قال جار الله: وقيل العجل الطين بلغة حمير. قال شاعرهم: والنحل البيت. قال والله أعلم بصحته: وصدر البيت: ولانبع في الصخرة الصماء منبته. والنبع: شجر.
قوله: (ومنه قوله تعالى: {من حمأ مسنون}).
يعني أنه موافق لتأويل العجل بالطين فإن الحمأ أيضاً هو الطين الأسود المتغير وأما مسنون فقيل معناه مصور من صورة الوجه. وقيل: مفرغ مصبوب وقيل: منتن.
قوله: (إذا أرادوا المبالغة) إلى آخره.
قال صاحب المجيد: قوله من عجل مبالغة كقوله عليه السلام: (( ما أنا من دد ولا دد مني )) . وكقوله:
وإنا لمما يضرب الكبش ضرابه ... على رأسه يلقى اللسان من الفم
فجعلهم من الضرب.
قوله: (قال: {وخلق الإنسان عجولا}).
يعني قال الله تعالى والآية الكريمة: {وكان الإنسان عجولا}.
قوله: (ويدل على هذا قوله من بعد: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون}).
يعني فإنه لما أراد نهيهم عن الاستعجال وزجرهم قدم أولاً ذم الإنسان على فرط العجلة وأنه مطبوع عليها.
قال جار الله رحمه الله تعالى: فإن قلت لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله: {خلق الإنسان من عجل}، {وكان الإنسان عجولا} أليس هذا من تكليف ما لايطاق.
قلت: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يعملها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة. وعن ابن عباس أنه أراد بالإنسان آدم أنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم وروي أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفه أشهى الطعام وقيل خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس فأسرع في خلقه قبل مغيبها وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحارث قال: والظاهر أن المراد الجنس.
قوله: (لأجل الفشل والتنازع).
الفشل عبارة عن الجبن وضعف الرأي وذلك إشارة إلى ما وقع من بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم أحد فإنه لما وصل شعب أحد لقتال المشركين جعل خيل أحد خلف ظهره مستقبلاً للمدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا ولاينزلوا عن مكانهم كانت الدائرة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل الكفار رشقت الرماة قبلهم وضربهم الباقون /422/ بسيوفهم فانهزموا، وحينئذ وقع التنازع بين الرتبة المذكورين فمن قائل قد انهزم المشركون فما مقامنا هنا، ومن قائل: لانخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما نفر الأكثر منهم لينهبوا ويأخذوا من الغنيمة كر المشركون على الثابتين وهم عبدالله بن جبير في طائفة لاتبلغ العشرة فقتل عبدالله وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح دبوراً وكانت صبا فهزموا المسلمين فقتلوا من قتلوا.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالصرف الأصباب المقتضية للهرب).
هذا هو الأقوى ومن أبلغ الأسباب أن حالت الريح دبوراً وكانت صبا حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو معنى قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم} ذكره جار الله.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالصرف إباحة الهرب).
في هذا الوجه بعد وهو مما ينبو عنه الفهم.
قوله: (والابتلاء لايكون بالمعاصي).
يعني بل يكن بما يفعله الله من صنوف المحن لمتحن صبر من أصابته على المصائب وثباته على الإيمان عندها.
قوله: (والمراد خلق لنا ماننتفع به).
قال جار الله: معنى لكم: لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم أما الانتفاع الدنيوية فظاهر وأما الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم وما فيه من التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الأنس واللذة ومن فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأجناس والسموم والغموم والمخاوف.
قوله حاكياً عنهم: (فبين أن الإسلام من جهته).
قالوا: وكل من قال بأن الإسلام من جهته قال بذلك في سائر الأفعال.
قوله: (لاستحالة طلب الحاصل).
لهذا حمله جار الله على أن المراد زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {وقهم السيئات}).
تمسكوا بها بناء على أن السيئات هي المعاصي وطلبهم لأن نفيهم الله تعالى إياها دليل على أنه الذي يفعلها ولو صح أنها المعاصي هنا فلا دلالة فيه على مذهبهم ويكون المعنى أعصمهم عنها والطف بهم في تركها.
قال جار الله: ألسيئات العقوبات أو جزاء السيئات، فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة، ثم قال: فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لايخلق الميعاد.
قلت: هذا بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب.
قوله: (لأن الإفراغ لايعقل في الصبر).
يعني لأن معناه لغة الصب والإراقة لنحو الماء والدم من المائعات.
قوله: (والثبات أيضاً في الإقدام ليس على ظاهره).
قال جار الله: المعنى وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحرب من قوة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب.
قوله: (على أنه سؤال) إلى آخره.
يعني فلا دلالة على أنه تعالى يفعل فينا الصبر والثبات لأنهم وإن سألوا ذلك منه تعالى فلا يدل على أنه يفعله لكنه يقال: إن هذا حكاه الله عنهم في معرض المدح لهم ولم ينكره عليهم ولو سألوا منه تعالى ما لايصح منه تعالى أن يفعله لم يورده في معرض الثناء عليهم فهذا وجه تعلقهم به.
قوله: (والفسقة والمجانين).
يعني الذين فسقوا بترك الصلاة وأما المجانين فهو لايتأتى منهم لتوقفه على قصد القربة وهي غير متأتية منهم.
قوله: (والمعنى الانقياد لما يحدثه ويفعله فيهم).
أي من أفعاله تعالى شاؤوا أو أبوا لايقدرون أن يمتنعوا عليه ولهذا قال في آخرها: {وظلالهم بالغدو والآصال} أي ينقاد أيضاً له حيث ينصرف على مشيئته تعالى في الامتداد والتقلص والفيء والزوال.
قوله: (ويهش).
يقال: هش له أي ارتاح وهو بفتح التاء والهاء، على وزن يفعل، بفتح العين وماضيه على وزن فعل.
قوله: (والمراد اشرح لي) إلى آخره.
قال جار الله /423/: لما أمر يعني أمر الله موسى لأن هذا حكاية منه تعالى لكلامه عليه السلام بالذهاب إلى فرعون الطاغي عرف أنه كلف أمراً عظيماً وخطراً جسيماً يحتاج معه إلى احتمال ما لايحتمله إلا ذو جأس رابط وصدر فسيح ...... ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه ويجعله حليماً حمولاً يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون وجلائل الخطوب، وإذ قد فهمت معنى الآية نوضح لك أنه لامتمسك لهم بها ولامعنى لإيرادهم لها.
قوله: (والمراد اعصمنا عن ذلك).
أي عن عبادة الأصنام وثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها، وأما قوله: {اجعلني مقيم الصلاة} فجوابه يوجد مما تقدم في قوله: {واجعلنا مسلمين لك} وذلك كقولهم: رب رمية من غير رام. هو مثل من أمثال العامة ومنه:
فقلت لها أصبت حصاة قلبي ... ورب رمية من غير رام
والمعنى ر بإصابة حصلت من غير بصير بالرمي، قيل: وأول من أرسل هذا المثل الحكم بن عبد يغوث المنفري واكن أرمى الناس في زمانه فنذر ليذبحن مهاة على الغبغب فرام ذلك أياماً فلم يتمكن وكان يرجع خائباً حتى هم بقتل نفسه فسأله ابنه مطعم أن يحمله معه وألح عليه حتى فعل ومرت مهاتان واحدة بعد أخرى والحكم يرميهما فأخطأهما فلما عرضت الثالثة رماها ابنه مطعم فأصابها فعند ذلك تكلم الحكم بهذا فأرسل مثلاً.
قوله: (والقصة أنه عليه السلام أخذ حفنة من التراب) إلى آخره.
فمعنى الآية على ما ذكره جار الله أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمي البشر ولكنها رمية لله عز وجل حيث أثرت ذلك الأثر العظيم فأثبتت الرمية لرسول الله صلى الله عليه لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لايطيقه البشر فعل الله تعالى فكأ،ه فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من الرسول أصلاً.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {ولولا فضل الله} إلى آخره).
وجه تمسكهم به أن المراد بالفضل خلق الإيمان وعدم خلق الكفر والمعاصي وهذا غير لازم ولا دلالة في الآية عليه والمراد بالفضل ما ذكره من إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق.
قوله: (الذي هو أخص من النوع).
أراد النوع الذي هو أخص من الجنس لأن الجنس ما اشتمل على مختلف بالحقيقة كالحيوان مثلاً لاشتماله على الإنسان والفرس والجمل ونحوها وحقائقها مختلفة وكل من هذه الأشياء المختلفة نوع كالإنسان مثلاً ونوع الإنسان مثلاً ضروب طويل وقصير وأبيض وأسود ونحو ذلك.
قوله: (وهو المراد ههنا).
ويدل عليه ذكر ذلك عقيب ضرب مثل الحق والباطل بقوله: {هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور}.
قوله: (ليس في الظاهر أن الدين فطرته).
يقال: بل هو الظاهر فإن المعنى أن الدين الحنيف فطرته التي فطر الناس عليها ونحن نلتزم ماذكرته من أن كل الناس فطروا على الدين وإن كان الخصوم لايلتزمونه لما ذكره من أن عندهم أن أكثر الخلق فطروا للكفر.
قولهك (ولأنه لو كان كما قالوا).
يعني من أن الدين فطرته بمعنى أنه خلقه فينا.
قوله: (لكان قد بدل خلق الله).
يعني مع قوله: {لاتبديل لخلق الله}.
قوله: (هو بمنزلة أن يقول كن طويلاً) إلى آخره.
وذلك لأن معنى فأقم وجهك قوم وجهك له غير ملتفت عنه يميناً ولاشمالاً، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرقه وسدد عليه نظره وقوم له وجهه مقبلاً عليه.
قوله: (فالمعنى فطرة الله التي فطر الناس لها) إلى آخره.
يعني ويكون /424/ اللام بمعنى على، كقولهم: صف علي كذا، أي صفه لي، وكما يرد على بمعنى اللام يرد اللام بمعنى على، كقوله تعالى: {ويخرون للأذقان} وقولهم: سقط لوجهه.
قال جار الله: المعنى ألزموا فطرة الله أو عليكم فطرة الله وإنما أضمر به على خطاب الجماعة لقوله: {منيبين إليه} وهو حال عن الضمير في الزموا، والفطرة الخلقة ألا ترى إلى قوله: {لاتبديل لخلق الله}، والمعنى أنه خلقهم قائلين للتوحيد، ودين الإسلام، غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوياً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن، ومنه قوله عليه السلام: (( كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري )) .
وقوله: (( كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه )) .
ومعنى لاتبديل لخلق الله: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو بغير.
قوله: (في حكاية الخبر: إني خلقت عبادي حنفاء). أي مسلمين والحنيف: ألمسلم.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {لنجعل ما يلقي الشيطان فتنة}).
اعلم أنه لابد من ذكر تفسير هذه الآية ليتضح لك كيفية الجواب عنها وتطلع على معاني جواب المصنف فيها. قال جار الله: السبب في نزول هذه الآية يعني: {وما أرسلنا قبلك من رسولا ولانبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} إلى قوله: {لنجعل ما يلقي الشيطان} أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرهت ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم ألا ينزل عليهم ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقاً إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادي قومه وذلك المتمني في نفسه فأخذ يقرأها فلما بلغ قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها أي وسوس إليه بما شفعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى. وروي: الغرانقة، ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه وقيل: نبهه جبريل عليه السلام أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلما سجد فيها في آخرها سجد معه من في النادي وطابت نفوسهم.
إذا عرفت هذا فقوله: {لنجعل ما يلقي الشيطان فتنة} معناه أن تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء ازداد المنافقون به شكاً وظلمة والمؤمنون نوراً وإيقاناً فقول المصنف : المراد بالجعل هنا الدلالة والبيان، غير متضح وقد نقضه بأن حمل الآية على أن المراد لنجعل نسخ ما ألقاه الشيطان فتنة للكافرين، والمراد بنسخ ما ألقاه في قوله تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أن يذهب به ويبطله ثم يحكم آياته أي يبينها.
قوله: (خلى بينهم وبين الشيطان).
يعنيبأن مكنه من الوسوسة بذلك أو النطق به.
قال جار الله: والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب التائبين ويزيد في عذاب المذنبين.
قوله: (إلى قوله: {قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً ما أصابك من حسنة فنم الله وما أصابك من سيئة فنم نفسك وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً}.
قوله: (وبعد فليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية).
قال الله تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات}. وقال: {إن الحسنات يذهبن السيئات}. والمعنى: وإن يصبهم نعمة من خصب ورخا نسبوها إلى الله تعالى /425/ وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى: {وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}، وعن قوم صالح: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك}، وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها فرد الله عليهم: {قل كل من عند الله} يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح ولاتناقض بين هذه الآية وبين قوله: {ما أصابك من حسنة فنم الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} لأن معناها ما أصابك يا إنسان خطأ .... ما من حسنة أي من نعمة وإحسان فمن الله تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً وما أصابك من سيئة أي من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
وعن عائشة رضي الله عنها: (( ما من مسلم يصيبه نصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر )) .
قوله: (ومنها قوله: فأغرينا).
هذه الآية أتى بها المصنف كذلك والآيتان اللتان بعدها وهي مما يعد من شبههم في أنه تعالى يضل خلقه ويحمله على نواهيه ويوقعهم في معاصيه وستأتي شبههم في ذلك ولها بهذه المسألة طرف تعلق فلا بأس بذكرها ههنا.
قوله: (وعندنا أن الضمير في قوله فاعقبهم عائد إلى التولي والإعراض والبخل).
قال جار الله: عن الحسن وقتادة أن الضمير للبخل ، يعني فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم لأنه كان مثبتاً فيه وداعياً إليه والظاهر أن الضمير لله عز وجل، والمعنى يخذلهم حتى نافقوا ويمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا أنه من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق، وإنما جعل جار الله الضمير لله تعالى وفسره بالخذلان لكونه جعله مسبباً عن الإخلاف كالعقوبة عليه والله أعلم.
قوله: (والضحك والبكاء قد يقعان معصية).
لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن مرادهم الاحتجاج على نسبة أفعالنا إلى الله معصية كانت أو غيرها وقد حصل غرضهم بنسبة الضحك والبكاء إليه سواء كانا طاعة أو معصية أو يقعان طاعة في بعض الأحوال ومعصية في بعضها.
ولهذا قال السيد: حاكياً عنهم قالوا: بين أن الضحك والبكاء من جهته ومن قال بذلك لم يفصل بينه وبين غيره من الأفعال.
قوله: (والجواب أما البكاء) إلى آخره.
لابد من ذكر حقيقة البكاء والضحك ليتضح لك ما كان من هته تعالى وما كان من جهة الضاحك والباكي والذي ذكروه في حقيقة الضحك أنه يفتح في الوجه والأجفان ويقلص في الشفتين عند سرور أو تعجب.
قال ابن متويه: والذي لابد منه حتى يثبت صاحكاً ما يظهر في الحدقة عند السرور أو التعجب فإن هذا لايخلو عنه أحوال الضاحكين فأما غيره فقد يخلو عنه، ومتى حصل الضحك من دون سرور أو تعجب فهو متضاحك. قال بعضهم: والمراد بفتح الأجفان امتداداه إلى مؤخر العين ومقدمها، وإن تقاربت الأجفان إلى الالتقاء، ولامراد بتفتح الوجه كون جلدته تأخذ إلى الصابرين وأما البكاء فهو نزول الدمع من العين مع لوعة وحزن واللوعة والحزن ترجع بهما إلى اعتقادات وظنون لفوت نفع أو نزول ضرر، ولابد من اعتبارهما فإن الدمع يخرج من عين الأرمل ومن به صدام ولايكون بكاء.
قووله: (فهومن فعل الله).
هكذا أطلق القول في التذكرة أن البكاء من فعل الله، وكذلك أطلق السيد كإطلاقه واستشهد على ذلك بعدم وقوفه على القصد والداعي بل قد يدعو أحدنا الداعي إليه فلا يقع وقد يقع من غير اختيار.
قيل: وفيه نظر لأن الإنسان قد يقف البكاء على اختياره، بل قد قيل /426/: إن من الناس من يقف البكاء على اختياره من عين دون عين، وقد يستجلب أحدنا البكاء بأسباب كتذكر الأحزان وتعداد محاسن الموتى.
وجوابه أن ما وقف على اختيارنا من غير تذكر سبب إن صح ذلك فهو من فعلنا لكن لاينبغي أن يسمى بكاء ولكن هو تباكي، وأما المستجلب بالتذكر ونحوه فهو من فعله تعالى بعد تذكر الأسباب حيث لايمكن دفعه وإن كان في الحكم كأنه من جهتنا ويتعلق حكمه بنا من مدح وذم كما في واضع رجل في النار ونحوه وما أمكن دفعه فهو من فعلنا وحيث يكون البكاء من العبد فالمراد ما فيه من الاعتمادات والحركات ومن الحزن واللوعة حيث يكونان ظناً أو اعتقاداً أو علماً غير ضروري، وما كان منهما علماً ضرورياً فمنه تعالى وكذلك جرم الدمعة وتأليفها فافهم.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد خلقه خلقه) إلى آخره.
إلى هذا الوجه لمح جار الله حيث قال: المعنى أنه خلق قوتي الضحك والبكاء.
قوله: (لأن المراد أنعمت عليهم بالإيمان).
قال جار الله: والذين أنعمت عليهم هم المؤمنون وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم يبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه . وعن ابن عباس هم أصحاب موسى قبل أن يغيروا، وقيل: هم الأنبياء.