يشير إلى ما ذكره الحاكم في تهذيبه من أن سبب نزولها أن قوماً كانوا يؤذون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة يرمونه بالحجارة ويصدونه عن الدعاء إلى الإيمان فحال الله بينهم وبينه والأكنة الأغطية جمع كنان.
قوله: (وتقديره لأن يفقهوه) إلى آخره.
في هذا الوجه تعسف وتكلف والذوق لايلتفت إليه ولا يساعد عليه.
قوله: (فإن قيل كيف يكون الكن والوقر مفعولين للفهم). الكن في اللغة السترة والجمع أكنان وهي الأغطية والوقر الثقل في الأذن.
قوله: (والجواب المراد نقلب في الآخرة).
فيه نظر والظاهر أنه عطف على لايؤمنون تقديره: وما يشعركم أن هذه الآية التي اقترحوها وأقسموا أن جاءتهم ليؤمنون بها لعلها إذا جاءتهم لايؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم ولايفقهون ولايبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أو لايؤمنون بها لكونهم مطبوعاً على قلوبهم وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لانكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه، هذا ما ذكره جار الله.
وقد قيل: إن نقلب مستأنف وليس ببعيد.
قوله: (ولأنه جعله عقوبة لكونهم لم يؤمنوا).
يعني أن قوله: {كما لم يؤمنوا} تعليل للتغليب وليس كذلك فإن الكاف للتشبيه كما أشار إليه جار الله، وكما قال في المجيد أي لايؤمنون به إنما بآياتنا كما لم يؤمنوا به أول مرة.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد يسلب الألطاف) إلى آخره.
هذا هو الوجه على قواعد الأصحاب وجاري عادتهم في التأويل.
قوله: (والجواب لم يقل: سأصرفهم عن فهمها).

أما جار الله فاعترف بما حملها الخصم عليه فقال: سأصرف عن آياتي بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم لايفكرون فيها ولايعبترون بها غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم ثم قال: وقيل سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى بأن جمع السحرة ويجوز سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها سحراً بإهلاكهم وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم.
قوله: (فهو على جهة الدعا).
يعني دعا عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح.
قوله: (وأيضاً فإنما أخبره بأنه يقدر على ذلك).
يقال: بل أخبر بأنه يفعله وأن من شأ،ه فعله فإنه لم يقل أن الله يقدر على أن يجعل.
قوله: (عبر بذلك عن الموت) هكذا فسره جار الله فقال: يعني أنه يميته فيفوته الفرصة التي هو واجدها وهو التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يريده الله فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله.
قوله: (كما قال طرفة: فلولا ثلاث) إلى آخره.
هو طرفة بفتح الطاء والراء بن العبد الشاعر المشهور سمي بالواحد من /456/ الطرفا وهو شجر معروف، وأراد بقوله: وحدك الخط. وقيل: المعنى حده نسباً، ومعنى: لم أحفل لم أبل، والعود: جمع عائد من عيادة المريض وفي المتن عوادي، وهو وهم والثلاث قد صرح بها فيما بعد هذا البيت حيث قال:
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرى إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد العصا تنبه المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معـ ... ــجب بتهكنه تحت الخباء المعمد
وقد ضمن الإمام ص بالله عليه السلام بيت طرفة هذا بعض أشعاره وقال بعد ذكر الثلاث:
فمنهن خلط الخيل بالخيل ضحوة ... على عجل والبيض بالبيض ترتدي
ومنهن نشر الدين في كل بلدة ... إذا لم يقم بالدين كل مبلد

ومنهن تطهير البلاد عن الخنا ... ورحض أديم الأرض عن كل مفسد
ثم قال عليه السلام بعد ذلك:
بذلك أوصاني أبي وبمثله ... أوصي بني أوحداً بعد أوحد
والغفل يستعمل في اللغة إلى آخره.
قال الجوهري: ويقال أرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة. وقال الكسائي: أرض غفل لم تمطر، ورجل غفل إذا لم يجرب الأمور وفي الأقداح ثلاثة غفل هو مما يوصف به الواحد والجمع والأقداح هي الأزلام المذكورة في القرآن وتسمى الأقلام، كان من عادة الجاهلية في القمار أن ينحروا جزوراً ويجعلونها ثمانية وعشرين جزءاً ويضربون عليها بعشرة قداح مكتوب في كل واحد اسمه وهي على هذا الترتيب: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى، والمنبح، والسفيح، والوغد. ويتساهم بها عرشة رجال فمن خرج له الفذ أخذ جزءاً ومن خرج له التوءم أخذ جزأين فهكذا حتى ينتهي إلى المعلى فيأخذ من خرج له سبعة أجزاء من الجزور وقد استكملت أجزاء الجزور ومن خرج له أحد السهام الباقية الغفل التي لايصيب لها وهي المنبح واثنان بعده، حمل ثلث ثمن الجزور فيحملها أهل الثلاثة الغفل ومن عادتهم أن يجعلوا الأسهم في خريطة على يدي عدل فيجلجلها ثم يخرجها واحداً واحداً باسم كل واحد منهم ويدفعوا ما حصل لهم من أجزاء الجزور إلى الفقراء ولايأكلاو منها شيئاً ويذموا من لم يدخل في هذا القمار ويسمونه البرم وهذا هو الميسر المذكور في القرآن قرن الله ذكر القمار بالخمر تفظيعاً لشأ،ه.
قوله: (وفي الشيء الذي لا سمة له).
قال الجوهري: وذاته غفل أي لاسمة عليها.
قوله: (في قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}).
قد تقدم أن المصنف بنى على أن المراد فيه ذه الآية الكتابة المعروفة وأن الذي ذكره المحققون أن المراد أثبت في قولبهم الإيمان كما يثبت الشيء المكتوب والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أنه تعالى يحمل العباد على نواهيه ويوقعهم في معاصيه لأجل أنه أرادها.

قوله: (لأنه لاتأثير للشياطين في الإز).
يعني على قاعدتهم أن الأفعال كلها لله والإز والهز والاستقرار بمعنى ومعناها التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات.
قوله: (هو التخلية والتسليط).
يعني بعدم المنع لهم عنهم ولو شاء الله لمنعهم قسراً.
قوله: (على جهة العقوبة والخذلان).
اعلم أن هذا كثيراً ما يتكرر في كلام الأصحاب أن الله سبحانه وتعالى يجعل الخذلان وهو سلب الألطاف وترك فعلها والتخلية عقوبة للعاصين وهو مناف لقواعدهم لأنه إن كان في المقدور لطف لهذا العاصي فمن قواعدهم إيجاب فعله على الله والمنع من /457/ تركه له لأنه عندهم إخلال بواجب وإ، لم يكن له لطف فلا معنى لكون سلب اللطف عقوبة لأن فعل اللطف حينئذ كتركه بل لايسمى لطفاً ما لايلتطف به فلا سلب وهذا واضح كما ترى وقد تكلف بعض المتأخرين الجواب عنه بأنه لامانع من أن يكون في معلوم الله أنه لولا العصيان المتقدم من هذا المخذول لكان يلتطف بهذا الفعل الذي سلبه فلما عصى تولد من معصيته عدم لطفته ما كان لطفاً له لو لم يعص فكان ترك فعله وسلبه إياه بسبب معصيته فعد ذلك عقوبة عليها وفيه تعسف كما ترى فإن العقوبة إ،زال الضرر بالعاصي على جهة الاستحقاق لأجل معصيته وليس الضرر الذي يناله بسبب فعل المعصية لا جزاء عليها بعد عقوبة كما لو قيل: من لايستحق القتل فوقع السلاح الذي قتله به في شيء من جسده أو ناله تعب بسبب القتل فإن ذلك لايعد عقوبة وإنما يتصور ما يذكرونه على لاقول بعدم وجوب اللطف وأن الله سبحانه سلبه إياه مع تأثيره لو فعله إياه عمن يعصيه عقوبة له ومكافأة على معصيته وليكن هذا على بال منك فإنه كثيراً ما يرد في كلام العدلية القائلين بوجوب اللطف وهو غير مستقيم على قواعدهم والله سبحانه أعلم.
قوله: (قالوا فدل على أنه قد أراد منهم الطغيان).

يقال: هذا خلاف ما أردت إيراده في الفصل هذا فإ،ك جعلته لما استدلوا به على أن الله يحمل على نواهيه ويوقع في معصايه لا على أنه يريد ذلك فموضعه الفصل الأول من فصول شبههم السمعية فكان الأولى أن يقال: فدل على أنه تعالى يحملهم على الطغيان ويوقعهم فيه.
قوله: (أن المد في الطغيان بالمعنى الذي ذهب إليه الخصوم غير معقول في اللغة).
فيه نظر بل هو المعقول الظاهر وقد اعترف به إمام العدلية وعالمها جار الله في تفسيره فقال: هو من مد الجيش وأمده إذا زاده فالحق به ما يقويه ويكثره وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحاه ومدة الشيطان في الغي وأمده إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد ... كافية.
قال: ويحمل على أن الله لما منعهم ألطافهم التي يمنحاه المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم تعنت قولبهم بتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسند إلى الله سبحانه لنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم أو على أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
قوله: (وإنما المد هو الإنساء في الأجل).
أنكر هذا الزمخشري ورده وقال: إن الذي بمعنى الإمهال إنما هو مد له مع اللام كأملى له، وقال: فإن قلت ما حملهم على تفسير المد في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة لا يطاوع عليه. قلت: استجرهم على ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسند إلى الشياطين ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.
قوله: (كلام مستأنف أي في حال عمههم في الطغيان).

هذا كلام غير مستقيم فإن جعله مستأنفاً ينافي جعله حالاً فإن الحال متعلق بما قبله وقيد من قيوده ولامعنى للاستئناف ههنا وأما جعله حالاً فيستقيم على تفسير المد بالإمهال تقديره ويمهلهم حال عمههم في طغيانهم عمهين والعمه كالعمى إلا أن لاعمى يستعمل في البصر وي الرأي والعمه في الرأي فقط، وهو التحير والتردد أي يتحيرون ويترددون.
قوله: (ولولا هذا لوجب أن يكون قوله يعمهون جواباً ليدمهم فيكون مجزوماً /458/ والرفع دليل الاستئناف).
أقول: هذا كلام ما كان ينبغي أن يصدر عن مميز فضلاً عن مصنف إن الجزم لامعنى له نهياً ولاموجب على أي تفسير وعلى كل مذهب في المد فإن للجزم شروطاً ليست هنا يعرفها من له أدنى مسكة بالعربية وإنما يعمهون جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير نمدهم أو من ضمير طغيانهم لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل وهو مرفوع اللفظ لتجرده عن الناصب والجازم ومثل هذا لايجهله عالم.
قوله: (لم يستعمل المرض بمعنى الشك في اللغة).
يعني حقيقة فإنما حقيقته الألم.
قوله: (والمريض شاكاً). يقال: هذا لايجب لأنا وإ، جعلنا من معاني المرض الشك فليس يلزم أن نجعل من معاني الشك المرض.
قولهك (وفي الغم مجازاً) وكذا في غير الغم من أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي والعزم عليها واستشعار الهوى والجبن اولضعف وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض، ذكره جار الله قال: والمرادب قوله: {في قلوبهم مرض} ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر أو من الغل والحسد والبغضاء وزيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أ،زل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم فكأن الله الذي زادهم ما ازدادوه إسناداً للفعل إلى المسبب له.
قوله: (والفاء كما يرد) إلى آخره.

كلام لا بأس به لكن المفهوم من سياق الآية المعنى الأول يعرف ذلك بالذوق فإن المداد بالقرناء أخدانهم من الشياطين فلا يتصور أن يقبضوا لهم لعكس تزيين معاصيهم إذ ليسوا مظنة لعكس تزيين المعاصي ولايمكن من طلبهم من الكافر ذلك ولا أن يكون المراد مجرد الإخبار وإلا فما الغرض من ذكر تقييض القرناء.
قال الجوهري: يقال قيض الله فلاناً لفلان أي جاءه به وأتاحه له ومنه قوله سبحانه: {وقيضنا لهم قرناء}.
قوله: (والمعنى سنهلكهم).
قال جار الله: الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة والمعنى سنستدرجهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لايعلمون ما يراد بهم وهذا التفسير هو وجه تمسكهم بههذ الآية فإن ظاهره يطابق مذهبهم لكنهم بنوه على الحقيقة والظاهر منه. والزمخشري بناه على المجاز وهو أن الاستدراج أريد به أن واتر الله عليهم نعمه مع انهماكهم في الغي فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن مواترة النعم أثرة من الله وتقريب وإنما هو خذلان منه وتبعيد فهذا استدراج الله نعوذ بالله منه.
قوله: (يقال درج فلان صبياً).
أي هلك ودرج الناس قرناً بعد قرن. وقال الجوهري: درج الرجل بمعنى مضى لسبيله ودرج بنو فلان أي انقرضوا وفي الكشاف: درج القوم بعضهم في إثر بعض.
قوله: (وقال الأعشى مهدداً).
أورده الزمخشري شاهداً على المعنى الذي ذكره وهو أنه بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة ليستدرجنك إلى آخره وهو أصح ودليله ما قبله وهو:
فلو كنت في جب ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السماء تسلم
فقوله: ليستدرجنك القول جمع فيه بين الاستصعاد من الجب والاستنزال من السماء. ورواية الكشاف للبيت الثاني:
ليستدرجنك القول حتى تهره ... ويعلم أني عنكم غير مفحم
وتهره بفتح الهاء وكسر الهاء من هره يهره بمعنى كرهه وليس بالزاي.

قولهك (من أن المراد ازدادوا عندها).
أي ازدادوا كفراً لن الرجس هنا الكفر. قال جار الله: المعنى فزادتهم كفراً مضموماً إلى كفرهم لأنهم كلما جددوا /459/ بتجديد الله الوحي كفراً ونفاقاً ازداد كفرهم واستحكم وتضاعف عقابهم.
وافق الفراغ من زبره بين صلاتي العصرين من يوم الأربعاس لتسع ليال خلون من شهر ربيع الآخر عام أربع وتسعين وثماني مائة هجرية.
وذلك على يد أفقر عباد الله إلى عفوه ورحمته المفتقر إلى كرم العفو الصمد عبد القادر بن محمد عفا الله عنه وسامحه بمنه وكرمه.
ويتلوه في الجزء الثاني القول في الاستطاعة، نسأل الله الإعانة على التمام، وأن يبلغنا في الصالحات قصارى السؤل والمرام والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الكرام.

السفر الثاني من كتاب المعراج إلى كشف أسرار المنهاج القاطع بأمواس الحجاج أمراس اللجاج الكافل لطالب علم الكلام بقضاء كل حاج
الجزء الثاني
تأليف الإمام عز الدين بن الحسن
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين والحمدلله وصلواته على سيدي محمد وآله وسلامه.
القول في الاستطاعة
اعلم أن هذا الباب موضعه علم اللطيف لأنه في ذكر معنى نوع من المعاني وهو القدرة وذكر بعض أحاكمها لكن لما كان الكلام فيه حسبما يذكره ينبني عليه صحة مذهب العدلية وفساد مذهب الجبرية ذكر في باب العدل من هذا الفن لأن من العدل أن الله تعالى ليس الفاعل لأفعال العباد ومنه أنه تعالى لايكلف ما لايطاق وذلك كله ينبني على أن القدرة متقدمة غير موجبة وأنها صالحة للضدين.
قوله: (بما يتوصل إليه بمشقة).
كان الأولى أن يقول: بما يتعلق من القدرة بالفعل الذي يلحق المشقة بإيجاده لأن هذا الوصف يفيد إعمال محل القدرة في الفعل وثبوت المشقة فيه.
فصل
قوله: (المقصود في هذا الباب) إلى آخره.
يقال: ظاهره حصر الغرض من هذا الباب على ما ذكره، والغرض المقصود في الحقيقة تقرير ما تقدم من كون أفعال العباد منهم لأن القول بإيجاب القدرة يقضي بأنها من الله تعالى إذ فاعل السبب فاعل المسبب ولهذا فإن عادة أكثر المصنفي أن يلحقوا هذه المسألة بمسألة خلق الأفعال ويجعلوها كالتتمة لها ولكن الذي ذكره المصنف يؤول إلى هذا.
قوله: (وخالفت المجبرة).
تحقيق خلافهم أن أكثرهم يذهبون إلى أنها توجب حال وجودها مطلقاً وهؤلاء هم القائلون بمقارنتها ومتأخروهم كالجويني والغزالي والرازي ذهبوا إلى أنها إنما توجب بشرط وجود الداعي فلا يوجبون مقارنتها إذ قد يتأخر الداعي عنها.

وقيل: بل يقولون بإيجابها عند الشهوة والغضب فإما أن لم يكن شيء من ذلك فلا يوجب، وإلى القول بإيجابها ذهبت الفلاسفة شاهداً وغائباً، والمختار عندهم كالموجب في اعتبار مقارنة الأثر للمؤثر وإيجابه لايفترقان إلا في الشعور لأن المختار يشعر بما يؤثر فيه دون الموجب.
قوله: (لأنه لاجهة لها بخلاف الاعتماد).
يشير إلى أن إيجاب الاعتماد لمسببه في غير محله كما إذا رميت بحجر فدفع حجر الآخر هو لكونه يختص بالجهة لأن الاعتماد لابد أن تكون في إحدى الجهات الست، ولهذا المعنى تقرير يتعلق باللطيف.
قوله: (وإما أن يكون إيجاب العلل).
قد قيل: إن المجبرة تجعل إيجابها كإيجاب العلل للصفات الصادرة عنها وشبهوه بذلك وبإيجاب الإرادة وتأثيرها فيو جوب الأفعال.
قوله: (والقدرة مشروطة بالبنية والحياة) إلى آخره.
يعني ومعلوم أن كثيراً من مقدورات القدر غير مشروطة بذلك كالأكوان والاعتمادات لكنه يقال: إنما وجب ما ذكر به لكون معلوله العلة يتوقف عليها وهي تتوقف على شرطها فيلزم توقف معلولها عليه والحاصل توقف وجود مقدور القدرة كالكون وغيره على البنية والحياة وذلك ملتزم بمعنى أنه لايحصل هذا الكون المعين الذي هو من مقدورات قدرة زيد مثلاً إلا مع كون زيد حياً مبنياً بنية مخصوصة وأما أنه يلزم ألا يوجد ذلك الكون إلا في محل مبنى بنية مخصوصة فغير لازم دائماً لزوم ذلك في العالمية لأنها صفة تجمل لجملة ولايكون حمله إلا مع الحياة والبنية مع أن العالمية تثبت للجملة كلها وليس كلها مبنياً بنية القلب التي هي شرط في العلم.
قوله: (ولولا هذا لصح حصول العلة مع استحالة المعلول).
فيه نظر لأن ذلك إنما يلزم من القول بأن للمعلول شرطاً غير شرط العلة لامن القول بأنه لايشترط فيه ما يشترط في العلة فهذا الكلام إنما يورد حجة على القول بأن المعلول لايقف على شرط منفصل ولكن المصنف وهم.
قوله: (فكان يلزم مثله في قدرة الباري).

90 / 158
ع
En
A+
A-