يعني كما ورد في قراءة بعضهم {سَقط في أيديهم} قال الزجاج معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم، وأما ولما سقط بصيغة المجهلو فالمعنى لما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل لأن من شأن من اشتدت ندامته أن يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه قد وقع فيها وهو من باب الكناية، وكذلك فإن ألقي الشجرة يصح أن يستند مثله إلى الفاعل الحقيقي بأن يكون الملقي غير الملقى فيسند الفعل إليه، ومعنى الآية الكريمة أن الشجر خروا سجداً كأنما ألقاهم ملقٍ لشدة /441/ خرورهم وعدم تمالكهم عندما رأوا.
قوله: (ونحو ذلك مما هو صحيح في حقه). يعني من معاني القضاء كالأمر بالطاعات منها وإيجاب بعضها.
قوله: (هذه سبيلها). يعني كونها تستعمل في معان بعضها يصح عليه تعالى وبعضها لايصح في حقه فإنه لايجوز إطلاقها عليه تعالى بإثبات ولانفي لأنا إن قلنا أن اللفظة المشتركة إذا خلت عن القرائن حملت على جميع معانيها فظاهر امتناع الإثبات والنفي وإن قلنا لاتحمل على معانيها كلها بل يتردد فيهم السامع بينها ويكون اللفظ مجملاً ففيه إيهام الخطأ وتعريض له وتعرض للتهمة.
القول في الهدى والضلال
قوله: (الهدى يستعمل) إلى آخره.
قيل: ألصحيح أن الهدى ليس بلفظة مشتركة وإنما هو حقيقة في الدلالة والبيان لتبادر الفهم إليها عند الإطلاق واستعماله في غيرها مجاز.
قوله: (نحو {سيهديهم ويصلح بالهم}) أي حالهم وشانهم.
قوله: (في قصة المقتولين بشبرا) إلى قوله: (والذين قاتلوا في سبيل الله) وقد روي: قتّلوا بالتشديد. قال قتادة: نزلت في يوم أحد.
قوله: (أي لو أنجانا لأنجيناكم).

هذا من كلام الذين استكبروا للضعفاء يوم القيامة. قال في الكشاف: وإنما قالوا هذا القول إما ..... الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله كما حكى الله عنهم. وقالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} الآية، {ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: {يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء}. وأما أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف ربنا بنا فاهتدينا لهديناكم للإيمان، وقيل معناه: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة.
قوله: (كقوله: ما زال يهدي قومه ويضلنا.. ألبيت).
يعني فإن معناه يحكم على قومه بالهدى ويسميهم مهتدين وعلينا بالضلال ويسمينا ضالين. وقوله: يضلنا في البيت مضارع أضلنا فالاستشهاد به مستقيم.
قوله: (فقد يكون لازمه).
أي لايقف فهم معناها على متعلق كقام وقعد.
قوله: (وقد تكون متعدية).
أي يقف فهمها على متعلق كضرب وشاهد، ما ذكره من ضل فلان الطريق والدار، وأما ضل عنهما فليس متعدياً وإنما هو لازم عدي بعن ففي كلامه نظر.
قوله: (وكقول الكميت)
هو شاهد على أن أفعل ترد بمعنى الحكم والتسمية وإ، لم يكن فيه لفظة أضل.
قوله: (كما يقال أحبنته وأنحلته).
شاهده قول عمرو بن معدي كرب يخاطب مجاشعاً: لله دركم يا بني سليم قاتلناكم فما أحبناكم وسألناكم فما أ،حلناكم وهاجيناكم فما أقحمناكم. أي ما وجدناكم على هذه الصفات الذميمة.
قوله: (وعليه حمل قوله تعالى: {وأضله الله على علم}).
ممن حمله على ذلك الإمام يحيى وأما جار الله فحمله على أن المعنى تركه عن الهداية واللطف وخذله على علم أي علماً بأن ذلك لايجدي عليه وأنه ممن لا لطف له أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقربة.
قوله: (كقوله تعالى: {يضل به كثيراً}).

يعني فإنه نسب الإضلال وأضافه إلى نفسه لفعله ما وقع الضلال عنده وهو ضرب المثل. قال جار الله: وإسناد وهداهم.
قوله: (وإ، جاز) إلى آخره.
هذا بناء على أن الضمير للقرآن وما ذكره الله .... أوضح وأرجح.
قوله: (وقوله: {ليضل عن سبيله} بالضم).
يعني على قراءة الضم فإن بعضهم قرأه بالفتح ولاحجة فيه، ويقال: ولاحجة في /442/ الضم أيضاً فإنما هو متعد إلى مفعول واحد مقدر أي ليضل الناس وأما سبيله فإنما يتعدى إليه بحرف فافهم، وكذلك قوله: {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا}.
فائدة
ذكر الإمام يحيى من معاني الضلال العقوبة كما قال تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر} ويشهد له قوله تعالى: {يوم يسحبون في النار } الآية، وهكذا قوله تعالى: {بل الذين لايؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد}، والهلاك والنفاد كقوله تعالى: {أئذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد} معناه هلكنا ونفدنا وتبددت أجزاءنا. والنسيان كقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}. والذهاب عن الشيء والغفلة عنه نحو: {ووجدك ضالاً فهدى} أي وجدك غافلاً عما أراد لك من الكرامة بالنبوة.
فصل
قوله: (ذهب أهل العدل إلى أن الله تعالى لم يضل عباده عن الدين).
في قول المصنف: أهل العدل. إشارة إلى أن الإضلال عن الدين ينافي العدل ولايجامعه فلهذا نفاه من قال بالعدل.
قوله: (وقالت المجبرة) إلى آخره.
قال الإمام يحيى عليه السلام: اعلم أن المجبرة على طبقاتهم ذهبوا إلى أن الله تعالى قد أضل أكثر الخلق عن الدين وصدهم عن منهاج الطريق المستبين وأ.لهم عن السبيل وليس عليهم وجه الدليل وتهالكوا في إظهار ذلك حتى قال قائل منهم: إن الله تعالى هو إبليس إبليس، ومصدر كل ضلالة وتلبيس، تعالى الله عن مقالتهم وشنيع جهالتهم.
قوله: (لاخلاف بيننا وبينهم) إلى آخره.

يعني لحصول الإجماع على أن الله تعالى لا يكلف ما لايعلم أما عند أهل العدل فلقبحه وأما عندهم فلأنه غير متصور فلا يصح استدعا حصوله.
قوله: (فلا يصح أن يجامع التكليف).
يقال: أما الإضلال الذي هو خلق الضلال فيحص مجامعته للبيان إذ ليس البيان يمانع من خلقه وأما التلبيس فنعم لايجامعه ولكنه يغر متعقل على مذهبهم لأنه تعالى إذا كانا فاعل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية فلا معنى للتلبيس ولاحكم له.
قوله: (ولهذا قال شعيب: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما نهاكم عنه}).
معنى الآية: ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي أ،هاكم عنها لأستبد بها دونكم.
قوله: (وقال: {هدى للناس}).
يعني فأخبر بأنه أ،زل القرآ، لهداية الناس لأنه تعالى قال: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآ، هدى للناس}.
قوله: (وقال: {فإما يأتينكم مني هدى}).
أراد تعالى برسول أبعثه إليكم وكتاب أ،زله عليكم يدل عليه قوله تعالى: {فمن اتبع هداي} وقال في مقابلته: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا}.
فإن قيل: لادلالة في الآية على حصول الهداية لأنه أتى في الآية بلفظ الشك.
قلنا: ليس المراد أن إتيان الهدى إليهم مشكوك فيه فإنه كائن لامحالة وإنما أتى بحرف الشك إيذاناً بأن الإيمان به وتوحيده لايشترط فيه بعثه الرسل وإنزال الكتب لتركبته فيهم العقول ونصبه للأدلة العقلية وتمكينه من النظر والاستدلال.
قوله: (وقال: {قد جاءكم بصائر من ربكم}).
ووجه التمسك بهذه الآية أن البصيرة نور القلب الذي يستبصر به كما أن البصر نور العين الذي به يبصر، والمعنى جاءكم من الوحي والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر.
قوله: (وقال: {وعلى الله قصد السبيل}).
وجه التمسك بها هنا أن المعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه كقوله: {إن علينا للهدى}.
قوله: (وقال: {أفمن يهدي إلى الحق}).

يعني بعد قوله تعالى: {هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق} فإنه تعالى أخبر بأنه يهدي إلى الحق وأنكر هداية الذين أثبتوهم شركاء له إلى الحق وقرر أن من يهدي إلى الحق وهو الله سبحانه أحق بالاتباع.
قوله: (وقال: {أو يقول لو أن الله هداني}).
يقال: هذه الآية حجة عليك لا لك لن الله تعالى أخبر عن نفس الكافر أنها تقول عند معاينة العذاب لو أن الله هداني لكنت من المتقين نفياً لحصول الهداية وتحسراً على عدمها فإذن هذه الآية مما ينبغي للخصوم أن يوردوها.
وجوابه: ما ذكره جار الله أنه لايخلو إما أن يريد به الهداية /443/ بالإلجاء وبالألطاف أو بالوحي فالإلجا خارج عن الحكمة ولم يكن من أهل الألطاف فيلطف بهم، وأما الوحي فقد كان ولكنه أعرض ولم يتبعه حتى يهتدي وإنما يقول: هذا تحيراً في أمره وتعللاً بما لايجدي عليه كما حكي عنهم التعليل بإغواء الرؤسا والشياطين ونحو ذلك ونحوه: {لو هدانا الله لهديناكم} وقوله تعالى: {بلى قد جاءتك آياتي} رد عليه منه تعالى والمعنى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قوله وآثرت الضلالة على الهدى، ومنه قوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} أي صار ضالاً.
قوله: (وأمثال هذا كثير). صوابه: كثيرة.
قوله: (فدليلها أنه تعالى أضاف الإضلال بالمعنى المختلف فيه إلى غيره).

يقال: ليس في إضافته له إلى غيره ما يدل على أنه لايفعله. وجوابه: أن الخصوم ذهبوا إلى أن الإضلال بالمعنى المختلف فيه صادر جميعه منه تعالى فإذا نسبه إلى غيره بطل ما ذهبوا إليه من أنه المتولي لذلك إلا أن قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} لاحجة فيه لأن المعنى أنهم اتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطين تقرأها على عهد ملك سليمان وفي زمانه ولا دلالة على أن الشياطين الذين حملوهم على ذلك وكذلك قوله: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} لا حجة فيه لأنهم يقولون أما من هداه فنعم لكنه يضل من لم يهده وفي سائر الآيات كفاية في الدلالة على المقصود.
فصل في شبههم
قوله: (وقد قدمنا أنه لايصح لهم الاستدلال بسمع قط).
يعني لتجويزهم القبيح عليه تعالى ومع ذلك فما يؤمنهم أنه تعالى لم يرد بخطائه معنى من المعاني المفهومة بل يتكلم به على جهة الهدر واللعب أو أراد به معنى ..... بعلمه في الأزل ولم يجعل لنا إلى العلم به سبيلا، أو يقال: أراد به معنى غير ما ذهبتم إليه.
قال الإمام يحيى: وكفى بهذا المذهب شناعة على قائله ومما يقال لهم هنا: قد دل الدليل العقلي على أنه تعالى لايجوز أن يضل عباده ولادليل لكم على الإضلال إلا هذه الآيات التي تمسكتم بها والأدلة العقلية لاتحتمل التأويل ولايجوز احتمالها للخطأ وإلا لزم من تجويز الخطأ فيها تطرق احتمال الخطأ إلى الكتاب والسنة لأنه لايمكن القطع بكون الكتاب والسنة حجة إلا بالعقل والقدح في الأصل يتضمن القدح في الفرع، وأما الآيات السمعية فيمكن تأويلها وحمل الكلام على المجاز.
قوله: (ليس فيه تصريح بمحل النزاع الذي هو خلق الإضلال) صوابه: خلق الضلال، ولعله من سهو القلم.
قوله: (والمعنى هنا يهلك من يشاء).

قال الإمام يحيى: المراد العقوبة يشهد له سياق الآية من قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}، ولو كان كما زعموا من خلق الكفر والضلال في الكافر لكان لامعنى لقوله تعالى: {إن الله عليم بما يصنعون}، فإنها وردت للناسي وتسلية رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن شدة ما يقاسي من عنادهم وإصرارهم فأخبر تعالى أنه عليم بما يصنعون وسيجازيهم على سوء فعلهم وصنيعهم وهذا لايصح مع كونه خالقاً للكفر وموجداً له فيهم.
وقال جار الله في تفسير قوله تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} في سورة المدثر ذلك إشارة إلى ما قيل من معنى الإضلال والدى أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين يعني يفعل فعلاً حسناً مثبتاً على الحكمة والصواب فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيماناً وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفراً وضلالاً.
قوله: (ويحتاج إلى حذف وإضمار).
لعل مراده أنا إذا حملناه على الإغواء كان التقدير: يضل من يشاء عن الدين. أي يغويهم، وإذا جعلناه بمعنى العذاب أو الحكم أو التسمية /444/ أو الإهلاك لم يحتج إلى ذلك، ومعنى يحتاج إلى حذف وإضمار أي إلى أن يقدر أن ثم حذفاً من الكلام وإضماراً لما يتم به المعنى.
قوله: (لأن الله لايضل بالقرآن).
هذا بناء على أن الضمير في به عائد إليه وقد تقدم ما ذكره جا رالله في تفسير هذه الآية وأن الضمير لضرب المثل.
قوله: (والمراد يعذب بالكفر به) إلى آخره.
وهكذا ذكر الإمام يحيى قال: ويحتمل الإضلال هنا معنى آخر وهو الصد والإغواء عن طريق الجنة بما يستوجبون لأجل الكفر به. والهداية الإرشاد إلى طريق الجنة بما استحقوه على تصديقهم وإيمانهم.
قوله: (والباء يرد في اللغة بهذا المعنى).
أي للسببية نحو أصبت الغرض بفلان، وبتوفيق الله حججت.

قوله: (أو جار مجراه).
يعني في كونه متفرعاً على كفرهم وتابعاً له كالحكم بذلك عليهم وتسميتهم به.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد أتريدون أن تنجوا من أهلك الله).
هكذا حمله عليه الإمام يحيى فالمراد به الإهلاك والعقبوة والمعنى أتريدون نجاة من هو عند الله هالك. قال: ويجوز أن يكون المراد أتريدون أن تجعلوا لهم الجنة وقد استوجبوا من الله النار، حمله جار الله على أن المعنى أتريدون أن تجعلوا من المهتدين من جعله الله من حملة الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل.
قوله: (وتوضيح هذا أنه فسر الإركاس بالضلال).
يعني على ما يقضي به سياق الآية من قوله تعالى: {فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله} ومفهوم كلامه أن الإركاس الإهلاك فإذا فسره بالإضلال كان هنا إهلاكهم وكان المعنى أتريدون أن تنجو ا من أهلك لكن الإركاس ليس معناه الإلهلاك وإنما الإركاس الرد ففسره جار الله بأن المعنى ردهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من .... ولحوقم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم لأنها نزلت في شأن قوم خرجوا مع رسول الله يوم أحد ثم رجعوا وقيل هم العربيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى رسول الله وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة.
قوله: (ولأن الجعل مشترك بين معان).
منها: الحكم والتسمية كقوله: جعلتني .... البيت. والإحداث والإنشاء كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، والتصيير كقوله تعالى: {وجعلناكم أزواجاً} {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} قال جار الله: في الجعل معنى التضمين ..... شيء من شيء أو تصيير شيء شيئاً أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك: {وجعل منها زوجها} {وجعل الظلمات والنور} لن الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من النار، {وجعلكم أزواجاً} {أجعل الآلهة إلهاً واحداً}.

وقد ذكر من معاني الجعل الطرح والإلقاء كقوله: {فنجعله في جهنم} واللطف كقوله: {واجعلنا مسلمين لك} وفيه نظر فإن هذين المثالين داخلان في معنى التصيير فالمعنى يصيره في جهنم وينقله إليها وصيرنا مسلمين بالطافك وهدايتك.
قوله: (وثانيها أن يكون التقدير) إلى آخره.
ذكر معنى هذا الإمام يحيى قال: ويكون المراد بالهدى هنا الإثابة وبالاضلال العقوبة ويصير معنى الآية: فمن يرد الله إثابته في الآخرة يقدم له شرح الصدر عند موته با، طيلعه على منزله في الجنة لأجل إسلامه ومن يرد عقوبته في الآخرة يقدم له عند موته ما يضيق به صدره بأن يطلعه على منزله في النار فيضيق صدره لأجل فسقه أو كفره.
قوله: (وثالثها أن يكون التقدير). إلى آخره.
هذا أيضاً حمل للهداية والإضلال على أنهما بمعنى الثواب والعقاب على وجه غير ذلك الوجه الأول ولم يذكر المصنف في هذا التقدير معنى {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً /445/ حرجاً} لكن هو مفهوم من ذكر معنى الهداية، وتقديره ومن يرد أن يعذبه يجعل صدره ضيقاً حرجاً في الآخرة بما يوصله غليه من العقاب، وحرر الإامم يحيى هذا الوجه الثالث على أن المراد فمن يرد الله إثابته في الآخرة يجعل له من ذلك جزاء وحظاً كاملاً فيشرح بذلك صدره ومن يرد أن يضله أي يعاقبه يجعل له من ذلك جزاء يضيق به صدره ويحرج منه قلبه.
قوله: (والرجس هو العذاب).
قال جار الله: هو الخذلان ومنع التوفيق وصفة تنقيص ما يوصف به التوفيق من الطيب أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس وهو العذاب من الإرتجاس وهو الاضطراب وحمل الآية على التقدير الأول الذي ذكره المصنف.
قوله: (فالظاهر أنه بعد وقوع الكفر).
يعني لقوله: {كذلك نجعل الرجس على الذين لايؤمنون}.
قوله: (والجاوب أن المراد فريقاً .... الضلالة).
أي كلمة الضلالة وعلم الله أنهم يضلون ولايهتدون.
قوله: (والمراد يهلك بها من يشاء).

وحمله جار الله على أن المعنى يصل بالمحنة الجاهلين غير التائبين في معرفته ويهدي العالمين به التائبين بالقول الثابت وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه لأن محبته كانت سبباً لأن ضلوا واهتدوا وكأنه أصلهم بها وهداهم.
قوله: (لأن لفظة هي عائدة إلى الرجفة).
جعلها في الكشاف عائدة إلى تكليمه تعالى لموسى وهم يسمعون فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً حتى افتتنوا وضلوا وجعلها الإمام يحيى عائدة إلى قصة بني إسرائيل في اتخاذهم للعجل من حلية السامري وإدخال الشبهة والإلباس.
قوله: (إذا طبخته في الكانون).
الكانون والكانونة الموقد ذكره في الصحاح.
قوله: (ثم استعمل في كل عذاب).
يعني وإن لم يكن بالنار كما في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} إن حملنا الآية على أن المراد بلوهم بالأذى على سبيل العموم وإن حملناها على أن المراد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود فمعنى فتنوهم عذبوهم بالنار، وتكون الآية شاهدة على الأصل في الاستعمال وقد جوز جار الله الوجهين كليهما.
قوله: (وقال: {والفتنة أشد من القتل}).
قال جار الله: المراد بها هنا الإخراج أو الشرك.
قوله: (ثم استعير للإغواء).
ظاهر كلامه أن استعمال الفتنة فيه مجاز وقد ذكر الإمام يحيى أنها تستعمل في الإهلاك بالعذاب وفي الاختيار والامتحان وفي الإضلال والتعمية وتلبيس الحق والاستدعاء إلى المعصية كقوله تعالى: {يا بني آدم لايفتننكم الشيطان} فظاهر كلامه أنها مشتركة في هذه المعاني لأنه قال: فإذا تقررت هذه القواعد من استعمال بعضها فيما يصح إطلاقه على الله تعالى وبعضها ينافي موضوع الحكمة وجب حمل ما في القرآن من الفتنة على ما يصح في حقه تعالى ويليق بحكمته دون ما لايليق وحمل الآية على أن المراد بالفتنة فيها الاختبار والامتحان والابتلاء.
قال: لأن إدخال الشبهة والإلباس يقرب من الامتحان والاختبار.

87 / 158
ع
En
A+
A-