماد وأجاز التكليف بخلق القديم محدثاً والجماد يصح أن يقدر بأن يجعل حياً قادراً والقدرة على جعل القديم محدثاً محال بكل حال.
قال مولانا عليه السلام: لعل وجه ذلك عندهم أن الجماد لايصح أن يخاطب ويتوجه إليه الطلب واعلم أنك إذا حققت وجدت الصواب على قاعدتهم طرد القضية في الصور الأربع لأن الوجه في جواز ذلك عندهم أنه تعالى لايقبح منه قبيح وهذه العلة مع جميع الصور على سواء فأما الواقع منه من تكليف ما لايمكن عندهم فهو الصورة الرابعة.
قوله: (وأعجب من هذا فرقهم بين تكليف من لايعلم) إلى آخره.
لعل وجه الفرق عندهم أن ما لايعلم لايمكن تصوره فلا يتصور تعلق التكليف به بخلاف ما يعلم ولا يقدر عليه.
قوله: (لنا العقل والسمع).
هذه المسألة مما لايصح الاستدلال عليها بالسمع إلا أن إيراد الأدلة السمعية عليها من قبيل الاستظهار والمعارضة لما أ,ردوه من ذلك.
قوله: (أما العقل فهو أن تكليف ما لايطاق) إلى آخره.
اعلم أن أهل العدل لايختلفون في أن قبح تكليف ما لايطاق معلوم على الجملة ضرورة وإنما اختلفوا في العلم بقبحه تفصيلاً وفي وجه قبحه وفي حق الله تعالى فالشيخان أبو الحسين ومحمود بن الملاحمي طردا القضية وقالا كل ذلك معلوم بالضرورة قيل لهما: لو كان ضرورياً لم تخالف فيه المجبرة فأجابا بأنهم صنفان عوام وعلماء فالعلماء منهم فيهم قلة فيجوز عليهم التواطؤ على أنكار الضرورة لأغراض دنيوية والعوام هم السواد منهم ومن غيرهم وهم نعقة للناعق.

وقال جمهور العدلية: لايعلم قبح تكليف ما لايطاق مفصلاً وفي حق الله ألا استدلالا وهو الأصح.
قوله: (وهو نفع المكلف كما تقدم).
فيه نظر /28/ إذ لو كان الغرض نفعه لم يكلف من يعلم أنه يموت كافراً بالصواب وهو تعريض المكلف للنفع.
قوله: (فقوله تعالى: {لايكلف الله نفساً إلا وسعها}).
هذه الآية فيها غاية التصريح بخلاف ما ذهب إليه الخصوم من وقوع تكليف ما لايطاق لا أنها تدل على عدم الجواز فلا دلالة عليه فيها والوسع ما يسع الإنسان ولايضيق عليه ولايخرج فيه ومن هنا نعرف أن الله تعالى نفى التكليف بما لايطاق وبشيء مما يطاق مما فيه حرج وضيق.
قولهك (و {إلا ما آتاها}).
يعني فصرح الله بأنه لايكلف أحداً أن ينفق إلا مما آتاه وفيه دلالة على أنه لايكلف ما لايطاق إذن لكلفه الإنفاق مما لم يؤته.
قوله: (وقد زعم بعض أغمارهم).
يقال: رجل غُمْر وغُمُر أي لم يجرب الأمور والجمع أغمار.
قوله: (على أن الحل لايثبت بالتكليف).
يقال: أليس في تأويل الخصم ما يقضي بذلك بل محصوله أنه لايكلف إلا بالحلال.
فصل في شبههم
قوله: (إن كان لها أثر لزم حصول المقدور حال حصول الأثر).
اختصر المصنف هذه الشبهة والذي يحررونها عليه أنها في الزمان المتقدم إما أن يكون لها أثر في الفعل أو لايكون إن كان لها أثر فتأثيرها في المقدور في الزمان الأول مع كون وجود المقدور غير حاصل فيكون تأثيرها في المقدور مغايراص لوجود المقدور والمؤثر إما أن يؤثر في ذلك المغاير حال وجوده فيلزم أن يكون موجداً للموجود أو قبل وجوده فيكون الكلام فيه كما تقدم ويلزم التسلسل وإن لم يكن للقدرة في الزمان المتقدم أثر وثبت أيضاً أنه ليس لها في الزمان المقارن لوجود الفعل أثر استحال أن يكون لها أثر البتة في الفعل، وإذا لم يكن لها أثر البتة استحال أن تكون قدرة على الفعل.
قوله: (فإن قيل لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لايقع).

هذا سؤال يرد على قولنا أنه لايستحيل خلاف المعلوم وأن القدرة تتعلق به فيقال: إذا كان جائز الوقوع فما الحكم لو قدرنا وقوعه؟
قوله: (ما قاله أبو الحسين).
هذا الجواب الذي أسنده المصنف إليه منصوب إلى البغدادية، وهو جواب حسن واضح لكنه قد اعترض بأنه جواب غير مطابق للسؤال لأن حاصل السؤال لو قدرنا وقوع ما قد ثبت في علم الله أنه لايقع فلا بد أن يكون الجواب مع بقاء السؤال بحاله وأنت قلت: إذا قدرنا وقوعه كأن الله غير عالم بعدم وقوعه وما فرضنا الكلام إلا مع علمه تعالى بعدم الوقوع.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا الاعتراض غير قادح في الجواب فإن المفروض أن الله عالم بأنه لايقع وأنه في نفس الأمر كذلك لاوقوع له في الخارج فلما قدر الوقوع الذي لاحقيقة له ولاحصول في الخارج قدرنا عدم العلم بعدم الوقوع كذلك، وما هذا الجواب المذكور إلا جواب واضح ميزانه راجح وخلافه من قبيل التكلف ومنسوج على منوال التعسف ونسب إلى أبي الحسين غير هذا الجواب وهو أن وقوع خلاف المعلوم محال من جهة العالمية فإذا قدر وقوعه اتبعناه تقديراً آخر وهو أنه يدل على الجهل ولزوم ........ ليس ببعيد وإنما البعيد لزوم المحال للجائز.
قوله: (فلا بد أن يخرج عن كونه عالماً بوقوعه).
صوابه عن كونه عالماً بأنه لايقع.
قوله: (وأما سائر الشيوخ) إلى آخره.
حاصل ما ذكروه أنه يحال السؤال بمعنى أنه يقال للسائل تقديرك هذا يستلزم الجواب عليه بنعم محالاً وبلا محالاً فلا يجاب بلا ولا بنعم إذ بأيهما أجيب نقض أصلاً قد علم علماً يقيناً.
قوله: (قال الرازي كلفنا الله بالعلوم النظرية) إلى آخره.

قد أجاد المصنف تحرير هذه الشبهة على جهة الإيجاز واستكمل معانيها وأطرافها بأخصر عبارة، وأما الرازي فله فيها بسط ذكره في محصوله وهو من أولى البسط، وله مدخل في التخليط والخبط ومن العجائب أن كتبه كلها مبنية على الأنظار فلا يكاد يعلم شيء مما فيها باضطرار فكيف يتجاسر على إنكار إمكان النظر ويتوصل بذلك إلى أن ينسب إلى الله ما ليس له بأهل من تكليف ما لايطاق ويقال له: لابد لك من الاعتراف بأن العلوم الضرورية غير كافية في تحصيل العلوم المكتسبة وإلا فليشترك /29/ العقلاء في العلوم المكتسبة لاشتراكهم في الضرورية، وإذا صح أثر لابد من أمر غيرها، فذلك الأمر إن لم يكن متوقفاً على اختيارنا لزم مثله في العلوم المكتسبة وقد ثبت أنها واقفة على الاختيار وحاصله بحسب القصود والدواعي الحاصلة لنا.
قوله: (وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين).
وذلك من حيث أنه كلف بالإيمان وبأن يعلم عدم وجوده منه وهو لايتمكن من هذا العلم إلا مع عدمه إذ لايكون علماً إلا إذا تعلق به على ما هو عليه بتكليفه بهذا العلم وإن لم يكن نقيضاً للإيمان فهو يستلزم النقيض الذي هو عدم الإيمان.
قوله: (والجواب يقال لهم من سلم لكم) إلى آخره.
جواب المصنف هذا غير واضح لأنه إن كان معترفاً بأن الله قد أخبرنا بأن أبا لهب لايؤمن فليس له بد من الاعتراف بأن أبا لهب مكلف بأن يصدق الله فيما أخبر به من عدم إيمانه وكيف يصح أن يخاطب الله بخطاب ثم لا يريد من المكلف اعتقاد صدقه وإن كان منكراً لذلك إلا أن الله سبحانه لم يخبر بعدم إيمانه ومعتقداً أنه لادليل يدل على ذلك فكان الجواب بهذا المعنى أوضح وكان من حقه أن يبين عدم دلالة الظواهر القرآنية على ذلك، والمصنف ترك سلوك كل من هذين المنهجين في الجواب وأجاب بالمنع جملة وليس ذلك بشاق.

إذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن الجمهور أجابوا بالمنع كما ذكره المصنف مع الاعتراف بأن الله أخبر بأنه لايؤمن وذلك ليس بمستقيم. وقد أجاب بعض المتأخرين من أصحابنا بما حاصله أن الذي كلف به أبو لهب أن يصدق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما جاء به على سبيل الجملة لا في كل من الأفراد إلا ما بلغه منها ولايسلم إن هذا مما بلغه إذ لايجب التبليغ إليه إلا لما له فيه مصلحة من حكم أو غيره ولامصلحة لأبي لهب في هذا وإن سلمنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أخبره فلم يخبره بأنه لايؤمن وإنما أخبره بأنه من أهل النار هو وامرأته وذلك لايتضمن أنه لايؤمن بما جاء به الرسول فإن كثيراً من المصدقين من أهل النار. سلمنا أن المصدقين ليسوا من أهل النار فالإطلاق الوارد في حقه بأنه من أهل النار مشروط بعدم التوبة كما في كثير من الإطلاقات الوعيدية نحو: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده فإن له نار جهنم} فيكون قوله تعالى: {سيصلى ناراً ذات لهب} تقديره: إن مات على كفره ولم يسلم، وكذلك قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب} لاتدل على القطع بهلاكه لجواز كونه مشروطاً بما ذكر كقوله: {ويل لكل أفاك أثيم} أي إن لم يتب وهذا جواب حسن.
قوله: (قالوا فكلف الملائكة ما لايعلمون).
يقال: فما وجه إيرادها في شبهة تكليف ما لايطاق وإنما يدل على تكليف ما لايعلم فهي من غير هذا الباب ولايصلح متمسكاً إلا للأشعري إن صح عنه القول بذلك.
قوله: (لاتعلق في ظاهرها).

96 / 158
ع
En
A+
A-