القول في المتولدات
هي نوع من الأفعال وما تقدم شامل لها لكن اقتضى إفرادها بالكلام عليها ما اختصت به من الخلاف ومخالفة بعض العدلية فيها، وإن كان ما سنذكره من الخلاف غير مقصور على المتولدات وقد اقتضى ذكر المتولدات للخلاف الذي فيها ذكر حقيقة المتولد وما يقابله وما قرانه وذكر الأسباب وما يتصل بذلك ولهذا أورد المصنف من ذلك بنداً وهي كافية في المقام وقد نفى صالح فيه المتولد من أفعالنا.
وقال: الذي نسميه متولداً يفعله الله ابتداء وهو قول الجبرية.
وقال الرازي: لو كان دوران الهوى مع النقل وجوداً وعدماً دالاً على تولده عنه وجب أن يقتضي مثل ذلك تولد الفعل عن الداعي.
قوله: (وهما يرادفان السبب والمسبب في أغلب الأحوال).
أما المسبب فهو مرادف للمتولد مطلقاً، وأما السبب فيرادف المبتدأ في بعض الأحوال إذ من المبتدأ ما ليس بسبب كالإرادة ومن الأسباب ما ليس بمبتدأ.
قوله: (بحسب الخلاف بين الشيوخ).
يعني فعند المتقدمين أن المباشر هو الموجود بالقدرة في محلها مبتدأ وعلى هذا يكون كل مباشر مبتدأ وعند المتأخرين أنه الموجود بالقدرة في محلها على ما حققه به المصنف ولايشترطون فيه أن يكون مبتدأ كما شرطه المتقدمون وعلى هذا لايكون كل مباشر مبتدأ إذ في المباشر ما هو متولد كالعلم الحاصل عن النظر فإنه موجود بالقدرة في محلها وكذلك كثير من الأكوان والاعتمادات وعلى هذا يكون بين المباشر والمبتدأ عموم من وجه وخصوص من وجه، إذ في المبتدأ أيضاً ما ليس بمباشر وهو ما كان من أفعاله تعالى مبتدأ بغير واسطة، وإلى هذا أشار بقوله: ولا عكس.
قوله: (لأنها كلها مخترعة).
يعني المبتدأ والمتولد إذ لايفعل تعالى بقدرة ولا يعتبر في أفعاله محل القدرة ... وقيل: ثم أن المتولد من فعله تعالى لايسمى مخترعاً وإنما يختص اسم المخترع بالمبتدأ.
فصل والأسباب المولدة ثلاثة
قوله: (والمسببات هي ستة الاعتماد والكون والصوت والتأليف والألم والعلم).
فالعلم من أفعال القلوب وليس فيها متولد غيره وإ، كان قاضي القضاة قد ذهب إلى صحة توليد النظر للاعتقاد المطابق الذي ليس بعلم وما عداه من المتولدات من أفعال الجوارح.
قوله: (اعتماداً مثله وكوناً).
الاعتماد يولدهما مقترنين ولايصح أن يولد أحدهما دون الآخر.
قوله: (وصوتاً). الاعتماد يولده بشرط الصكة.
قوله: (والكون يولد الألم) يولده بشرط انتفاء الصحة.
قوله: (وما هو من جنسه). /427/
يعني اللذة وإنما يفترق هو وهي بحسب مقارنة الشهوة والنفار وكذلك يولد الكون التأليف بشرط المجاورة فإن كان في أحد المحلين رطوبة وفي الآخر يبوسة حصل مع التأليف صعوبة التفكيك وإلا فلا.
قوله: (فإنا لانفعلها إلا متولدة).
قيل: وعكسها العلم فإنه لايصح من الله إلا مبتدأ ذكره بعض المتأخرين المهدي وغيره، والصحيح خلافه لأنهم بنوا على أن الله تعالى لايفعل النظر لكون شرطه التجويز ولايصح عليه تعالى لكن يقال لهم: النظر من أجناس المقدورات والله تعالى قادر عليها كلها والتجويز ليس بشرط إلا في حق الناظر وهو من أمر الله النظر فيه.
فصل
وقد ذهب أبو علي إلى أن الله تعالى لايفعل بسبب وأنه لايصح منه الفعل على جهة التوليد وخالفه أبو هاشم فقال: يصح أن يكون في فعل الله تعالى المتولد عن سبب فيكون إيجاده إيجاد سببه.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني كإحراق النار بالاعتماد وهو ظاهر وقد قال تعالى في سير السفن: {وجرين بهم بريح طيبة} فنص على حصول الجري عن الريح ويعضده قوله تعالى في آية أخرى: {إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره}. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً}.
قوله: (لاختصاصه بجهة). يعني فالعلوي يختص بجهة العلو اللازم منه كالدخان والمجتلب، والصفي يختص بجهة السفل اللازم منه كالثقيل والمجتلب.
قوله: (شبهته أنه كان يلزم أن يكون لاله تعالى محتاجاً إلا السبب).
قال: لأن حاجة المسبب إلى سببه واجبة لازمة فيلزم إذا أراد الله إيجاد ذلك المسبب ألا يمكنه ذلك ويتأتى منه إلا بإيجاد سببه فيكون ذلك محالا لاستلزامه الحاجة عليه تعالى عند إرادة إيجاد المسبب.
قوله: (يصح منه مبتدأ).
يعني فلا يلزم احتياجه تعالى إلى السبب من أجل إيجاد مسببه لأنه قادر على ما لايتناهى من أمثال ذلك المسبب ابتداء من غير توليد.
قوله: (لأنه أمر يرجع إلى الفعل).
أي يوقفه في الوجود على ذلك السبب واستحالة إيجاده مبتدأ فهو إذن المحتاج إلى السبب لا الباري سبحانه وتعالى.
قوله: (كالحال في احتياج الغرض المعين إلى محل معين).
يكفي في معارضة ابي علي احتياج الفعل الذي لايصح وجوده إلا في محل إلى محل ما فكما أنه لايصح من الله تعالى إيجاده إلا في محل ولم يلزم أن يكون تعالى محتاجاً إلى المحل كذلك لايصح منه تعالى إيجاده إلا بإيجاد سببه ولايلزم أن يكون محتجاً إلى السب بل عدم الحاجة في هذا أوضح لصحة إيجاد أمثاله على وجه الابتداء كما تقدم.
ولايصح إيجاد أمثاله في غير محل وسواء قلنا بأن الغرض المعين يحتاج إلى محل معين أم لا فقد استقامت الحجة على أبي علي.
واعلم أن العلة في احتياج الغرض المعين إلى محل معين أن الحال في محل لايصح وجوده إلا فيه لأنه لو صح وجوده في محل آخر أو لا في محل لم يكن تخصيصه بهذا المحل إلا لوجه ولايمكن أن يخصصه به إلا الفاعل أو المعنى، أما الفاعل فلو أثر في ذلك لصح منه أن يوجده في أكثر من محل واحد حتى يوجده في محلين ومحال كثيرة بأن يريد ذلك، وقد عرفنا خلافه.
وأما المعنى فكان يلزم فيه مثل ما لزم في الأل من احتياجه في حلوله في هذا المحل إلى معنى ويتسلسل هذا ما ذكره أصحابنا، وفي كلامهم نظر وإطالة الكلام هنا لايليق بهذا المقام.
تنبيه
إذا صح منه تعالى إيجاد الفعل بواسطة سببه فإرادته له تكون عند إيجاد السبب. فإن قيل: يلزم أن تكون هذه الإرادة عزماً وقد قلتم لايصح العزم عليه.
قلنا: مقارنة السبب كمقارنة المسبب فهي في الحقيقة قصد لا عزم وقد جوز بعضهم أن تكون إرادته مقارنة له والأصح هو الأول.
فصل
كل شيء يتولد عن فعل العبد فهو فعله عند جمهور أصحابنا، كما أن المبتدأ فعله وإن اختلفا في أن أحدهما /428/ بواسطة وبغير واسطة.
قوله: (وقال الجاحظ).
تلخيص مذهبه أن الإرادة من فعل العبد فإنه لا فعل له سواها وجميع ما عداها من الأفعال المنسوبة إليه متولد لا من فعله بل بطبع المحل ولاتأثير للعبد فيه ولاتأثير لله تعالى أيضاً فيه.
قيل: والفكر عنده كالإرادة في أنه من فعلنا فهو يقول: ما عدا الإرادة والفكر.
قوله: (وبه قال النظام) إلى آخره.
تلخيص مذهبه: أن المباشر وهو ما وجد فيم حل القدرة بها سواء كان بواسطة أم لا من فعلنا، وما خرج عن محل القدرة وهو المتعدي فإنه فعل الله تعالى لكن لم يفعل ابتداء بل جعله طبعاً للمحل فهو فعله بواسطة ذلك الطبع وفسره بأن قال: طبع الحجر مثلاً صلاحيته للإندفاع، وقبوله الذهاب في الجهة إذا دفع فيها برمي أونحوه، وتلك الصلاحية لما أودعه الله فيه من الثقل وصلابة التأليف فالذهاب هو فعل الله بواسطة هذا الطبع الذي هو الصلاحية.
قال الحاكم في شرح العيون: وحكى أصحابنا أن النظام رجع عن هذه الأقاويل الشنيعة، وأما معمر فحكى المصنف عنه ما ذكره في الكتاب وحكى غيره عنه أنه يذهب إلى أنه لافعل للعبد سوى الإرادة ولافعل لله غير المتحيزات وما خلى عن ذلك فهو حاصل عن طبع الأجسام، وذهب صالح قبة إلى أن جمع ما خرج عن محل القدرة فلا تأثير للعبد فيه ولا لطبع المحل بل هو فعل الله تعالى، وإنما ينسب إلى العبد لوقوعه بواسطة فعله كالإحراق بالنار عقيب الإلقاء فيها مع كونه من الله اتفاقاً.
قوله: (وقال ثمامة) إلى آخره.
هكذا نقل عنه وبعضهم ذكر أن مذهبه إنما خرج عن محل القدرة حدث لامحدث له. قال الحاكم: وقد تأول مشائخنا قوله بأنه أراد به إذا فعل سبب المسبب خرج عن مقدوره إذ لايقدر على الامتناع منه ولو أراد هذا لكان صحيحاً والله أعلم بمقاصد القوم.
قوله: (وقال أهل الجبر جميع المتولدات مما ينفرد الله به).
فيه نظر لأن هذا مذهب الأشعرية منهم وأما النجارية وضرار وغيرهم فلا يقولون بذلك بل قالوا يوجدها الله والعبد يكتسبها كالمبتدأ، ولامراد ما كان من المتولدات من فعلنا.
قوله: (في الكمية والمطابقة).
يعني فيكثر بكثرة الأسباب التي يفعلها ويقل بقلتها، وتوجد المسببات مطابقة لها فإنا إذا فعلنا النظر ولد العلم لا غيره، وإذا فعلنا الاعتماد على شرطه ولد الصوت لاغيره ونحو ذلك.
قوله: (ويبطل قول من علقها بالطبع).
يعني سواء إن قال بأنه مؤثر كالجاحظ أو واسطة كالنظام.
قوله: (إلا أن يريدوا أنه السبب فيقع الخلاف في عبارة).
يعني يكون الخلاف لفظياً، ولاخطأ في مذهبهم إلا من جهة العبارة لن السبب فعلنا فيكون المتولد من فعلنا كما نقوله.
قوله: (وكذلك يلزم مثله في أصول النعم).
يعني فيجوز أن تكون حاصلة بالطبع وفي ذلك إخراج القديم عن استحقاق العبادة لأنها كلاشكر على النعم ولايستحقها إلا المنعم بأصول النعم، ويلزم النظام وأتباعه إضافة القبائح المتعديات إليه تعالى وبهذا يبطل ما ذهب إليه صالح قبة وأما ثمامة فيبطل ما ذكره أنه قد تقرر أن المحدث لابد له من محدث وأنه يلزمه تجويز أن يكون العالم حدثاً لامحدث له، وهذا يؤدي إلى الإلحاد.
قوله: (ولأنه كان يجب اختصاصها بما هي علة فيه).
يعني لأن العلة لاتوجب إلا بشرط الاختصاص.
قوله: (وذلك لايصح إلا بعد وجوده).
يقال: بل اختصاصها به ثابت في حال عدمه وهو نفس التعلق الحاصل بينها وبين هذا المراد دون غيره.
قوله: (غير محل المراد).
يعني في أغلب الأحوال وإلا فقد يكون محلها محله كالنظر والعلم إذا تعلقت بهما الإرادة.
قوله: (عند وجود العزم).
يعني لأن العلة تقارن /429/ معلولها والعزم لايكون عزماً إلا مع تقدمه.
قوله: (وكان لايصح النهي عن المراد بعد حصول الإرادة ولا أن يرجع المرء عما أراد).
يعني لأن العلة لاتقف في إيجابها على شرط سوى الاختصاص ولايصح انفكاك معلولها عنها ومعلوم أن المراد يتوقف وجوده على ألا يعارض الداعي صارف يقاومه أو يزيد عليه وإذا وقعت تلك المعراضة رجع المرء عما أراده تركه.
قوله: (لم تكن أحدهما بأن تكون سبباً) إلى آخره.
يقال: يلزمك مثل هذا في الكون والألم ونحوهما اولإرادة بكونها سبباً أولى لتوقف المراد عليها وتأخره عنها وهي متقدمة ولاتتوقف عليه.
وقد أجيب عن هذا بأنا نعلم السبب سبباً والمسبب مسبباً لكونه يصح وجود السبب في بعض الأحوال ولايوجد المسبب لمانع وعدم شرط، وفيه نظر لأن من جعل الإرادة موجبة عدها من الأسباب فيمكنهم الجواب بمثل هذا.
قوله: (ولأنه كان يجب إذا أراد أحدنا بالكتابة) إلى آخره.
يقال: إن الإرادة وإن كانت سبباً فالسبب قد يتوقف في إيجاب المسبب على شرط فيكون إيجاب الإرادة للكتابة ونحوها مشروطاًب العلم وذلك لايقدح في كونها سباً.
قوله: (إن يعرض عارض يمنع من وقوع المسبب).
يعني من عدم شرط أو وجود مانع. توضيحه: أن أحدنا قد يوجد السبب ويختار ألا يوجد المسبب كمن دفع جرماً بإحدى يديه ومنعه عن النفوذ بالأخرى.
قوله: (لأن العلل لاتقف في الإيجاب على شرط بخلاف الأسباب).
إنما وجب ذلك لأن العلة لو وقفت على شرط منفصل عن وجودها لأدى ذلك إلى فتح باب الجهالات فكنا نجوز أن في الجسم عللاً ولاطريق لنا إليها إذ الطريق إليها ليس إلا معلولها ولعله لم يحصل لتوقفه على شرط وذلك باطل بخلاف السبب فإنه إن لم يوجد مسببه فالطريق إليه الصفة التي يوجبها أو الحكم وهو لايقف في إيجابه لها على شرط لأنه علة فيهما فلا يلزم تجويز أسباب لاطريق إليها.
فصل وأما الكلام على المجبرة
قوله: (فغير لازم).
يعني لا يلزم من كون الفاعل فاعلاً أن يستعمل قدرته في الفعل حال حدوثه إذ الفاعل ليس إلا من وجد من جهته بعض ما كان قادراً عليه وهذا ملتزم فيما ذكرتم.
قوله: (ويصح أن يتوب من الإصابة قبل وقوعها).
هذا مذهب الأكثر أنه تصح التوبة من المتولد بعد وجود سببه وإ، لم يكن قد وجد. قال القاضي: وإذا صحت وجبت لأنها من الواجبات لامصنفة.
قوال عباد: لاتصح التوبة من المتولد إلا بعد وقوعه إذ هي بذل الجهد في تلافي ما وقع فأما مالم يقع فالواجب تركه لا التوبة منه. ورد بأن ما وجد سببه ووقع فإنه كلاواقع الموجود نم جهة فاعله لخورجه عن كونه مقدوراً عند وجود سببه على ما اختاره البصريون قالوا: ولهذا لايفتقر المسبب إلى بقاء قدرة فاعل السبب ولا إلى حياته.
وأما عباد فقد بنى على مذهبه من أنه لايزال مقدوراً حتى يوجد كالمبتدأ من غير فرق، ورد بأنه عند وجود سببه لايقف على قصد وداع بل قد صار واجب الوجود ولو كره فاعل السبب وجوده ومن حق المقدورات أن تقف على القصد والداعي وقد قال أبو هاشم بمثل مقالة عباد في مسبب القديم فقط، وذهب إلى أنه لايخرج عن كونه مقدوراً بعد إيجاد سببه، قال: لأن وقوفه على اختياره باق إذ ما من حالة إلا وهو يقدر بعضها على منع وجوده بإيجاد ضده بخلاف أحدنا فإنه قد لايقدر كالرمية بعد نفوذها، وظاهر كلام غيره الإطلاق لأن معنى خروجه عن كونه مقدوراً هو عدم احتياجه بعد وجود سببه إلى تأثير القدرة، وهذا حاصل في مسبب القديم تعالى.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه لاكلام في وجوب التوبة عن سبب المسبب القبيح بعد وجوده لقبحه ولو لم يقبح إلا لقبح مسببه.
وأما المسبب فالأولى أن يفصل القول فيه فاقل: إن علم الفاعل أو ظن وجوده ولم يمكنه منع وجوده بإيجاد أضداده ونحوها وجبت عليه التوبة تحرزاً من المضار المعلومة أو المظنونة، وسواء قلنا بأن الوجه فيو جوبها دفع المضار إن صح قول أبي هاشم أنه يستحق العقاب عليه حال وجود السبب أو منع استحقاق العقاب إن صح قول أبي علي أنه لايستحق العقاب عليه إلا حال وجوده، وإن أمكنه منع وجوده وجب ذلك عليه تحرزاً من المضار كما مر، ولم تجب عليه التوبة قطعاً إذ لايجتمع وجوب ترك الفعل ووجوب التوبة منه وإ، لم يعلم ولايظن وجوده لم يجب عليه منع وجوده ولا التوبة منه لأن الضرر غير معلوم ولامظنون فلا يجب التحرز عنه.
قوله: (فاستحقاق الذم) وكذلك استحقاق العقاب فإنه يلازم استحقاق الذم.
قوله: (قيل وهو أحد قولي أبي هاشم).
وقد قيل أيضاً وهو لاصحيح من قوليه الذي صححه هو.
قوله: (فسببه كبير).
هذا ما ذهب إليه أبو عليوهو وجوب مساواة عقاب السبب لعقاب المسبب وعنه رواية أخرى وهو أن عقاب السبب دون عقاب المسبب وهو الذي اختاره أبو هاشم لأنا نعلم بديهة كون قدر قبح الاعتماد المولد للأصوات التي تألف منها الكذب ليس كقدر قبح الكذب، فإن الكذب قبح لكونه كذباً والاعتماد قبح لكونه مولداً للكذب وهذان وجهان مختلفان فلا طريق إلى وجوب تساوي عقابيهما بل يجوز اختلافهما في عظم القبح لاختلاف وجهيهما ولأن قبح السبب تابع لقبح المسبب فيجب ألا يكون كمثله، فلا يقطع بكبر السبب كالاعتماد المولد للقتل، ولايحكم عليه حال الاعتماد بأنه فاسق. والله أعلم.
فصل فيما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه فاعلاً
قوله: (ومثله الباري).
قال جار الله رحمه الله: الخالق المقدر لما يوجده، والباري المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة، والمصور الممثل أي يميز ما بصورة بتفاوت الهيئات ولا أدري لِم لَم يعده المصنف من أنواع هذه الأسماء.
قوله: (وأجازوا حنان).
بالتخفيف بمعنى الرحمة كما قال تعالى: {وحناناً من لدنا}.
اعلم أن تقديره ووهبنا له حناناً أي رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفاً وشفقة أنشد سيبويه:
وقالت حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقيل: حناناً من الله عليه. قال جار الله: وحن في معنى ارتاح واشتاق ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله: حنان. كما قيل: رحيم. على سبيل الاستعارة وقد بان لك مما ذكر ضعف استشهاد المصنف بالآية، إذ لم ترد في وصف الله بهذه اللفظة مخففة وإنما هي في الآية مصدر ومفعول مطلق.
قوله: (معناه فاعل العدل والحكمة).
يقال: أما المحكم فمعناه فاعل الإحكام فهو مأخوذ من الإحكام لا من الحكمة.
قوله: (وأما الأسماء الجارية عليه تعالى من طريق الاشتقاق).
مفهومه أن ما تقدم ذكره من الأسماء غير مشتقة وليس كذلك ففي كلامه نظر ولا حجة إلى هذا الكلام الذي أتى به.
قوله: (عند من يجعله معنى).
هو أبو علي، وأبو القاسم، وأبو هاشم لكنه توقف آخراً وقوى نفيه، وذهب الجمهور أن المرجع به إلى عدم الحياة وزوالها والمراد بالمميت عندهم ما ذكره المصنف وهو أنه فاعل سببه أي سبب زوال الحياة من تفريق البنية ونحوه.
قوله: (ومنها المقدر) إلى آخره.
يعني فالمقدر فاعل القدرة والمقوي فاعل القوة، والمعلم فاعل العلم، والدال فاعل الدلالة.
قوله: (والمعلم هو غير مضعف).
ولاكلام في جواز إجرائه عليه تعالى، وأما المعلم بالتشديد فأجازه أبو علي من التعليم وهو فعل العلم في غيره كالمحرك والمسكن وقد نطق القرآ، بوصفه بالتعليم نحو: {ويعلمك الله} /431/ {علم الإنسان ما لم يعلم}، {خلق الإنسان علمه البيان}.
وقال أبو هاشم: لايجوز إطلاقه عليه وإ، صح معناه لغة إذ هو في العرف لحرفة مخصوصة كتعليم الصبيان ونحوه واختاره القاضي وقواه.
قوله: (والدليل عند من يجيز إطلاقه).
الذي أجاز إطلاقها أبو علي والقاضي بمعنى أنه خالق الدليل وفاعله وإن كان مجازاً من قبيل تسمية الفاعل بفعله. وقال أبو هاشم: لايجوز أن يوصف بذلك لأن الدليل في العرف ما يصح أن ينظر فيه ويستدل به وذلك يستحيل عليه تعالى فلا يوصف به وأورد عليه وروده في السمع لأن في بعض الأدعية المأثورة: يا دليل المتحيرين. لكن هذا لايقتضي صحة إطلاق الإسم عليه بل يقر حيث ورد لكونه مجازاً، وقد ذكر ابن الحاجب أن الدليل في اللغة الناصب والمرشد وما به الإرشاد، وحينئذ يصح وصفه به إذا لم يكن فيه إيهام الخطأ كما في سائر الألفاظ المشتركة.
قوله: (فمجاز ومعناه المنور).
قال جار الله: المعنى ذو نور السموات وصاحب نور الأرض ونور السموات والأرض للحق شبهه بالنور في ظهوره .
قوله: (الهادي والمرشد ونحوها).
يعني كالمتين وما أفاد هذا المعنى.