قوله: (والمعنى أن موسى) إلى آخره.
قال جار الله: قوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} دعاء عليهم بلفظ الأمر كقوله: {ربنا اطمس} واشدد وذلك لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضاً مكرراً وردد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً وحذرهم عذاب الله وانتقامه وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين ورآهم لايزيدون على عرض الآيات إلا كفراً وعلى الإنذار إلا استكباراً وعلى النصيحة إلا سوءاً ولم يبق له مطمع فيهم وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لايجيء منهم إلا الغي والضلال، وإن إيمانهم كالمحال الذي لايدخل /446/ تحت الصحة أو علم ذلك بوحي من الله اشتد غضبه عليهم وأفرط مقته لهم وكراهيته لحالهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لايكون غيره كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الكفرة، مع علمك أنه لايكون غير ذلك ولتشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة وأ،هم لايستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضلالاً وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما علي منهم هم أحق بذلك وأحق كما يقول الأب المشفق لولده الشاطر إذا لم يقبل منه حسرة على ما فاته من قبول نصيحته وحرداً عليه لا أن يريد خلاعته واتباعه هواه.
قوله: (إن الله جعل ذلك جزاء على كونه اتخذ إلاهه هواه).
يقال: ليس في الآية ما يدل على ما ذكرته من كون ذلك على سبيل المجازاة.
قوله: (والمعنى) إلى آخره.
قال جار الله: وتثبيتهم في الدنيا أنهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا عند تواقف الإشهاد عن معتقدهم ودينهم لم يتلعثموا ولم ..... ولم تحيرهم أحوال الخسر، وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر.
قوله: (لأجل القول الثابت).
هو خلاف الظاهر بل المراد أن تثبيتهم يكون بالقول الثابت ومعناه الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه ويمكن فيه فاعتقده واطمأنت إليه نفسه وليس المراد أن تثبيتهم بسبب القول الثابت فإن الفهم ..... الكلام لايقتضيه.
قوله: (ويهلك الظالمين).
حمل المصنف قوله: {ويضل الظالمين} على أن الإضلال فيه بمعنى الإهلاك وقال جار الله: المعنى بإضلالهم في الدنيا أنهم لايثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأ.ل وكلامه أولى للطباق.
قوله: (أ،ه جعل ذلك جزاء).
يقال: أما أنه جزاء على القول الثابت فلا ولادليل عليه ولاسبيل إليه، وأما على ألإيمان فلا يبعد أن يكون تثبيتهم لأجل إيمانهم وكذلك خذلان الظالمين وعدم تثبيتهم يكون لأجل ظلمهم.
قوله: (ولتتأكد الحجة على المصر).
يعني بأن يقال له يوم القيامة: {أو لم يعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قال جار الله: في هذه الآية وأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل لقطع معاذير الضال، أو في معنى الدعايات بمهلة الله وينفس في مدة حياته.
قوله: (كما قاله في آية أخرى) أراد {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا}.
قوله: (المراد ليس عليك ثوابهم).
في الكشاف: إن المعنى لايجب عليك أن تجعلهم مهتدين إلى الانتهاء عما نهوى عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك إلا أن ..... النواهي فحسب ولكن الله يهدي من يشاء يطلف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهي عنه وهذا هو اللائق بتفسير كلام الله تعالى.
قوله: (وعلى هذا يحمل قوله تعالى: {لأسقيناهم} إلى آخره.
يعني فإن المراد أن الجن لو استقاموا على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله تعالى ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه أولاده على الإسلام لأنعمنا عليهم ولوسعنا رزقهم وذكر الماء الغدق وهو الكثير لأنه أصل المعاش وسعة الرزق لنفتنهم فيه أي لنختبرهم كيف يشكرون ما حولوا منه، واعلم أن المعنى في قوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم} الآية: قل يا محمد ما أدري لعل تأخير الموعد بغلبة المسلمين امتحان لكم لننظر كيف تعملون أو يمتنع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة عليكم وليقع الموعد في وقت /447/ هو فيه حكمة.
قوله: (فإن الكافر المرتاب يقول: ولم كانت تسعة عشر. قال في السيرة النبوية: قال أبو جهل يوماً وهو يهزأ برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش يزعم محمد إنما جنود الله الذين يعذبونكم تسعة عشر وأنتم الناس عدداً وكثرة أفيعجز كل رجل منكم عن رجل منهم فأ،زل تعالى: {وما جعلنا أصحاب النار} الآية.
قوله: (من أن التقدير من يرد الله عذابه) إلى آخره.
قال جار الله: أي تركه مفتوناً وخذلانه فلن يملك له من الله شيئاً فلن يستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أنها لاتنفع فيهم ولاتنجع.
قال الإمام يحيى: ويجوز أن يكون المراد أن الله تعالى ما أراد أن يطهر قلوبهم عن اعتقاد الكفر والشرك على جهة القسر والإلجاء بل وكل ذلك إلى اختيارهم لئلا يبطل التكليف مع الإلجاء.
قوله: (والجواب أنه دعاء فعبدنا به).
قال جار الله في معناه: لاتبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا بعد إذ هديتنا وأرشدنا لدينك ولاتمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا.
قوله: (قد ورد بمعنى العذاب في قوله: {فلما زاغوا}) إلى آخره.
فيه نظر لن القوي أن المراد فلما زاغوا عن الحق أزاغ الله قلوبهم بأن منعهم ألطافه ولو كان بمعنى العذاب لم يكن لذكر القلوب فائدة وليس كونه جزاء على زيغهم يستلزم أنه بمعنى العذاب لأن الخذلان أيضاً مسبب عن المعصية والإصرار فإذن القوي ما رجع إليه المصنف آخراً.
قوله: (فبين أن غرضه أن يقولوا ما هو كفر).
إنما كان كفراً لأن معناه أنه قرأها وتعلمها وليست وحياً ولا كلاماً لله.
قوله: (وهو التذكرة والتكرار).
صوابه: وهو تكرار الآيات لتذكيرهم وإيقاظهم عن سنة غفلتهم.
قوله: (ولو كان كما قالوه).
يعني من أن المراد يصرف الآيات ليكفروا.
قوله: ( والمعنى لئلا يقولوا).
هذا ذكره أبو علي الفارسي وقال: من قرأ درست فالمعنى في ليقولوا كراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا درست أي فصلت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا أنها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وأما من قرأ ادارست أو درست فاللام للصيرورة فدرست قراءة ابن عامر بفتح السين وسكون التاء ودارست قراءة ابن كثير وأبي عمرو ودرست بسكون السين وفتح التاء قراءة باقي السبعة.
قوله: (قالت الخنساء: فآليت آسى على هالك).
يعني فالمعنى لا آسى أي لا أحزن ويدل على ذلك أنه لولا تقدير لا لم يجز تلقي القسم بآسى بل كان يجب دخول اللام ونون التوكيد فيكون لآسين ولأسألن نائحة مالها، وكذلك قول الطائي: لقد آليت أغدر. فلولا تقدير لا لكان يجب أن يقول لأغدرن، والجذاع السنة الشديدة، والرباع صغار الإبل، ومعنى يجزا: يكتفي.
قوله: (ويجوز أن يكون لام العاقبة).
ويسمى أيضاً لام الصيرورة وهذا ذكره ابن عطية وأبو البقاء قالوا: وهي كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواْ}. وقال الزمخشري: هي لام العلة مجازاً وذلك لأن الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبين شبه به فسيق مساقه.
قوله: (التهديد الوارد في صورة الأمر).
هذا الوجه يؤكده قراءة سادة بتسكين اللام في: {فليقولوا} فيكون حينئذ لام الأمر والفعل مجزوم بها ويكون معناه الوعيد وعدم الاكتراث بهم وهذا القول نسبه في المجيد إلى الشيخ أمير الدين أبي حيان.
قوله: (كقوله: {وليوفوا نذورهم}).
ليس المراد أن هذا مثال للتهديد بل للأمر الذي يرد التهديد بصيغته أراد أن يبين أنه يرد بتسكين اللام بعد واو العطف.
قوله: (فالظاهر يقتضي أن الإغواء آلة لإبليس في الإضلال).
يعني لأن /448/ هذه الباء مثل الباء في قولهم: كتبت بالقلم ومسحت بالمنديل. اقل جار الله: ألباء للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن والمعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم ومعنى إغوائه إياه تسبيبه لغيه بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام فأفضى ذلك إلى غيه وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك والله بريء من غيه وإرادته والرضاء به.
قوله: (والمعنى ولاينفعكم نصحي) إلى آخره.
قال جار الله: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمى ذلك إغواء وإضلالاً كما إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به سمي إرشاداً وهداية، وقيل: أن يغويكم أن يهلككم من غوي الفصيل غوي إذا .... فهلك ومعناه أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لاتنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه كيف ينفعكم نصحي.
قوله: (لأن العلية لاتصح إلا من الحي القادر).
يعني لأن عليت علينا بمعنى ملكتنا.
قوله: (شقي شقاوة وشقاء). وكذلك شقوة وتفتح السين في شقاوة وشقوة وتكسر.
قوله: (والمعنى زينا لكل أمة عملهم الذي كلفوهم).
هذا تأويل على خلاف الظاهر وأجود منه ما ذكره جار الله من أن المعنى خليناهم وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم وأمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زيناه في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا.
قوله: (وهو باطل لأن ما قد مضى لايحتاج إلى تزيين).
يقال: هو وإن لم يحتج إليه في وجوده فالتزيين فيه متصور فلا مانع من أن يزين لعامل عملاً صدر منه ويحسنه في عينه ويحكم عليه بأنه مصيب فيه.
تنبيه
هذه المسألة مما يحكم عليه الأصحاب بأن العلم به من فروض الأعيان لتوقف مسألة العدل على هذه المسألة والمراد العلم بأن الله لم يضل عباده عن الدين، وأن الله قد دل كل مكلف وبين له لا غير ذلك.
القول في أن الله تعالى يريد الطاعات ولايريد القبائح
اعلم أن عادة المصنفين في علم الكلام تختلف في ذكر إرادة الله وكراهته وما يريده وما يكرهه فمنهم من يذكر جميع ذلك في باب التوحيد نظراً إلى أن كونه تعالى مريداً وكارهاً من صفاته الثابتة له وأحواله التي تستحقها ذاته وذكر ما يريده وما يكرهه من فروع ذلك ولواحقه ومنهم من يذكر جميعه في باب العدل نظراً إلى أن من مقتضى العدل والحكمة أن يريد الطاعات ويكره المعاصي، وأن خلاف ذلك ينافي الحكمة ويخالف مقتضاها وعلل السيد ما نكديم ذكره للإرادة والكراهة في باب العدل بأنه كلام في أفعاله تعالى وهما منها واعترض بأنه يلزم أن يعد جميع أفعال الله فيه لأن الحكم في جميعها ما ذكر.
قيل: فالألى في توجيه ما اختاره أن العدل أكثر مسائله أنه تعالى لايخل بالواجبات وأنه تعالى منعم بالتكليف وجميع النعم منه تعالى وأن القرآ، صدق في جميع أخباره وأنه بيان ولطف وأمر ونهي ولن يتم شيء من ذلك إلا مع إثبات كونه مريداً وكارهاً والمصنف رحمه الله اقتضى نظره المحرر وتأمله المنور أن يذكر كل نوع من أنواع هذه المسألة في بابه ويرده إلى نصابه فذكر ما يتعلق بباب التوحيد فيه وهو إثبات هاتين الصفتين له تعالى وبيان كيفية استحقاقهما وما يتعلق بذلك وجعله بعد ذكر الصفات الواجبة وكيفية استحقاقها لأن الواجب آكد من الجائز، وذكر ما يتعلق باب العدل فيه، وهو أنه يريد الطاعات ويكره القبائح فكان كلامه أوفق وأحسن وتعليله أوضح وأبين والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (ذهب أهل الجبر) إلى آخره.
كان الأليق أن يقدم ذكر مذهب أهل /449/ العدل مفصلاً لأنه مذهبه ثم يذكر مذهب المخالف من بعد وكأ،ه اكتفى بترجمة المسألة وما أحسن ما حكاه الإمام يحيى عليه السلام من الاختلاف في هذه المسألة بقوله: ذهب القائلون بالعدل من الزيدية والمعتزلة إلى أن الله تعالى مريد لجميع أفعاله ما خلا الإرادة والكراهة وأنه تعالى مريد لجميع الطاعات من أفعالنا ما حدث منها وما لم يحدث وأنه تعالى كاره لجميع المعاصي ما حدث منها وما لم يحدث.
وذهب سائر فرق المجبرة من الأشعرية والكلابية والنجارية إلى أنه تعالى مريد لجميع ما حدث من الكائنات طاعة كان أو معصية وأنه لاكائن في عالمنا إلا وهو متعلق بإرادته ومالم يحدث منها فإنه تعالى لايريده طاعة كان أو معصية.
قوله: (ويكره ما لا يقع).
يعني لايريده لأن المرجع بالكراهة عندهم إلى عدم الإرادة ولايجعلون للكاره بكونه كارهاً حالاً.
قوله: (فدليله أنه أمر بها).
لاخلاف في هذا الأصل والقرآن والسنة مصرحان به غير مرة والخصم يسلمه والمسلمون متفقون عليه.
قوله: (والأم لايكون أمراً إلا بالإرادة).
وذلك لأن صيغة افعل قد تقع أمراً مرة وقد تقع غير أمر بأن تصدر من ساه أو نائم فلا بد من أمر لمكانه كان أمراً فإما أن يكون أمراً لذاته إلى سائر التقسيم الذي تقدم ما يرشد إليه وجميع باطل إلا كونه أمراً لإرادة المأمور به وأيضاً فلا ينفصل الأمر عن التهديد إلا بإرادة المأمور وأيضاً فهو طلب والطلب لابد له من مطلوب فيلزم أن تكون إرادة المأمور من معقول الأمر فيجب أن يكون المأمور به مراداً.
قوله: (لأن كراهة الحسن قبيحة).
كان الأولى أن يقول: لأن كراهة الواجب ونحوه أو الطاعات وأما أن كراهة المباح والمكروه قبيحة فغير واضح ولا راجح.
قوله: (ولأن الكراهة إنما تعرف بالنهي).
يعني في حقه تعالى لأن ذاته لاتعلم ضرورة فلا تعلم كراهته إلا بدليل يدل عليها ولادليل يتصور إلا نهيه سبحانه وتعالى عما كرهه وفيه نظر لن ظاهره الإطلاق وقصر معرفة الكراهة على النهي وليس كذلك فإ،ها تعرف في الشاهد ضرورة من شاهد حاله ويعرف في حقه تعالى بغير النهي كأن يخبرنا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يكره أمراً من الأمور.
قوله: (وضعفه أهل اللغة بأنه مطيع).
شاهده قول بعض أعمام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد ضرب بعقبه الأرض فنبع الماء إن ربك ليطيعك. فقال: وأنت يا عم لو أطعت الله لأطاعك، وليس الله بمأمور وقول سويد بن أبي كاهل:
رب من أنضجت غيظ صدره ... قد تمنى لي موتاً لم يطع
قوله: (غير مسلم).
وذلك لأن العبد يوصف بكونه مطيعاً لسيده وإن لم يكن من جهته أمراً حيف عل مراده، ولما تقدم قوله: (ثم أمر به على لسان رسوله) أي أتى بما صورته صورة الأمر وإلا فليس بأمر على الحقيقة لأن من شرطه الإرادة وقد فرضه كارهاً.
قوله: (على طريق الإيجاب) دليل ذلك أنه متى حصلت الإرادة واقترنت بحدوث الصيغة وجب كونه أمراً ولم يجز بوجه أن يكون غير أمر، وهذا مذهب الجمهور. وقيل: بل تأثيرها على سبيل الجواز والأول أوضح وأرجح.
قوله: (والنهي إنما يكون نهياً بالكراهة) إلى آخره.
تقريره على نحو ما مضى في الأمر إلا في الوجه الثالث وهو قولنا أن الأمر طلب إلى آخره.
قوله: (وأما السمع) إلى آخره.
أما الإستدلال به على أن اله تعالى يريد الطاعات فلا كلام فيه فإنه صحيح على لاقواعد إذ لايتوقف العلم بصحة السمع عليه وأما الاستدلال به على أنه تعالى لايريد القبائح فمن كان رأيه أنه لايصح الاستدلال بالسمع على أنه تعالى لايفعل القبيح مجملاً ومفصلاً كالقاضي وتابعيه فإنما يستدل بالسمع ذلك من قبيل التقوية والاستظهار.
قوله: (فنحو قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر}) إلى آخره.
دلالة هذه الآية على ما ذكره غير واضحة والظاهر أن المراد بها نفي كثير الحرج والمشقة في الدين والأمر بالحنيفية السمحة، ومن جملتها الترخيص بترك الصوم في المرض /450/ والسفر، وقد أشار إلى ذلك جار الله.
قوله: (والغرض والإرادة واحد بلا خلاف).
يعني في الغلب وإن كان لفظ الغرض قد يطلق على الداعي.
قوله: (وهذه لام الغرض بلا شبهة).
لايقال: إن إرادة العبادة لايكون حال خلقهم وإنما يكون حال تكليفهم على قواعدكم فإنا نقول المعنى: {ما خلقت الجن والإنس} الذين سبق في علمي وحكمتي تبقيتهم وتكليفهم إلا وأنا مريد أن أبقيهم ثم أكلهم لتقع منهم العبادة والله سبحانه أعلم.
قوله: (وقوله: {يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}).
أي يريدون حطام الدنيا وسمي عرضاً لنه حدث قليل اللبث والله يريد ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل والحجة في هذا الطرف والآية نزلت في شأن أخذ الفدا من أسارى بدر، وعتاب الله للمؤمنين على ذلك.
قوله: (في حكاية الآيات: {ولقد يسرنا القرآن للذكر}).
أي سهلناه ليحفظ من يسرنا فيه للسفر إذا رحلها فاللام فيه للغرض والله أعلم.
قوله: (ومن قوى ما يعتمده) إلى آخره.
هذه الآية الكريمة من أقوى ما يعتمده الأصحاب في هذه المسألة وأوضحه دلالة وقد بين المصنف وجه الإستدلال بها من الوجوه الخمسة المذكورة.
قوله: (ثم أكذبهم) إلى آخره.
هذا بناء على قراءة التخفيف في كل كذب، والوجه في دلالتها ظاهر والمشهور القراءة بالتشديد والمعنى أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لن الله عز وعلا ركب في العقول فأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وأراد بها والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإراته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره هكذا قرره جار الله.
قوله: (وأما استدلالهم على تأويلهم هذا) إلى آخره.
الحجة لهم في قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وجوابها من وجهين: أحدهما أنه تعالى لما رد عليهم قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} أراد أن ينبههم على أن مشيئته للتوحيد منهم مشيئة اختيار لا إجبار إذ لو شاء مشيئة الإجبار لهداهم جميعاً إذ الكل منهم تحت قدرته يصرفهم كيف يشاء. ثانيهما: أنه أراد فلله الحجة البالغة عليكم على وفق مذهبكم فلو شاء لهداكم أجمعين منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله تعالى يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوهم ولاتعادوهم وتوافقوهم ولاتخالفوهم لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وما هم عليه هكذا قرره جار الله.
قوله: (ومعلوم أن الرضا والمحبة والإرادة واحد) إلى آخره.
فيه نظر إلا أن يريد أن الرضى والمحبة من جنس الإرادة وإن كانتا لنوعين مخصوصين منها فالرضا اسم للإرادة المتقدمة المتعلقة بفعل لغير بشرط وقوع ذلك الفعل، والمحبة اسم للإرادة التي تطابق الداعي فلو خلق الله فينا إرادة لما لا داعي لنا إليه كدخول النار لسميت إرادة ولم تسم محبة.
قوله: (فمعناه أحب الاستمتاع بها).
هكذا أجاب الشيخ أبو علي، وأجاب الشيخ أبي هاشم بأن المحبة هنا متجوز بها عن الشهوة وإليه أشار المصنف بقوله: (أو بمعنى العشق) لأنه الشهوة المتعلقة بالصور والألوان.
قوله: (وليس إذاً تجوز) إلى آخره.
احتراز عن سؤال يرد حاصله أن الإرادة والمحبة إذا كانتا بمعنى واحد لزم أن تستعمل إحداهما حيث تستعمل الآخر حقيقة كان أو مجازاً فأجاب بمنع لزوم ذلك ومن شواهده الغائط والمكان المطمئن فإنهما في اللغة بمعنى واحد ثم استعمل الغائط في قضاء الحاجة دون المكان المطمئن.