قال عليه السلام: وعلى هذا يستقيم قولنا أن الإنسان هو هذا الشخص المشاهد وإن كان في التحقيق هو الجملة التي لايكون الحي حياً إلا بمجموعها وسائر الأجزاء تابعة غير مقصودة. هذا حاصل ما ذكره عليه السلام وهو كما ترى فيه تكلف وتعسف وهكذا حال الإنسان إذا حاول أن يعلم ما تفرد الله بعلمه ولم ينصب لنا دليلاً عليه ولاجعل للعقل فيه مجالاً، ذهب كل مذهب ولم يفز بمطلب، والأجزاء التي لايكون الحي حياً إلا بها أجزاء قليلة يسيرة فكيف يصح أن تكون هي الموجودة المشاهدة ليلة المعراج والمعلوم من لفظ الحديث إن صح أنها صور واضحة وأشخاص كاملة ذات أعضاء وجوارح ووجوه موصوفة خلقتها فلو كانت هي المنزوعة المقبوضة حال اليوم لوجب بطلان حياة النائم حال نومه حتى يستيقظ بعد ردها ومعلوم أنه حي في حال نومه ولهذا يدرك وكان يجب إذا قطعنا جسد الميت وفتحنا جسده أن نجد مكان تلك الجملة في جسده مفرغاً إذ قد انتزعت الجملة من وسطه ثم من المعلوم أن الإنسان هو العالم المريد الكاره الظان الناظر وهذه معان لاتوجد ولاتحل إلا في القلب، فأخبرنا هل القلب من تلك الجملة فهذا يقضي بأنها كثيرة واسعة إذ القلب مع كبره جزء منها وقد قلت أنها هي الأجزاء التي لايكون الحي حياً إلا بها أ, ليس القلب منها فكيف تكون هي العالمة الناظرة المريدة الكارهة وهذه المعاني في اجزاء غيرها لو ذهبت لم يقدح ذهابها في كونها إنساناً عالماً ظاناً ناظراً مريداً كارهاً وغير هذا من الإشكالات التي يمكن إيرادها على هذه المقالة لامحالة.

والحق الذي لامدفع له ولا محيد عنه أن الإنسان العاقل المكلف الممدوح المذموم المثاب المعاقب هو هذا الشخص المشاهد وأن النفس والروح التي أشير في الآيات والأخبار إليها هو أمر لايمكن الوصول إلى معرفته حقيقة إلا بالسمع ولم ينصب الله لنا دليلاً على معرفة حقيقته يتضمن التصريح بذلك بل قضت حكمته بإبهام ذلك علينا لمصلحة علمها لنا في الإبهام فلا يتكلف علم مالم نعلم بإيرادها على القلب قولك فيما لانعلم لا أعلم وقد أورد المهدي على نفسه سؤالات في تحقيق ما ذهب إليه والكشف عنه وتكلف الجواب عنها واعترف في البعض منها بعدم القطع والرجوع إلى الظن ......، وعن ذلك كله مندوحة وكل ذلك يناميه عليه السلام على أن العلم بالروح ممكن وأن الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي}، لاتقضي بأن حجب العلم به فإنه أورد سؤالاً حاصله كيف حار النظر في الروح والقطع بتميزها وقد سئل عنها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم يعلم الجواب عنها، واعترف بعدم إدراك حقيقتها مع /17/ علو درجته وارتفاع منزلته في العقل ومع كون السمع لايعلم إلا منه فكيف لايعلم الروح بما تنزل عليه ونعلمه نحن.

وأجاب بأن الآية لاتقضي بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لايعلم الروح ويحتمل أنه إنما أبهم الجواب على اليهود فيه لأنه أمر بإبهامه مع عدم جهله به فلم يضف الجهل إلا إلى السائلين إذ قال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ولم يقل: وما أ,تيتَ وإن فرض عدم علمه بها وأن عقله صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يدرك معرفة حقيقتها فمن الجائز أن الله سبحانه حجب عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم العلم بها دوننا كما منعه من الشعر والخط وأيضاً فمن الجائز أنه يمكنه النظر فيها والعلم بها لكنه لم يجتهد في النظر ولا بلغ الغاية فيه لعدم تكليفه بذلك ولايجب في النبي أن يكون أعرف الناس في كل شيء فلا إشكال على من نظر في الروح وتكلم بما أداه إليه عقله في معرفته وهذا الجواب كما ترى.
وقد روي في الكشاف عن أبي بريدة أنه قال: لقد مضى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وما يعلم الروح. قال: والأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه، وقيل: خلق عظيم روحاني أعظم من الملك. وقيل: جبريل. قال: وروي أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما قال لهم ذلك يعني قوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: (( بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً )) فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} وساعة تقول هذا فنزلت: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} قال جار الله: وليس ما قالوه بلازم فإن الشيء يوصف بالعلة مضافاً إلى ما فوقه وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته .......... العبد حتى كبر في نفسها وقيل بالإضافة إلى علم الله.

فصل في حسن التكليف وبيان وجه الحكمة فيه
قوله: (وجعله شاقاً ليستحق به الثواب).
عد كونه شاقاً من معاني التعريض للثواب لأنه لو لم يكن شاقاً لم يستحق عليه ثواب إذ لاثواب مع عدم المشقة في الفعل المكلف به أو سببه أو ما يتصل به إذ لو استحق الثواب بغير مشقة لم يكن فرق بين ما كلفنا به وبين ما يلتذ به من الطعام والشراب والنوم، ومعلوم أن عدم استحقاق الثواب على هذه الملاذ إنما هو لعدم المشقة فيها ولأن الثواب جزاء على الأعمال كالأجرة عليها فكما أن من استعمل الغير في عمل يسير لايستحق عليه أجرة لعدم مشقته فكذلك الطاعات لو لم يكن فيها مشقة لايستحق الثواب عليها. هذا ما ذكره أصحابنا.
وفيه نظر أما أولاً فلقولهم: أن عدم استحقاق الثواب على الملاذ إنما هو لعدم المشقة فإنه يمكن أن يقال بل لعدم لاتلكيف بها ولعدم حصول المصلحة الدينية فيها. وأما ثانياً فقياسهم على العمل اليسير في عدم استحقاق الأجرة عليه وهو قياس غير صحيح فإن العمل اليسير لايستحق عليه أجرة ولو لحقت به مشقة فالعلة كونه يسيراً يتسامح بمثله في العادة لا كونه لامشقة فيه.
وأما ثالثاً فالملاذ قد يستحق عليها الثواب إذا قصد بها وجه الله كمن نوى بأكله التقوى على الطاعة وبلباسه ستر العورة وبنومه إمكان القيام للعبادة وليس النية المذكورة تخرجها عن كونها ملاذاً ولاتدخلها في كونها شاقة وكذلك قد ورد السمع بإثابة الرجل على تقبيل زوجته ومداعبتها ونحو ذلك مما فيه غاية اللذة، وقولهم: أن المشقة فيما تصل به من حفظ الفرج عن غير جائز الوطء كلام فارغ فإن ذلك أمر آخر كلفنا به فيه مشقة يثاب عليه ويعاقب على تركه فكيف يجعل شرطاً في استحقاق الثواب على تلك الملاذ المتعلقة بالزوجة.

ثم اعلم أن أصحابنا يجعلون المشقة شرطاً في استحقاق الثواب ولايجعلونها سبباً فيه فحينئذ لايلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة لأن ذلك لايلزم إلا مع جعلها سبباً للثواب فالمسبب يقل بقلة السبب ويكثر بكثرته، وأما إذا كانت شرطاً لم يلزم ذلك والسبب هو فعل الطاعة وترك المعصية ولهذا يكثر الثواب بكثرتها ويقل بقلتها أي بكثرة موقعها في الوجه الذي لأجله وقع الوجوب أو الندب كما ورد في فضل ركعتين في الحرم فإنهما تفضلان الركعتين في غيره بكذا وكذا ضعفاً من الثواب، وكذلك صلاة الفريضة فيه وما ذلك إلا لكون موقع الفريضة وهو لطفيتها والنافلة وهو تسهيله للفرائض أكثر مما إذا كانت /18/ الفريضة أو النافلة في غيره وعلى هذا الاعتبار فقس.
قيل: والواجبات نوعان نوع لايختلف موقعه فلا يختلف القدر المستحق عليه في قلته وكثرته وهي الواجبات العقلية فإنها إنما وجبت لوجوه تقع عليها فلا يختلف موقعها باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ونوع يختلف موقعه فيختلف القدر المستحق عليه من الثواب حسبما يتحصل من الغرض الذي لأجله شرع وهو الواجبات الشرعية كالصلاة والزكاة ونحوهما فإنها إنما وجبت لكونها ألطافاً في الواجبات العقلية ويقع فيها التفاضل فمنها ما يدعو إلى فعل واجبات كثيرة ومنها ما لايدعو إلا إلى فعل واجب واحد، ومنها ما يدعو إلى واجب ومندوب، ومنها ما لايدعو إلا إلى واجب فقط، ويصح اختلاف ذلك بحسب الأمكنة والأزمنة والأشخاص ولهذا كان ثواب ركعتين في الحرم أكثر من ثوابهما في غيره وصدورهما من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل مما إذا صدرا من غيره وصلاة بعض الأوقات كجوف الليل ولاسحر وبين الأذان والإقامة أفضل من الصلوات في غير هذه الأوقات وهذا تقسيم وتعليل حسن على قواعد الأصحاب في وجه وجوب العقليات والشرعيات والله سبحانه أعلم.
قوله: (ويندفع به ضرر عظيم) إلى آخره.

فيه نظر لن اندفاع العقاب ليس بالتكليف إذ لو عدم التكليف لم يثبت عقاب، فالعقاب من فروعه لا أنه يندفع به وإنما يندفع بالطاعة.
قوله: (فإنه لاينال الثواب إلا به).
وذلك لتضمنه التعظيم والابتداء به من غير استحقاق له لايحسن لأن العقلاء يستقبحون تعظيم من لايستحق التعظيم.
قوله: (إنما اعتبر الرضا في الشاهد في الأمور التي يشتبه الحال فيها).
فيه نظر فإن الرضا ..... معتبر مع عدم الاشتباه وليس لأحدنا أن يكره الغير على عمل يسير بعوض كبير عظيم خطير فكان الأحسن في الجواب ما رجع إليه وإن لم نلخصه وهو أن اعتبار الرضا في الشاهد إنما هو لعدم الملك والولاية ولهذا حسن الإكراه من السيد لعبده ومن الأب لطفله والله سبحانه وتعالى هو المالك لنا الملك الحقيقي والمتولي علينا الولاية الحقيقية فإن لم يرد حاله على حال السيد في حق عبده والوالد في حق والده بدرجات كبيرة لم تنقص.
قوله: (وهو أن تحسن إلى الغير ليحسن إليك).
ظاهره أن المعتبر في المفاعلة صدور الفعل من أحد الفاعلين قصداً لأن يصدر إليه مثله والمشهور أنها كما ذكره ابن مالك لأقسام الفاعلية والمفعولية لفظاً والاشتراك فيهما معنى يريد أن مثل جاءني زيد وعمر أتوني به ليكون زيد فاعلاً وعمرو مفعولاً في اللفظ، وفي المعنى أن كل واحد فاعل ومفعول.

فصل في أن التكلف يحسن سواء قبل المكلف أو بعده
قوله: (اعلم أن تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر صار شبهة) إلى آخره.
أما النافون للصانع بسببه فهم الملاحدة. قالوا: لو كان لهذا العالم صانع حكيم يريد الخير بخلقه لما كلف من هذه حاله مع علمه بأنه يعصي ويخالف ما أمر به ونهى عنه ثم يدخل النار فليس إلا أنه لا صانع وأما المثبتون للثاني فهم الثنوية والمجوس، قالوا تكليف من هذه صفته قبيح والله لايفعله فليس إلا أن فاعله غير الله، وأما المجبرة فإنهم قالوا هذا صورته صورة القبيح فإذا فعله الله جاز أن يفعل غيره من القبائح كتعذيب من لاذنب له وتكليف ما لايطاق ولكنهم مع ذلك يقضون بحسنه من جهة الله تعالى وهذا أيضاً أعظم شبههم في نفي التحسين والتقبيح العقليين من حيث أنكروا كون مثل ذلك التعريض يحسن في الشاهد وكونه نعمة منه تعالى على المكلف بل هو مضرة عظيمة محضة لا أعظم منها فلو صدر من أحدنا مثل ذلك لكان قبيحاً وقد صدر منه تعالى ولم يقبح منه فعلمنا أنه لايقبح منه قبيح وهي أيضاً أعظم شبههم في نفي الغرض والحكمة هذا ما ذكره أصحابنا في غير موضع من كتبهم وفي نفسي شيء من حكمهم بأن تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر هو المؤدي /19/ للملحدة إلى نفي الصانع وللثنوية إلى إثبات الثاني لأن الملحدة والنثوية لايثبتون التكليف ولايعترفون بالسمعيات ولا يثبتون الجنة والنار فكيف يستقيم ما ذكروه عنهم.
قلت: قال مولانا عليه السلام: ومما أدى إلى تكليف من هذه حاله القول بعدم قدرة الله على هدايته وتوقيفه لأنه لو قدر على ذلك لوجب عليه وإلا لقبح التكليف مع عدم فعل ما يلتطف به وهو مذهب البهشمية وجمهور العدلية وأدى أيضاً إلى القول بعدم التعذيب وإيصال العقاب إلى الكافرين والمذنبين وهو قول طائفة من المسلمين.

وأما العدلية فذهبوا إلى حسنه وحسن إيصال العقاب بسببه وأنه لافرق في الحسن بين تكليف من المعلوم من حاله أنه يموت كافراً مستحقاً للعقاب وأنه يموت مؤمناً مستحقاً للثواب لكن اختلفوا في وجه حسنه فذهبت الزيدية والبصرية من المعتزلة إلى أن وجه حسنه أنه تعالى إنما أراد تعريضه للثواب بما يأتي ويذر من الأعمال وليس عليه تعالى أن يقبل. وذهب أكثر البغدادية إلى أنه إنما يحسن تكليفه حينئذ لنفع غيره وصرح أبو القاسم بقبح هذا التكليف وأنه تعالى لايفعله ولايحسن منه إلا بأن يكون لطفاً لغيره من المكلفين ثم اختلفوا فبعضهم اعتبر الكثرة فلا بد أن يحصل اللطف بتكليفه لمكلفين فصاعداً ومنهم من لم يعتبرها فقال: يحسن، وإن كان المكلفون جماعة وماتوا على المعصية إذا حصل بذلك التطاف مكلف واحد، ولو في طاعة واحدة.
وحكي عن ابن الملاحمي أن وجه حسن تكليفه ما ذكرته البصرية ولابد فيه من لطف لغيره وقد حكي هذا عن أبي الحسين أيضاً، وقيل: وجه حسنه وحسن تكليف من يموت مؤمناً مستحقاً للثواب لطف لغيره، وقد حكي هذا عن أبي الحسين أيضاًن وقيل: وجه حسنه وحسن تكليف من يموت مؤمناً مستحقاً للثواب ما لله تعالى عليهما من النعم ولايعتبر غير ذلك.
قوله: (ما قد ثبت بالأدلة القاطعة) إلى آخره.
يقال: إنكم ما لم تدفعوا ما ادعاه الخصوم من قبح هذا التكليف لم يتم لكم ما استدللتم به من عدل الله وحكمته . وجوابه: أن العدل والحكمة قد قامت عليهما الأدلة القاطعة ولم ترد هذه الشبهة على أي أركان تلك الأدلة ومقدماتها من كونه تعالى عالماً بقبح القبيح وغنياً عنه وعالماً باستغنائه عنه فلا يقدح ذلك فيما قد علمناه وتيقناه من العدل والحكمة ومع تيقنهما نقطع بأن كل فعل التبس علينا وجه الحكمة فيه فله وجه حكمة خفي عنا إذ مالم نعلمه أكثر مما علمناه.
قوله: (كما أن من قدم طعاماً إلى جائعين) إلى آخره.

قد ورد عليه أنه لامساواة بين الصورتين لأن لاجائعين على شفا جرف الهلاك فتحسن إرادة استنقاذهما وإن لم يقبلا أو أحدهما ولاكذلك الحيان قبل التكليف فإنهما في فسحة وسلامة ونعمة يتفضل الله عليهما بالحياة والملاذ من غير تكليف.
وأجيب بأن حال الحيين قبل التكليف أبلغ في العطب من حال الجائعين لأن لاضرر الذي ينزل بهما إذا لم يقبلا الطعام المقدم إليهما أكثر ما يكون زهوق الروح والضرر النازل بالحيين إذا لم يقبلا هو فوت نعيم الأبد والتعظيم الذي لايحد والرزء في فوات ذلك أعظم وأجل من زهوق الروح.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيه نظر فإنه يجب بالعقل دفع الضرر وتحمل المشاق لأجله ولا يجب النظر في تحصيل النفع وإعمال الحيلة في ذلك ولاتحصل المشقة لأجله وأوضح من ذلك الإشكال أن يقال لانسلم استواء الصورتين فإن المقدم للطعام إلى الجائعين محسن إليهما بتعريضه إياهما للنفع ودفع ما بهما من الضرر ثم إذا لم يقبلا لم يوصل إليهما ضرراً بسبب عدم قبولهما ولم يعاقبهما عليه بخلاف المكلف أنه إذا لم يقبل ويفعل ما يفضي به إلى النعيم العظيم عوقب بالعقاب الشديد الأليم فالقياس غير سليم ولامستقيم والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (فلا يتم إحسان الباري تعالى ونعمته إلا بفعل أحدنا).
فيه نظر لأن لهم أن يجعلوا إتمام الإحسان متوقفاً على علم الله بالقبول لا على نفس القبول.
قولهك (وهذا مع كونه محالاً في الشاهد). إلى آخره.
نعني باستحالته /20/ أنا نعلم أنه لايتوقف كون إحسان أحدنا إلى غيره نعمة على قبوله.
قوله: (فإنه لولا حسن تكليفه تعالى) إلى آخره.
فيه نظر لأن قبول المكلف للتكليف لايتوقف على حسنه بل على إيقاعه فإنه يمكن قبول التكليف حسناً كان أو قبيحاً ولعله أراد أنه لايتأتى من المكلف القبول الحسن إلا مع حسن تكليفه تعالى وفيه تكلف.
قوله: (لأن وجه الحسن والقبح يجب أن يقارن).

هذا صحيح ووجهه ظاهر فإنهما المؤثران في الحسن والقبح ولايتأخر المؤثر عن الأثر وإن كان قاضي القضاة قد ذكر أنه يصح في وجه الحسن التقدم كنشر الصحف ونصب الموازين وإنطاق الجوارح فإن وجه حسنه علم المكلف به ليكون لطفاً له وذلك متقدم، والتأخر نحو أن يحتجم أحدنا أو يفتصد أو يشرب دواء كريهاً فإن وجه حسنه كونه دفعاً للضرر وهو متأخر ويمكن أن يقال بل الوجه في حسنه العلم بكونه يندفع به الضرر وهو مقارن ووجه الحسن في النوع الأول تصديق الإخبار به والوفاء بالوعدية والإخبار هو اللطف والله سبحانه أعلم.
قوله: (ولوجب فيمن كلف أن يقطع بأنه من أهل الجنة).
يعني للبناء على قبح تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر مع القطع بأن الله لايفعل القبيح، وقد استدل الشيخ أبو الحسين على حسن هذا التكليف بأنه لو قبح لقبح لكونه ظلماً أ, عبثاً إذ لاوجه يقتضي قبحه يمكن الإشارة إليه غير ما ذكر لايصح أن يقبح لكونه ظلماً لأنه إن جعل ظلماً لما يتبعه من العقوبة فلم يعاقب على نفس التكليف وإنما عوقب على فعل قبيح أو ترك واجب وهما جهتان لحسن العقابن فلييس العقاب ظلماً وإن جعل ظلماً لما يلحق من المشقة بسببه في الفعل أو الترك فالكافر الذي فرضنا الكلام فيه لم يفعل واجباً ولم يترك قبيحاً فلم تلحقه مشقة ولأنه يلزم في المؤمن أن يكون تكليفه ظلماً لنه الذي لحقته المشقة وإن جعل ظلماً لأن التكليف ضرر في نفسه فهذا الوجه ثابت في المؤمن فيكون تكليفه ظلماً ونفس التكليف لاضرر فيه ولامشقة فبطل أن يكون الوجه كونه ظلماً إذ لايتعقل كونه ظلماً إلا من الوجوه المذكورة وقد أبطلناها ولايصح أن يجعل الوجه كونه عبثاً لأن العبث ما لاغرض فيه أصلاً أو ما عري عن غرض مثله لايجوز أن يكون من النوع الأول لأن الغرض فيه حاصل ولامن النوع الثاني فإن التعريض لتلك المنافع العظيمة الدائمة غرض مثله بلا شك إذ مشاق التكليف يسيرة بالنظر إلى ما يحصل بها من نعيم الأبد.

94 / 158
ع
En
A+
A-