قلت: ووجه ذلك أنه لايحسن بل لايمكن الكلام في حكم لشيء حتى يتحقق معناه ويرتسم في الذهن وذلك ظاهر، وإنما أهملها المصنف بناء على ظهور معناه وتجليه واكتفاء بذكره لها في موضع آخر، وقد حققه السيد بأنه كل ضرر لانفع فيه ولادفع ضرر ولا استحقاق ولا الظن لأحد الوجهين المتقدمين وألا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور، وألا يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر، وأورد عليه بعضهم سؤالاً وهو: أن هذا الحد لايطرد فإن أحدنا لو أضر بغيره لنفع بفعله له أو دفع ضرر أو لظن لذلك فإن هذا الإضرار ظلم مع كونه غير عار عن ذلك، قال: فيزاد في أجزاء الحقيقة أو الضرر الذي فيه نفع أو دفع ضرر أو ظنهما أو أحدهما، ولم يقض العقل أو الشرع بحسنه.
قلت: ويرد عليه إثباته في أول الحد بلفظ كل وذلك مغيب إذ المراد تحقيق الماهية ولفظ كل للعموم والشمول.
قوله: (وأحدهما مشتق من ظلم).
كان الأولى أن يقول: من الظلم، بلفظ المصدر لأنه الأصل في الاشتقاق وكذلك قوله: من فعل الظلم فإنه كان الألى أن يقول من فعل بكسر الفاء وسكون العين.
قوله: (كالقعود والجلوس).
يعني فإن أحدهما مشتق من قعد والآخر من جلس ومعناهما واحد والمصنف رحمه الله تابع في ذلك للسيد، وكان الأولى أن يقال كقعد وجلس أو كقاعد وجالس، فإنهما متفقان في المعنى مع أن أحدهما مشتق من القعود والثاني من الجلوس، لما ذكرناه آنفاً من أن الأصل في الاشتقاق هو المصدر على الصحيح.
قوله: (ويرد عليهم السؤال في العادل).
يعني فيلزمهم أن يكون العادل غير فاعل العدل وألا يسمى الله لأجل فعله للعدل عادلاً.
قوله: (ويلزم إذا انفرد بفعل الظلم ألا يكون ظالماً).
يعني الله تعالى. قال السيد: وعندهم أنه تعالى لو تفرد بالظلم لكان ظالماً.
قوله: (لأنه الذي حله الظلم).
يعني في أغلب الأحوال كاللطم والضرب والقتل، وإن كان شيء منه محله الظالم كالشم باللسان.
قوله: (وألا يكون ظالماً لو انفرد).

يعني الله تعالى لأنه ولو انفرد بفعله فلم يجعل ظلماً له مع أن مذهبهم أنه لو انفرد به لكان ظالماً على ما حكاه السيد في غير موضع.
قوله: (ويلزم لو وقف على الاختيار).
أي لو وقف كونه ظلماً على اختيار الجاعل. وفيه سؤال وهو أن يقال: أليس المتكلمون ذكروا أن أحكام الأفعال من كونها ظلماً وكذباً ونحو ذلك متعلقة بالفاعل؟
والجواب: أن مراده أن جعل كونه ظلماً للغير لايقف على الاختيار لا جعله نفسه ظلماً ثم أنه وإن جرى ذلك في كلامهم فقد اعتذروا عنه وقالوا: أردنا أن تلك الوجوه متعلقة بالفاعل على جهة المجاز لأن الظلم هو الضرر العاري عن جلب نفع أو دفع ضرر وهذا نفي وتأثير الفاعل في الإثبات لا في النفي.
قوله: (أن يجعل الكلام أمراً لزيد دون عمرو).
يعني بأن يجعله نهياً لعمرو أو خبراً له.
قوله: (وبعد فإن أردتم /413/ بقولكم جعل الظلم ظلماً له أنه حله وذلك غير ما نوزعتم فيه) إلى آخره.
كان الأولى أن يقول: إنه خلق فيه لأن هذا هو مذهبهم الذي نوزعوا فيه، وهكذا حرر السيد هذا الوجه.
قوله: (فكيف يدفعون الإلزام بنفس مذهبكم الذي لايتم إلا بعد اندفاع الإلزام).
قال السيد: وهذا أصل كثير أن كل دلالة تصيب لإفساد مذهب من المذاهب فالاعتراض على تلك الدلالة بنفس ذلك المذهب لايصح فيجب أن يراعى هذا الأصل ويحافظ عليه. انتهى.

ودليله أن ذلك المذهب إما فاسد فالطعن به لايصح، أو صحيح فنصب الدلالة على إفساده لاتصح، فالدليل فاسد وإن لم يطعن عليه بالمذهب وينبغي أن يفصل القول فيما ذكر فيقول ينقسم ذلك إلى ما تكون الدلالة فيه لاتصح إلا بعد فساد المذهب فتكون صحتها مثبتة على فساده وإلى ما لايقف العلم بصحتها على فساد ذلك المذهب، إن كان الأول لم يصح ما ذكره السيد رحمه الله بل يصح أن يعترض بذلك المذهب على تلك الدلالة وإن كان الثاني فما ذكره مستقيم لكن مسألتنا من القبيل الأول؛ لأن الدلالة المذكورة وهي أن الظلم لو كان من فعله تعالى لوجب أن يسمى ظالماً ينبني على فساد القول بأن الظالم اسم لمن جعل الظلم ظلماً له إذ لو صح هذا بطل دليلنا فمهما لم يفسد هذا القول لم تصح تلك الدلالة وحينئذ يتوجه الاعتراض عليها بنفس ذلك المذهب، وهو أن الظالم اسم لمن جعل الظلم ظلماً له.
قوله حاكياً عنهم: (الظالم اسم لمن تفرد بالظلم).
قالوا: والقديم تعالى لم يتفرد به لأنه مشترك بينه وبين العبد فهو الذي أوجده والعبد اكتسبه فلا يجب تسميته ظالماً.
قوله: (قلنا يلزم مثله في العادل).
فيه نظر لأنهم يلتزمونه ولايجب أن يكون تعالى غير عادل لأنه منفرد بأكثر أفعال العدل وإن لم ينفرد بما كان عدلاً من أفعال العباد فتسميته بالعادل لأجل ما انفرد به وكان من أفعاله الخاصة عدلاً وإنما الذي يلزمهم ألا يسمى عادلاً لأجل ما فعله من العدل الذي اكتسبناه عندهم ولعلهم يلتزمون ذلك.
قوله: (ويلزم ألا يوجد ظالم قط).
يعني لأن الله تعالى غير منفرد بفعل الظلم وكذلك جميع العباد فإنهم وإن اكتسبوه فليسوا منفردين به لأن الله تعالى هو الذي أوجده عندهم.
قوله: (لأنه تفرد به).
يعني على مذهب الأشاعرة.
قوله: (لإيهامه الخطأ)

قال السيد: وهو أنه تعالى من جنس الأسباب يعني لوصفهم السبب بأنه يولد المسبب حتى صار هذا اللفظ كأنه موضوع له والله تعالى ليس بسبب لأنه فاعل مختار، والسبب مؤثر على طريق الإيجاب.
قوله: (والوالد اسم لمن خلق من مائه آخر من جنسه).
هذا معناه لغة وأما في الشرع فهو اسم لمن ولد الولد على فراشه.
قوله: (نفى عن نفسه الظلم والعبث والكذب).
يعني بقوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} ونحوها وبقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} أي عبثاً، وتنصب الأدلة على أنه لايجوز عليه الكذب.
قوله: (ولتجهيله وليقع خلاف ما أراد).
يعني لأنه تعالى قد علم منهم الكفر وأنهم لايؤمنون وأراده منهم عندهم إذ لو لم يره لم يقع فكان إرسال الرسل على قود كلامهم الغرض منه وقوع خلاف ما أراده وخلاف ما علمه وفي ذلك طلب تجهيله.
قوله: (وقد التزموا ذلك في نعمة الدين).
ممن صرح بذلك الرازي وعلله بأنا نعلم ضرورة أنه لانعمة لمن أعطى السكين من هو قاطع بأنه يقتل به نفسه. قال بعض أصحابنا: ولقد ارتكب عظيماً من الضلال فإن المعلوم بضرورة الدين أن إنزال الكتب وإرسال الرسل نعمة على المؤمن والكافر، وقد قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فإنكار نعمة الله الدينية على الكافر إنكار لما علم ضرورة من الدين ورد للقرآن، وهذا كفر شنيع من أوضح الكفر ولهذا فإن الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام مع بعده عن التكفير كفر القائل به أبا الحسن الأشعري والرازي ابن الخطيب، ولم يكفر من أهل القبلة /414/ إلا هؤلاء المجسمة المصرحين بالأعضاء لفظاً ومعنى.
قوله: (وخلافه معلوم ضرورة).

يعني وفي ذلك دلالة على صحة ما نقوله، وإنما تثبت النعمة الدينية في حقه لأنه تعالى عرضه بالتكليف إلى ارتقاء مراتب عظيمة ونيل منافع جسيمة لاتنال إلا بذلك وأقدره على التوصل إلهيا ومكنه من ذلك وأزاح علته فيه ولم يمنعه ولو صح ما ذكروه من أنه خلق فيه الكفر وأجبره عليه وأراده منه ليقع في العذاب الأليم والعقاب العظيم لم يكن له تعالى عليه نعمة.
قوله: (فلا يستقيم لهم الفرق).
وقد روي عن الأشعري عدم الفرق، والجري على قاعدتهم بنفي نعمة الدنيا أيضاً لكنه بذلك أعظم الجرأة على الله فنعوذ بالله من الضلالة.
قوله: (فما الفرق بين الموضعين).
يعني مع كون انتواله للكوز وشربه منه فعل الله تعالى أجبره عليه واضطره إليه.
قوله: (وما معنى قوله عليه السلام) إلى آخره.
يعني لأن كل الأفعال على مذهبهم نحن مستكرهون عليها فيلزم أن تكون كل التكاليف مرفوعة عنا وكلامه صلى اللّه عليه وآله وسلم قاض بأن المرفوع شيء منها ونوع خاص.
قوله: (ويقال: قال تعالى: {فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء}).
هذا حكاية لحال الكافرين بعد أن توفاهم الملائكة ومعنى: {فألقوا السلم}: سالموا وأخبتوا وجاؤا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان فقالوا: ما كنا نعمل من سوء.
قوله: (فما معنى تكذيب الله لهم بقوله: {بلى}).

ظاهر كلام المصنف أن بلى من كلام الله تعالى رداً عليهم لأن بلى إيجاب للنفي فالمعنى بلى كنتم تعملون السوء أي الكفر والعدوان والبغي والعصيان، وحمله جار الله على أنه من كلام أولي العلم رداً عليهم وشماتة بهم وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم وينكرون عليهم ويشاقونهم نظراً إلى سياق الآية: {ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} أي تعادون وتخاصمون المؤمنين كأنها مشاقة لله تعالى، {قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} أي فهو مجازيكم عليه.
قوله: (ولابد من أحدهما).
يعني ولايمكنهم القول بأنها كاذبة فلم يبق إلا أنها صادقة وفيه صحة ما نقوله.
قوله: (قلنا إذا كان الاختيار الموجب).
يعني على قاعدتهم لأنهم وإن قالوا بتوقف الفعل على اختياره فهو عندهم واجب عند حصول الاختيار ولازم وجوده معه لامحالة.
فصل في ذكر بعض ما جرى من المناظرات
قوله: (اجتمع أبو العتاهية وثمامة عند المأمون).
هو أبو العتاهية الشاعر الشهير وكان جبرياً وهو الذي طلب المناظرة وكان ثمامة مزدرياً له وقال له المأمون: عليك بشعرك ثم أذن له المأمون بذلك ومما نقل أن أبا العتاهية صدف ثمامة بعد هذه المناظرة فقال له: أما كان لك في إقامة الحجة مندوحة عن البذا؟ فقال ثمامة: خير الكلام ما جمع الاحتجاج والانتقام.
قوله: (وقيل لأبي الهذيل من جمع بين الزاني والزانية) إلى آخره.
قد حيكت هذه المناظرة على صفة أخرى وهي أن جبرياً قال لعدلي: من يجمع بين الزانيين؟ فقال العدلي: أبوك. فغضب الجبري. وقال: جعلت أبي قواداً. فقال العدلي: بؤساً لك تنزه أباك عن ذلك وتنسبه إلى ربك.
قوله: (فلقن حفصاً حجته).

إنما لقنه النظام لئلا يذكر ذلك من بعد فيظن أن له في ذلك مخلاً وأراد انقطاعه بالكلية وقد حكي أن النظام لما قيل له: لم لقنته؟ أجاب بهذا المعنى وقال: عرفت أن أبا الهذيل لايفوته جواب.
قوله: (بطرار).
هو الذي ينتهب مال غيره /415/ جهراً ثم يهرب فإن لم يهرب فغاصب، فإذا كان حفنة من حرز فسارق، ومن غير حرز مختلس.
قوله: (ضحكة).
هو بسكون الحاء وهو الذي يضحك منه.
قوله: (وقال مجبر لعدلي: أرأيت لو كان لي قطعة من الطين) إلى آخره.
هذا مثل ضربه لملك الله تعالى لخلقه وتصرفه فيهم كيف شاء من غير اعتراض ولا استنكار من أحد.
قوله: (ولكن بشرط ألا يقول لم كانت هذه صحيحة) إلى آخره.
يعني فإذا كان الله في خلقه للإيمان والكفر كمن عمل في قطعته حرة صحيحة وأخرى معوجة فلم قال للكافر: لم كفرت، كما قال لإبليس: {ما منعك ألا تسجد} ونحو ذلك لأن هذا يستهجن ممن يجوز عليه النقص فضلاً عن المختص بصفات الكمال.
قوله: (فقال اذهب فأحرقه) إلى آخره.
يعني وهذا نظير تعذيب الله للكافر على كفره لم لم يخلق فيه غيره عندكم.
تنبيه
ومن المناظرات في هذا الباب أن قال عدلي لجبري: أكلما أقول وأفعل من الله؟ قال المجبر: نعم. قال العدلي: فأنا أقول الجبر كفر والمجبر كافر فبهت المجبر، وسأل عدلي جبرياً عن قوله تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} فقال: أخبرني هذا الكيد فعل اله أو فعل الشيطان. إن قلت: فعل الله وصفته بالضعف مع كونه القوي الذي لايغالب، وإن قلت: فعل الشيطان بطل مذهبكم والحق أولى.
فصل في إبطال قولهم بالكسب
قوله: (اعلم أن الكسب والاكتساب) إلى آخره.
يقال: قد سمى الله تعالى فعل العاصي اكتساباً فقال: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} مع أنه لا نفع فيه ولادفع ضرر.

وجوابه: أن فاعل المعاصي لم يفعلها إلا لما فيها من المنفعة العاجلة بما يحصل فيها من اللذة والنفع الدنيوي ولهذا خصها الله تعالى بالاكتساب والخبر بالكسب لما كان في لفظ الاكتساب اعتمال وكانت المعاصي مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به فكانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم يكن كذلك في باب الجبر وصفت بما لادلالة فيه على الاعتمال، ذكره جار الله وقد أورد على هذا الحد إشكالات أخر.
منها: أنه يستلزم تسمية الفصد والحجامة والجماع وأ:ل الطعام والقعود عند الإعياء من المشي والاستلقاء للاستراحة كسباً لكونه أوقع ليستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر، وتسميته كسباً غير مسلم لغة ولاعرفاً.
قيل: فالأولى في حده لغة أنه إعمال الجوارح أو بعضها في طلب عين يصح تملكها مع الاعتقاد أو الظن لكونها مما ينتفع به واستعماله في غير ذلك من الأعمال الصالحة والقبيحة مجاز تشبيهاً بالكسب اللغوي.
قوله: (والطيور المخصوصة).
يعني الجوارح لاصطيادها.
قوله: (فهو من الأسماء التي لامسمى لها والخيالات التي ليس لها حقيقة).
يعني أن معناه ليس بمعقول وقد ذكره المتكلمون في خمسة مذاهب أنها غير معقولة:

أحدها: ألكسب. وثانيها: ألطبع الذي تزعمه الطبائعية والفطرة التي ذهبت إليها المطرفية. وثالثها: مذهب النصارى أنه تعالى واحد ثلاثة. ورابعها: ما ذهبت إليه المجبرة من كونه تعالى يرى بالحواس لا في جهة. وخامسها: مزية الخالدي التي ذكرها للطاعة مع المعصية الكثيرة. قالوا: فمن هذه المذاهب ما لايعقل لأن ضرورة العقل تقضي ببطلانه كمذهب النصارى أنه تعالى واحد ثلاثة لتناقضه، ومنها ما لايعقل لكونه خارجاً عما تقضي به الدلالة العقلية كمذهب أهل الطبع والفطرة لأن المعقول من المؤثر إما كونه فاعلاً مختاراً أو معنى موجباً أو صفة تقتضي ذلك والطبع عندهم ليس من أي هذه. ومنها ما لايعقل لن الطالب لفهمه قد حرص على فهمه فلم يتمكن من ذلك والطالب لأن يفهمه الغير حرص على تفهيمه فلم يمكنه أيضاً، وهذا كمذهب المجبرة في الكسب ويقرب أن القول بالرؤية لا في جهة /416/ من هذا القبيل.
وكذلك مزية الخالدي وذلك لأن المنكرين للكسب وهم أهل العدل والجهمية وسائر الفرق المقرين بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير بقية المجبرة كالمطرفية والخوارج وغيرهم وجميع الفرق الخارجة عن الإسلام على كفرهم واختلاف مذاهبم وتشتت أوطانهم وشدة بحثهم عن معناه وحرصهم على فهمه ومناظرتهم في ذلك لم يجدوا إلى تعقله سبيلاً، وكذلك القائلون به لم يجدوا إلى تفهيمه سبيلاً، ذكر هذا بعضهم.
واعلم أن القوي والله أعلم أن الكسب بالمعنى الذي أرادوه معقول فإن وجود الفعل بقدرة الله مقارناً لقدرة العبد مع عدم تأثيرها فيه على ما حققه الأشعري أمر متعقل وكون الفعل طاعة أو معصية على ما حققه به الباقلاني أمر متعقل أيضاً وإن كان جعلهم له جهة لاستحقاق المدح والثواب والذم والعقاب أمر ظاهر البطلان، والفرق هذه المتكاثرة وإن أنكرته فلأنه لاصحة له لا لعدم تعقله فافهم.
قوله: (مقارناً لقدرة العبد) أي مقارناً لحدوثها.
قوله: (وقال الباقلاني المرجع بالكسب إلى صفة للفعل).

هذا معنى الكسب عنده وقال أيضاً بأن تأثير قدرة العبد هو في هذه الصفة وأما الإحداث فبقدرة الله تعالى.
قوله: (ولم كان إحدى الصفتين).
يعني الإيجاد وكون الفعل طاعة أو معصية.
قوله: (فما معنى الكسب عند هؤلاء).
يقال: هؤلاء لايثبتون الكسب ولايذهبون إليه.
قوله: (وقال بعض مشيختهم).
قد ينسب هذا القول إلى الجويني، ونسب إلى الغزالي ونسب إلى الاسفراييني والرازي.
قوله: (فقال لهم أصحابنا).
يعني مبطلين لهذا القول وقد أبطلوه أيضاً بأن قولكم ما وقع بقدرة محدثة ينبني على إثبات القدرة وإثباتها يترتب على كون أحدنا قادراً وكونه قادراً ينبني على كونه فاعلاً وهو خلاف مذهبكم وأيضاً فهذا يقتضي أن يكون للقدرة المحدثة فيه تأثير وهو خلاف ما ذهبتم إليه من أن الفعل متعلق بالله تعالى إن شاء أوجده مع القدرة وإن شاء أوجده ولا قدرة.
قوله: (وقال بعضهم الكسب هو ما حله مع القدرة عليه). نسب هذا إلى الأشعرية.
قوله: (فيلزم ألا يقبح من الباري لو تفرد به لفقد الكسب) لعلهم يلتزمون هذا.
قوله: (أليس معنى الاستطاعة عندكم) إلى آخره.
فيه نظر لن هذا معنى الاستطاعة عندهم التي هي القدرة لا استطاعة الحج التي هي شرط فيه فهي غير هذا المعنى لكن القدرة أظهر في كونها شرطاً ومعناها في التحقيق عندهم ما ذكره.
فصل في شبههم في أن الله خالق لأفعال العباد
قوله: (أشفها ما عول عليه الرازي).
أي أقواها ما اعتمده واستند إليه في تصحيح مذهبهم وقد أوردها ابن الحاجب ثم أبطلها بأنها تؤدي إلى القدح فيما علم ضرورة لاستلزامها كون أفعالنا ضرورية.
قوله: (وذلك يقدح في حدوث العالم).
يعني لأن الذي دل على حدوثه هو حصوله مع الجواز فلا بد من مؤثر فيه وموجد له يرجح وجوده على عدمه.
قوله: (أنه لازم له في فعل الباري).

81 / 158
ع
En
A+
A-