قوله: (قلنا لو كان كذلك لكان غالب الظن) إلى آخره.
ما ذكره فيه نظر من وجهين أحدهما أنه قاس الأضعف وهو الظن على الأقوى وهو العلم وألزم من إثبات الحكم مع العلم ثبوته مع الظن وبينهما فرق واضح ومن حق الفرع مساواته للأصل إن لم يكن زائداً عليه، ثانيهما قياس تكليف من يعلم أنه لايؤمن على من قدم إليه الطعام مع العلم بأنه لايقبل وليس ...... واحداً إلا لو كان يحسن تقديم الطعام إلى من لايقبل ويتقل مثلاً لعدم قبوله ولعله نظر إلى عبارتهم حيث جعلوا عدم القبول هو الوجه في القبح من غير أن يشترطوا في وجه القبح إفضاء ذلك إلى عقابه وأنزال الضرر به.
والأولى في الجواب منع أن يكون عدم القبول وجهاً في القبح وأن العقل لايقضي بذلك إذن لشاركناهم في العلم بالقبح لمشاركتنا إياهم في العلم بما جعلوه وجهاً للقبح.
قوله: (إنما قبح منه لأنه إنما يأمر ولده) إلى آخره.
كان الأقوى والأولى في الجواب أن يقال: إنما قبح ذلك لأن الغرض من أرم الولد بالتجارة وصوله إلى النفع فإذا كان يعلم عدم حصول ذلك ووقوع ضده لم يحسن منه أمره بذلك والغرض في تكليف الله العبد تعريضه للمنافع التي لاتنال إلا بالتكليف وقد حصل وعدم انتفاعه به أتيه فيه من جهة نفسه.
وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قصر الغرض في أمر الوالد ولده بالاتجار /21/ على ما ذكره فيه نظر، فإن الوالد يقصد مع ذلك حصول النفع لولده.
قوله: (كالقدرة والآلة والعلم).
أما القدرة والآلة فالكلام فيهما مستقيم، وأما العلم فليس كونه يمكننا من النفع والضر بالواضح.
قوله: (وقولهم أن التفضل متيقن) إلى آخره.
فه نظر لأنهم ما أرادوا بأنه متيقن أنه كائن لامحالة بل أرادوا أن يقع التفضل حيث أوصلت إليه المنافع التي كلف ليصل إليها تفضلاً يكون متيقناً إذ لايلحقه ضرر بوجه بخلاف التكليف إنه إن قبل وصل إلى النفع وإن لم يقبل فات النفع ولحقه ضرر كثير.
قوله: (يوضحه أنه قد كان يحسن من جهة العقل) إلى آخره.
يعني وفي ذلك دلالة على أن التكليف ليس هو لاسبب في الضرر إذن لم يحسن العفو من جهة العقل فتبين أن السبب هو المعصية التي هي ذنب يقتضي ثبوت حق العقوبة للمعصي ويحسن من جهة العقل أن يسمح حقه.
قوله: (كونها مسهلة للفرائض).
ليس المراد بذلك أنها تدعو إلى فعل الفرائض بل المراد أن الإنسان إذا تعودها وداوم عليها سهل عليه فعل الفرائض كما أن من تعود السفر سهل عليه بعد ذلك وإن لم يكن السفر الماضي داعياً إلى السفر الآخر.
قوله: (على أن كثيراً من الناس أوجب إتمام النوافل).
يعني زيد بن علي عليه السلام وأبا حنيفة واتباعهما جعلوا نوافل الصلاة ونحوها كنافلة الحج فيوجوب الإتمام بعد الشروع.
قوله: (فقد بطل غرض السائل).
فيه نظر لأن قول زيد وأبي حنيفة بوجوب الإتمام لايبطل غرضه من أنه لايستحق بتركها من الأصل عقاب وأيضاً فلا يستحقه بترك الإتمام عند الجمهور.
قوله: (فيما يتعلق بالتعريض بالتكليف والتمكين والألطاف ونحو ذلك).
يعني فقد أحسن سبحانه وفعل الاختيار له بأن عرضه لمنافع عظيمة بتكليفه إياه وبأن مكنه من الوصول إلى ذلك وطلف به وأراد بنحو ذلك حسن البيان له، والإيضاح والتبقية وقتاً يتمكن فيه من ذلك.
قوله: (إنما يقبح التكليف في الموضعين) إلى آخره.
تلخيص الجواب وتحقيقه أنه إنما قبح تكليف زيد إذا كان يكفر لأجله عمرو لكونه مفسدة وكل مفسدة قبيحة وأما تلكيفه مع العلم بأنه نفسه يكفر فليس من قبيل المفسدة بل هو بيان لما كلف به بالعلوم الضرورية وتنصيب الأدلة ومن حق المفسدة أن تكون بعد البيان والتمكين وكذلك اللطف فلا يتصور أن يكون تكليف الإنسان لنفسه مفسدة ف يحقه ولا لطفاً ويتصور ذلك في حق غيره.
قوله: (إن كان الغريق لايقدر على تخليص نفسه إلا بإدلاء الحبل).
يعني ولايتمكن من إهلاكها إلا بذلك.
قوله: (لأن الغرض واحد). يعني وهو التعريض للنفع الذي لاينال إلا بذلك.
قوله: (قلنا الغرض بالتكليف).
يعني التكليف الذي هو إكمال علوم العقل فقد ذكر بعض اصحابنا أن للتكليف في لسانهم مجريين: أحدهما هذا ولاكلام أن الغرض به التعريض للمنافع لاعظيمة والتمكين من الوصول إليها، والثاني إرادته منهم فع لالواجبات وترك المقبحات وأمره ونهيه بذلك والغرض بهذا حصول الطاعات وترك المعاصي وهو الذي قصدوه بقولهم في الاحتجاج على وجوب اللطف لو لم يلطف بهم لكان ناقضاً لغرضه بالتكليف أرادواب التكليف هذا المعنى الأخير، وأما بالمعنى الأول فالغرض به التعريض للمنافع وقد حصل سواء فعل اللطف أم لا.
قوله: (لأن أكثر ما يفعله المنعمون في الشاهد) إلى آخره.
يعني كإعطاء الدراهم والدنانير مما لاتنتفع به نفسه بل يتوصل به إلى النفع.
قوله: (بحسب اختلاف بين أهل هذه المقالة).
يعني فإن بعضهم لم يعتبر الكثرة بل بنى على أنه يحسن تكليف جماعة يعلم الله أنهم يموتون على الكفر لالتطاف مكلف واحد وبعضهم اعتبر الكثرة واشترط أن يكون تكليف من يعلم من حاله أنه يكفر لطفاً لاثنين فصاعداً وهو المشهور عن أبي القاسم.
فصل فيما يتناوله التكليف من الأفعال والتروك
قوله: (أو بألا تفعل).
هذا بناء على ما هو المختار من مذهب أبي هاشم وأتباعه وهو أن ألا تفعل جهة كافية في استحقاق المدح والذم ويتعلق بها التكليف وفيه خلاف وسيأتي تحقيقه في باب الوعد والوعيد إن شاء الله تعالى.
تنبيه
قد يذكر فيما يتناوله التكليف عبارة أخرى غير عبارة /22/ المصنف هذه فيقال: الذي يتناوله التكليف فعل وترك والفعل علم وعمل والعلم فرض عين وهو العلم بالمسائل الإلهية وما ينبني العلم بها على العلم به وكذلك العلم بأصول الشرائع كالعلم بوجوب الصلاة وتفاصيل أركانها الواجبة وأذكارها والعلم بوجوب الصوم والحج والزكاة ونحو ذلك في حق من وجب عليه عمل في ذلك، وفرض كفاية وهو العلم بالمعلومات الدينية التي ليس على العالم بها فيها عمل كالعلم بأحكام الحيض في حق من لايباح له الاستمتاع بذات الحيض والعلم بتفاصيل أحكام الزكاة في حق من لاتجب عليه والعلم بمناسك الحج في حق من لايجب عليه ونحو ذلك.
فأما العمل والترك فأثرهما ظاهر والكلام في ....... يطول وهو مذكور في مواضعه.
فصل في شرائط حسن التكليف
قوله: (نحو أن يعلم الله أنه إذا كلف زيداً).
فيه نظر فإن لامفسدة من حقها أن تكون أمراً زائداً على التكليف اللهم إلا إذا قصد في فعل معين كأن يعلم الله من حال زيد بعد أن قد صار من جملة المكلفين أنه إذا كلفه بهذا الفعل المعين أو الترك المعين كفر لأجل ذلك فهذا التكليف مفسدة ولايحسن، وأما أصل تكليفه فلا يصح أن يعد مفسدة في حقه.
قوله: (وقال أبو هاشم) إلى آخره.
اعلم أن أبا هاشم يوافق أبا علي في أنه لو لم يكن للعاصي زيادة ثواب مع دعا الشيطان له إذا أدى ما كلف أنه لايحسن حينئذ خلق الشيطان ولاتبقيته ولاتمكينه من الوسوسة والإضلال.
قوله: (حجة أبي علي) إلى آخره.
اعلم أن للشيخ أبي علي حججاً من هذا القبيل كقوله تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده} الآية. وقوله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} فأخبر تعالى وصرح بأن الغنى مفسدة في حق كل المكلفين أو بعضهم مع أن المشقة في الامتناع عن المعصية يزداد مع الغنى لأنه مع الغنى يتمكن من المعاصي ويسهل عليه فعلها وامتناع الإنسان عما يتمكن منه من المعاصي مع الغيبة والسعة أشق من ذلك مع عدم الغنى وسعة الرزق فلو كانت زيادة المشقة تخرج التكليف عن كونه مفسدة لما كان الغنى مفسدة أصلاً.
وأجيب بأنه لايبعد أن يكون الغنى الذي حكم الله عليه بكونه مفسدة لايزداد لأجله ثواب الممتنع عن المعصية معه وإن كانت المشقة معه في الامتناع أكبر لأن كثرة الثواب لا يلازم كثرة المشقة ولو فرضنا شيئاً من الغنى يزداد معه الثواب في ترك المعصية أخرجناه عن كونه مفسدة ولم يحكم عليه بذلك.
وذكر الشيخ محمود بن الملاحمي ما معناه أنه مع تساوي الثواب في التلكيفين الأشق والأخف يظهر أن الشهوة الزائدة والغنى الزائد مفسدة ولابد أن يسلم أبو هاشم أن المفسدة قبيحة وعند التعريض لزيادة الثواب ينبغي أن يسلم أبو علي أنه كالتكليف المبتدأ في كونه غير مفسدة.
قوله: (قال أبو هاشم يحسن لأن فيه مزيد ثواب والمكلف أتى من جهة نفسه).
فيه سؤال وهو أن يقال: إذا كان وجه حسن هذه الزيادة التي يصل المكلف بسببها كونها تعريضاً للثواب الأكثر لزم حسن سلب اللطف عن العبد إذا علم الله أنه مع الإتيان بالفعل المكلف به حيث سلبه اللطف يكون ثوابه أكثر لأن فيه تعريضاً للثواب وأنتم لاتجوزون سلب اللطف لهذا الغرض بل أبطلتموه بأن منع اللطف جار مجرى المفسدة لاستحقاق المكلف معه عظيم العقاب وذلك الغرض المذكور لايعتد به لأنه لايكون الشيء حسناً حتى يتعرى عن جميع وجوه القبح.
وجوابه أن زيادة الشهوة وتمكين إبليس من جنس التكليف فحسن ذلك للتعريض كابتداء التكليف بخلاف سلب اللطف فليس من جنس التكليف.
قوله: (وبه قال أهل الأصلح).
يعني أبا القاسم وأصحابه قالوا لأنه أصلح له والأصلح واجب على الله تعالى عندهم.
قوله: (وقال أبو هاشم لايجب).
وبه قال القاضي وابن متويه وجمهور المتكلمين.
قولهك (لأن التبقية في الأصل تفضل منه تعالى، وكذلك التكليف حال التبقية).
اعلم أن المتكلمين كثيراً ما يطلقون العبارة بأن التكليف يفضل ويذكرون في موضع أن شرائط التكليف متى اجتمعت في الحي وجب تكليفه وهذا يوهم التدافع وقد أجاب بعضهم بأن ذكرهم للوجوب /23/ تساهل في العبارة وليس مرادهم بقولهم يجب أن يكلف إلا أنه لابد من ذلك لكيلا يكون تعالى عابثاً بأن جمع الشرائط المذكورة في الحي ولم يكلفه فعلى هذا لو جمعها ولم يكلفه كان الذم على جمعها وعلى ظاهر القول بالوجوب يكون الذم على عدم التكليف وأوضح من هذا الجواب ما قد سبق من أن للتكليف في لسانهم مجريين فحيذ ذكروا أن التكليف يفضل أرادوا به أحدهما وهو إكمال علوم العقل فلا شك في أن إكمالها وخلقاه تفضل محض لايشتبه عدم وجوبه وحيث يذكرون وجوبه عند اجتماع شروطه أرادوا به المجرى الثاني وهو إرادة الطاعة منه وكراهة المعصية والأمر بالواجبات والنهي عن المقبحات فلا شك على قواعدهم أن من أكمل الله له العقل ومكنه بالقدرة والآلة لابد أن يخلقه ويأمره وينهاه وإلا لكان إكمال الشرائط عبثاً وكان عدم الأمر والنهي إخلالاً بما يجب من البيان والهداية.
قوله: (لأنها إن كانت لطفاً في الماضي) إلى آخره.
هذا ذكره القاضي. قال ابن الملاحمي: ولقائل أن يقول: يجوز أن يريد أبو علي بكونها لطفاً في الماضي أنها كاللطف إذ الغرض منه أن تزداد دواعيه إلى المطلوب منه فيفعله ليخلص من عقاب تركه وهذا المعنى حاصل في هذا التكليف لأنه يتخلص به من العقاب فيكون كاللطف.
قوله: (بمقالة أهل الأصل إن كان مؤمناً).
قال ابن الملاحمي ما معناه: فأما المؤمن هل يجوز أن يبقى إذا كان المعلوم أنه يفسق ينبغي أن يقال بجواز ذلك إذا كان من المعلوم أنه يتوب بعد فسقه إذ لايمتنع أن يستحق بالتوبة أزيد من الثواب الذي كان يستحقه لو لم يفسق ويتب ويحنئذ فليس في تبقيته نقض للغرض، وأما إذا كان من المعلوم أنه لايتوب بعد فسقه فإنه يجب احترامه لما في تبقيته من نقض الغرض.
قوله: (لاسيما وقد ورد الشرع) إلى آخره.
قد أجاب ابن الملاحمي عما ذكره بأنه لم يثبت إيمان إبليس قبل كفره بل أخبر تعالى عنه أنه كان من الكافرين ولاوجه لجعل كان بمعنى صار فإنه خلاف الظاهر وتأول قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا} بأن المراد أظهروا الإيمان نفاقاً ثم كفروا ظاهراً ولهذا قال: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليما}، وتأول قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم} بأن المراد إيمان قوم من اليهود الذي هو إخبارهم بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل بعثته وقوله تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم} بأن المراد بعد إظهاركم الإيمان ورد في قوم منافين وكل ما ذكره خلاف الظاهرولا ملجئ للتأويل بغير دليل.
قوله: (أن كلفه تكليفاً ثانياً كفر).
أما أن علم أنه يكفر لأجل التكليف فهو عين المفسدة ولا يجوز بالاتفاق وأما أن علم أنه يكفر برد ما كلفه ثانياً أو كفراً ليس لأجل تكليفه فالأمر كما ذكره.
قوله: (وقال أبو عبدالله) إلى آخره.
هكذا ينبغي أن يكون قول أهل الأصلح ولاذي ياتي على قواعدهم.
قوله: (قال القاضي) إلى آخره.
كلامه هو المطابق للقواعد والجاري على سنن قياس ما تقدم للبهشمية في الصور الأول ورجحه بعض المتأخرين وقال هو الحق.
قوله: (وأما الشروط الراجعة إلى الفعل المكلف به فشرطان).
زاد بعضهم شرطاً ثالثاص وهو ألا يكون مفسدة ولايتصور كونه مفسدة إلا في حق مكلف آخر أو في عل آخر أو ترك واجب لأن لاشيء لايكون مفسدة في نفسه.
قوله: (فيخرج من ذلك المباح والفعل اليسير كما ذكر).
ويخرج منه أيضاً ما يقع من الساهي والنائم فعلا أو تركاً ويخرج منه فعل المقبحات والمكروهات وترك الواجبات والمندوبات فإن جميع ما ذكر لايتعلق به التكليف.
قوله: (وسيجيء الكلام عليهم).
يعني في أنه لا يجوز تكليف ما لايطاق والأولى أن يقال: وكلامهم مبني على قاعدة لو صحت لهم لم ننازعهم فيما ذكروه بالنظر إليها لكنها فاسدة قد بينا بطلانها وهي القول بإيجاب القدرة لمقدورها ومقارنتها له.
قوله: (لحصول العقل).
فيه نظر فإن من لاعقل له لاتكليف له إذ التكليف هو في الحقيقة خلق العقلاء فلا /24/ ينبغي أن يعد شرطاً، وإنما يصح ذلك على تفسير التكليف بالمعنى الثاني.
قوله: (والآلة).
يعني الآلات التي يحتاج إليها في إذا ما كلف بأن تكون حاصلة أو يمكنه تحصيلها والآلات ضربان منها ما لايقدر عليه فلا يجب علينا ما هي آلة فيه وإن لم يحصل لنا كلو كلفنا بالكتابة مع أمكان تحصيلنا القلم والمداد والكاغد.
قوله: (ونحو ذلك).
لعله أراد به اتساع الوقت للفعل المكلف به ليمكنه تحصيله فيه والأقرب أنه أراد به عدم الإلجاء فإن الأصحاب يعدونه هنا أحد الشروط.
قوله: (أن يكون مزاج العلة بالألطاف) إلى آخره.
الصحيح أن هذا ليس من شرائط حسن التكليف فإنه يحسن بكمال ما عداه من الشروط وإنما فعل اللطف واجب مستقل عند من أ,جبه فإذا لم يفعل كان إخلالاً بالواجب ولم ينكشف بتركه قبح التكليف.
قولهك (وصارف وهو المشقة).
اعلم أن المشقة شرط في التكليف ولاتكليف مع عدمها وقد أدرج المصنف ذكرها في هذا الشرط وكان ينبغي أن تفرد لكن لعله بنى على أنها داخلة في ماهية التكليف والشرط من حقه أن يكون زائداً على الماهية وقد صرح بذلك بعضهم.
قوله: (ومن هنا قال أصحابنا أن من استغنى بالحسن عن القبيح) إلى آخره.
هكذا قال الشيخ أبو هاشم وأتباعه وعدوا عدم الاستغناء المذكور شرطاً من الشروط الراجعة إلى المكلف وعدوا حصوله من الأمور الرافعة للتكليف فجوزوا أن يكون هو الوجه في ارتفاع تكليف أهل الجنة وجوزوا أن يكون الوجه في ارتفاعه الإلجاء.
وقال الشيخ أبو علي: أنه لايشترط في التكليف عدم الاستغناء بالحسن عن القبيح ولايرفع التكليف إلا الإلجاء فأ,جب على الله أن يلجئ أهل الجنة إلى ترك القبيح لعدم تكليفهم ويتفق الشيخان على أنه يجب صرفهم عن القبيح لكن قال أبو علي بطريقة الإلجاء فقط، وقال أبو هاشم به أو بالاستغناء المذكور.
تنبيه
أهمل المصنف شرطاً معتبراً هنا وهو أن يكون المكلف عالماً بما كلف وصفته والعلم بذلك ضربان: ضروري كالعلم بقبح الظلم والعبث وتكليف ما لايطاق على الجملة فما هذا حاله لايكلف إلا مع حصوله بل هو من العقل فهو داخل في نفس التكليف، واستدلالي كالعلم بالمسائل الإلهية والعلم بالشرعيات كالصلاة والصوم وما هذا حاصله لايشترط في التكليف حصوله بل التمكن منه.
قوله: (وهي أصول النعم).
سميت أصولاً لأن كلا منها مؤثر في الالتذاذ أو شرط فيما يؤثر فيه بحيث لايتم الالتذاذ من دونه وبحيث أنها إذا اجتمعت عقل الالتذاذ وإن فقد غيرها وإذا فقد واحد منها لم يعقل.
قوله: (وقدرية).
منهم من لم يعدها قسماً برأسه وجعلها داخلة في التمكين من المشتهى ومنهم من عدها وأراد بالتمكين غيرها وهو خلق المشتهى والتخلية بينه وبينه.
قوله: (ويجري ذلك مجرى الشكر المطلق).
اعلم أن العبادة توافق الشكر في أمرين الاستحقاق لأجل النعمة ومقارنة التعظيم والإجلال وتفارقه في وجوه أحدها أنه لايستحقها إلا المنعم بأصول النعم وثانيها تأديتها على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع وثالثها أنها يتغير حكمها بتغير الأحوال والأمان ويرد عليها النسخ، ورابعها وجوب إظهارها على سبيلا الاستمرار في أوقاتها والشكر لايجب إظهاره إلى عند بهمه، وخامسها أنها لاتتزايد بتزايد النعم والشكر يتزايد بتزايدها، وسادسها أنها لايعلم وجوبها إلا بالشرع ووجوبه معلوم بالعقل.
قوله: (قيل له) إلى آخره.
كان الأحسن في الجواب والأكثر إصابة ومطابقة أن يقال: وجب الثواب لكون الحكمة قضت باقتران العبادة بالمشقة العظيمة مع أنه كان يمكن تجريدها عنها بألا يخلق لنا نفرة عنها وتزال الصوارف الصارفة /25/ عنها ولايخلق فينا شهوة القبيح فهذا هو خلاصة الجواب وقد عاد إليه المصنف آخراً بقوله: وعلى الجملة وما قبله فيه تكلف لاحاجة إليه.
قولهك (أن يكون عالماً باجتماع الشرائط الراجعة إلى المكلف والمكلف به).
ينبغي أن يزاد: ولاتكليف.
قوله: (الرابع أن يكون عالماً أنه سيثيبه) إلى آخره.
قال في المحيط: ألتوفير للثواب ليس بشرط في حسن التلكيف بل الشرط التزام الثواب على الطاعة ولو فرض عدم اتصاله فلا يقدح في حسن التكليف مع استحقاقه كما أنه تعالى لم يلطف بالمكل فلم يقدح في حسن تكليفه على رأي البعض قيل: ومن تمام هذا الشرط أن يعلم تعالى مع علمه بأنه سيثيبه أنه سيزيد إثابته عند ذلك، ولايقال: يزيد إثابته من حال الفعل للطاعة لأن تقديم الإرادة عبث ويمكن أني قال لادليل على أن هذا من الشروط فإن الإرادة تقع تبعاً للداعي إلى الفعل والغرض المقصود الإثابة أريدت أو لم ترد وإن لم يكن بد منها في حق العالم المميز لفعله المقصود في نفسه.
تنبيه يشتمل على فوائد تتعلق بالشرائط المذكورة