أرادوا وأنت يا أبا الحسين تذهب إلى أن الفعل لايقع إلا بداعي وأن الداعي شرط فيه ولهذا اثبت الداعي في حق الساهي والنائم، وقد قيل في إبطال قوله أنه لاطريق إلى إثبات هذا الداعي في حق الساهي والنائم وبان المعلوم من حالهما في كثير من الحالات بل في كلها صدور الفعل من جهتهما ولايعلم داع ولايظن ولايشك فيه ولأن أحدنا قد ينتفي بعض ما في الطبق من الفاكهة ولانجد داعياً إلى تعيين ما يتبقى.
قوله: (وأما القصد فلا شبهة) إلى آخره.
القصد في اصطلاح المتكلمين هو الإرادة المقارنة للمراد أو لسببه الذي هو في حكم المسبب لمقارنته إياه مع كونه هو وذلك المراد من فعل فاعل واحد فلا تسمى الإرادة لفعل الغير قصداً.
قوله: (لاحتياجه إلى العلم).
يعني علمه بما يقصد إليه وتتعلق به إرادته التي هي قصد وفيه نظر وقد صرح ابن متويه بأن النائم يصح كونه معتقداً وجعل الرؤيا من قبيل الاعتقادات والظنون ثم قال: وكذلك كونه مريداً صحيح بأن يقصد ما يعتقده وكذلك الكراهة وربما يأتي للمصنف فيما بعد ما يقضي بعدم احتياج القصد إلى العلم.
قوله: (وأما فعل الملجى).
هو بصيغة اسم المفعول وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره: لايمكن الاستدلال بما ذكرتموه على أن هذه التصرفات واقعة من هتنا لأن فعل الملجى يقع بحسب قصد الملجى وليس فعلا له.
وجوابه ما ذكره ومثل ذلك قوله: (وكذلك منيراً لذاته) هو جواب أيضاً لسؤال مقدر تقديره: إن سيرها في الجهة التي تسير فيها تابع لقصد لاراكب وموقوف عليه ولم يدل على أنه فعله.
وكذلك قوله: (وأما نعيم أهل الجنة) فإنه جواب عن قولهم: أليس نعيم أهل الجنة تابعاً لاختيارهم وواقفاً على دواعيهم ولم يلزم كونه من فعلهم.
قوله: (وأما اللون الحاصل) إلى آخره.

هو أيضاً جواب عن قولهم: أليس اللون الحاصل عند الضرب موقوفاً على الضرب يقل بقلته ويكثر بكثرته ويتوقف على قصد المضارب وداعيه ومع ذلك فليس بفعل له ونظيره أيضاً بياض العبيطي فإنه يحصل بحسب الضرب من جهتنا وكذلك سواد الخبز والحرارة الحاصلة عند حك إحدى الراحتين بالأخرى وجوابه ما ذكره ومعنى انزعاج الدم أن اجزاءه كانت متبددة بين أجزاء اللحم، واللحم كالساتر لها فلما حصل الضرب وقع به تفريق بين أجزاء اللحم وصار بين اللحم فرج يجري الدم فيها، وحال الجلد دون خروجه فلذلك ترى الحمرة تحت الجلد.
وقد ذهب بعض المتكلمين إلى أن ذلك اللون يحدث من جهة الله تعالى عند الضرب بمجرى العادة وضعف بأن ما كان طريقه العادة جاز أن يختلف حاله والحال في هذا مستمرة على وتيرة واحدة.
وذهب الشيخ أبو القاسم ومتابعوه من أهل بغداد إلى ما حكاه المصنف وهو مبني على خلاف ما عليه الجمهور أن اللون من مقدورات الله المختصة به.
قوله: (فلا تنقلب علينا في توليده للألم).
يعني لنه يولده بشرط انتفاء الصحة وهي تأليف مخصوص يوجد في محل الحياة ولايمكن اشتراط مثل هذا في توليده للون لأن اللون يصح حلوله في الجماد دون الألم، ومما يبطل قول الشيخ أبي القاسم وأصحابه أن الضرب /408/ لايكون بتوليد بعض أنواع الألوان أولى من توليد غيره إذ لامخصص.
قوله: (ومثله الكلام عليهم في بياض العبيطي) إلى آخره.
العبيطي: ضرب من الحلاوى أبيض مأكول لاشمروب وتلخيص ما أجاب به أصحابنا عنه أن البياض الذي يظهر عند ضرب القبيطي لون كان كامناً في الجسم فبرز بالضرب وكذلك لون الخبز كان كامناً فظهر بالخلط، قالوا: ومعنى ذلك الكمون أنه حال في أجزاء الطبقة مسخنة في باطنة مستترة بأجزاء أخر في ظاهره فإذا اعتمد على تلك الأجسام بضرب أو خلط انقشعت تلك الأجزاء الساترة وظهرت الأجزاء اللطيفة الكامنة.

قالوا: ونظيره كمون النار في الحطب، والدهن في السمسم. وجوز الشيخ أبو هاشم أن يكون ظهور ذلك اللون بمجرى العادة من جهة الله تعالى ابتداء واستبعده الجمهور بمثل ما تقدم من اختلاف ما كان طريقه العادة والذي ذكروه أيضاً مستبعد وفيه تكلف وتعسف ولاطريق لهم إلى صحة ما ذكروه وقد استمر كثير مما طريقه العادة وكفى بما في العالم العلوي من الأمور العادية المستمرة والله سبحانه وتعالى أعلم، {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}.
وأما الشيخ أبو القاسم وابن المعتمر ومن تابعهما فذهبوا إلى أن ذلك اللون من فعلنا متولد عن الضرب كما قالوه في اللون الحاصل عند ذرب بدن الحي وهكذا الكلام في الحرارة الحاصلة عند الحك فعند الجمهور أن تلك أجزاء كانت كامنة فظهرت، ويأتي على أصل أبي القاسم ومن تابعه أنها من فعلنا وعلى أصل الشيخ أبي هاشم أنها بمجرى العادة.
قوله: (كالصحة والسقم وغيرهما).
يعني كالحر والبرد وجميع ما طريقه العادة كالإحراق وما يجري مجراه.
قال السيد الإمام: وعلى هذا يقال إن في الحيوانات حيوان يقال له السمندل يدخل النار ويتمرغ فيها فلا تؤذيه ولايحترق بها وحتى أنه ليتخذ من وبره منديل غمر فكلما توسخ تلقى في النار فيعود أنظف ما يمكن ويكون وهكذا فإنه يقال: إن ......... خشنة لاتحرقها النار.
قوله: (هو غير واجب في الأدلة اتفاقاً).
يعني وإن وقع الخلاف في عكس العلل.
واعلم أنهم يتفقون على أنه يجب الطرد والعكس في الحدود وأنه يجب الطرد ولايجب العكس في الأدلة ويختلفون في العلل فالعقلية يجب اطرادها دون انعكاسها على المختار والأشعرية يوجبون فيها العكس والعلل الشرعية بين أهل الأصول فيها خلاف فمن اجاز تعليل الحكم بعلتين لم يوجب العكس ومن لم يجز ذلك أوجبه وجميع الأقسام لابد من الطرد فيها بالاتفاق.
تنبيه

اعلم أن هذا الدليل هو معتمد الأصحاب في هذه المسألة أعني القائلين بأنه يحتاج فيها إلى الاستدلال وقد أورد عليه اعتراضات ذكرها الإمام يحيى أشفها أن ما ذكرتموه من وقوف فعل العبد على داعيه لايفيد كونه محدثاً له وليس ذلك بأظهر من حصول الشبع للحي السليم عند تناول الغذا الطيب، وحصول الري عند شرب الماء البارد، وحصول النبت عند إلقاء البذر الجيد مع حصول الشرائط من السقي بالماء وغير ذلك، فإذا كانت هذه الأمور واجبة الحصول عند هذه الأشياء ومع ذلك لاتعلق بها فكذلك وقوع فعل العبد عند الداعي لايوجب تعلقه به ولئن سلمنا وجوب حصول فعل العبد عند داعيه فلم قلتم أنه لابد لذلك الفعل من مؤثر فضلاً عن أن يكون المؤثر فيه قدرة العبد وهلا جاز أن يكون حاصلاً لا لأمر كما في صور من مذهبكم منها أن الذوات مشتركة في كونها ذوات ثم إن بعض الذوات مختصة بصفة ذاتية يجب حصولها لتلك الذات /409/ ويمتنع حصولها لغيرها من الذوات وهذا الوجوب لايعلل بأمر لنه بأي شيء علل فسد فهكذا الوجوب في فعل العبد لايعلل.
أيضاً ومنها أن الغرض المعين يجب اختصاصه بالمحل مع أن ذلك المحل مثل لسائر المحال، وذلك الوجوب لايعلل أيضاً لأنه بأي شيء علل بطل.
ومنها: أن الأعراض التي لاتنفى تختص صحة حدوثها بالوقت المعين مع كون ذلك الوقت مساوياً لسائر الأوقات.

ومنها: أن القادر يفعل أحد مقدوريه دون الآخر لا لأمر فلم لايصح أني قال: إن الفعل الذي حدث عند توفر الدواعي اختص وجوب حدوثه بذلك الوقت دون الوقت الذي قبله وبعده لا لأمر أو حدث وهو لايحتاج إلى مؤثر أصلاً ثم لئن سلمنا أنه لابد لهذه الأفعال من مؤثر فلم لايجوز أن يكون المؤثر فيها غير العبد ولا يمكن أن يقال لو كان كذلك لصح من ذلك الغير ألا يخلق تلك الأفعال عقيب توفر الدواعي أو تخلفها عقيب حصول الصوارف لنا نقول: إن الموجد لتلك الدواعي هو الله تعالى فإذا كان كذلك فلم لايجوز أن يقال: إن تلك القدرة والداعية وإن كانتا غير مؤثرتين في وجود الفعل ولكنه يستحيل انفكاكهما عن ذلك الفعل والفاعل لأنه لايمكنه أن يفعل ذلك الشيء عارياً عما يلازمه فلذلك يستحيل من الله تعالى ألا يوجد ذلك الفعل عقيب توفر الدواعي كما أنه متى خلق الجوهر استحال منه ألا يخلق الكون الملازم له.
ويمكن الجواب عن هذا الاعتراض أما معارضته بالري والشبع والنبات عقيب البذر فنحن نعلم الفرق بين توقف هذه الأشياء على ما يفعله وبين توقف أفعالنا على قصودنا ضرورة ويمكن القول بأن حصول النبات عقيب البذر بمجرى العادة ودليل أنه كذلك ما يقع فيه من اختلاف الحال فقد ثبتت وقد لا، وقد يثبت بعضه دون بعض، وأما الشبع والري فليس المرجع بهما في التحقيق إلا إلى انتفاء شهوة الطعام والشراب على ما اختاره املحققون فهما أمران سلبيان ولعل من يثبتهما معنيين كالشيخين يجعلهما من أفعالنا لتوقفهام عليها.
وأما قوله: (وهلا جاز أن يكون حاصلاً لا لأمر كما في صور من مذهبكم).
فالجواب عنه أن تلك الصور قد ذكر المانع فيها وهو أنها بأي شيء عللت بطلت وهذا مانع عن التعليل لامحالة بخلا فمسألتنا هذه فإن تعليل ذلك بكوننا فاعلين لها ومؤثرين فيها لايؤدي إلى محدود.
وأما قوله: (لأنا نقول أن الموجد لتلك الدواعي هو الله تعالى).

فلا يصح لأن في دواعينا ما هو ظن واعتقاد جهل، ولايصح كونهما من جهته تعالى ولو كانت من فعله لكان حكمها حكم العلوم الضرورية.
وأما قوله: (ولكنه يستحيل انفكاكهما عن ذلك الفعل والفاعل).
لأنه لايمكنه أن يفعل ذلك عارياً عما يلازمه ومعارضته بالجوهر والكون.
فجوابه: المطالبة بوجه الملازمة بين الفعل وبين القدرة والداعية فإن ملازمة الكون للجوهر ضرورية إذ يستحيل حصول الجوهر لا في جهة فلنبين مثل ذلك في مسألتنا.
قوله: (إنما نحمده تعالى على مقدمات الإيمان).
أما الذي ذكره قاضي القضاة وابن الملاحمي والفقيه حميد وغيرهم من المتكلمين فهو أنا نحمد الله تعالى على الإيمان نفسه وإن كان من فعلنا لأنه في الحكم كأنه من جهته تعالى من حيث أنه أقدرنا على ذلك ومكننا منه وأعلمنا به ولطف لنا فيه فصار الحال فيه كالحال فيمن يكسب مالاً في جاه غيره لاختصاصه به، فإنه يحمد صاحب الجاه على ذلك وإن لم يكن وصول ذلك المال إليه منه وكذلك الحكم فيمن أحسن إلى غيره بمال فاتجر فيه وربح وتوصل إلى ملاذ ومسار فإنه يحمد ذلك المحسن على هذه الأمور المتفرعة على إحسانه /410/ وإن لم تكن منه لما كانت في الحكم كأنها من جهته.
قوله: (وهو تعالى يحمدنا على فعله).
ذكر في المحيط وذكره أيضاً الحاكم أن جبرياً سأل عدلياً بحضرة بشر بن المعتمر فقال العدلي: أنا لا أحمد الله على ذلك وإنما الله يحمدنا عليه فانقطع السائل فقال له بشر شنعت المسألة فسهلت أراد لكونه في النطق في ذلك مخالفة لما ورد في الأثر ورد فيه الحمدلله على أن جعلنا من المسلمين ولما اعتاده الصالحون من حمد الله على الإيمان والهداية له وكان في هذا التشنيع تسهيل للمسألة لا انقطاع السائل الاكتفاء عن إعمال النظر في جواب ذلك.
قوله: (وإنما استدللنا بالسمع هنا) إلى آخره.

هذا من المصنف ترجيح لما ذهب إليه قاضي القضاة والسيد وابن متويه وغيرهم من المتكلمين وهو أنه لايصح الاستدلال بالسمع على هذه المسألة للوجه الذي ذكره وكذلك غيرها من مسائل العدل النفيية كمسألة أنه لايعذب بغير ذنب ولا يثيب بغير عمل وأنه لايكلف ما لايطاق ولايريد القبيح ولا يرضاه إلى غير ذلك من المسائل التي هي في الحقيقة تفصيل لكونه تعالى لايفعل القبيح، وأما الذي ذهب إليه متأخروا المتكلمين من أصحابنا كالشيخ أحمد بن الحسن الرصاص والفقيه حميد والإمام يحيى فإن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة وغيرها من جنسها صحيح وأنه يكفي في معرفة صحة السمع ثبوت الدلالة على أنه تعالى عدل حكيم على الجملة، فإذا عرف المستدل عدله تعالى وحكمته ونبوة نبيه ثبت له صحة السمع.
قال الإمام يحيى في التمهيد: اعلم أن التمسك بالآيات والأحاديث والإجماع في هذه المسألة صحيح من جهة النظر وذلك لأن صحة المسالك السمعية متوقفة على تقدير قواعد الحكمة والحكمة متوقفة على كونه تعالى عالماً وغنياً فإذا صح هذان الأصلان صح الاستدلال بالسمع في كل موضع لأن أصوله قد تمهدت.
قال: وأما من حيث الإلزام فممتنع لأنه مالم يثبت أن الله تعالى لايفعل القبيح لم يصح الاستدلال بالسمع فكيف يمكن تصحيح ذلك بالسمع.
قوله: (استظهاراً على الخصوم وإلزاماً لهم) إلى آخره.
هذا توجيه للاستدلال بالسمع على قول من قال أنه ليس بحجة على هذه المسألة فإنهم أوردوا هذه الدلالة على كون أفعالنا منا استظهاراً كما ذكره المصنف لن السمع إذا طابق العقل تأ:دت الحجة وانشرح الصدر، وللتبرك بالكتاب العزيز الذي لايأتيه الباطل.
قوله: (ولأنهم كانوا يزعمون أنه لادليل لنا في السمع).

إنما زعموا ذلك لأن عادة المتقدمين من أهل العدل جرت بأنهم لايحتجون بالقرآن وسائر أدلة السمع على المسائل التي يقف عندهم العلم بصحة السمع على العلم بها وإنما يحتجون عليها بالأدلة العقلية فقط، والمخالفون يوردون الأدلة السمعية على كل مسألة فلما رأوا تصانيف أهل العدل خالية عن ذلك طعنوا عليهم وقالوا: لو كان لهم حجج من القرآن والسمع لأوردوها واحتجوا بها فنحن أهل السنة المطابقون لما ورد به السمع.
قوله: (ونحن نذكر من ذلك ما سنح).
الذي ذكره المصنف وغيره من الآيات الدالة على المطلوب واردة على أنواع مختلفة متطابقة في الدلالة على ذلك، فمنها: نوع يدل على نفي إضافتها إليه تعالى لوصفه لأفعاله بصفة مفقودة في أفعالنا كالإتقان ونفي التفاوت.
ومنها: نوع يدل على إضافتها إلينا من حيث الإخبار والأمر والنهي والوعد والوعيد وذلك لايكون إلا مع كونها منا.
ومنها: نوع يتضمن إضافتها إلينا بالعمل والفعل والكسب ونحو ذلك. /411/
ومنها: نوع يتضمن نسبة خلقها وتقديرها إلينا.
قوله: (إما أن ينفي أن التفاوت من جهة الخلقة وهو باطل لحصوله).
يعني فإن في أفعاله تعالى العرض والمتحيز حي والمتحيز غير حي وغير الحي نام وغير نام ومانع وغير مانع ثم في الأجسام الطويل والقصير والحسن في الخلقة والشنيع ونحو ذلك، ذكره بعضهم.
وأما جار الله رحمه الله فجعل نفي التفاوت في هذه الآية من جهة الخلقة وقال: أي من اختلاف واضطراب في الخلقة ولاتناقض إنما هي مستوية مستقيمة.
قال: وحقيقة التفاوت عدم التناسب وهذا هو التحقيق فإن المراد بخلق الرحمن ههنا هي السموات ودليله أول الآية ويؤيده قوله تعالى: {هل ترى من فطور}.
قوله: (نفى أن يكون المراد من جهة الحسن والحكمة).

يؤيده أن قوله صنع الله مصدر مؤكد لكلام مقدر هو الناصب لقوله تعالى: {ويوم ينفخ} والمعنى : ويوم ينفخ في الصور، فكان ما ذكره الله تعالى أثاب المحسنين وعاقب المجرمين، قال: {صنع الله} يريد به الإثابة والمعاقبة وإنهما من جملة الأشياء التي أنفيها وآتي بها على الحكمة والصواب، والمعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة أحكام الأشياء واتقانها وإجرائه لها على قضايا الحكمة، ذكر هذا المعنى جار الله.
قوله: (قال القاضي معنى {أحسن كل شيء} في اللغة) إلى آخره.
قال: لأنه لايثبت بأحد اللفظين فيبقى بالآخر ولو قيل: أحسن كذا وما أحسن فيه لكان مناقضة أراد القاضي ومعلوم أنه لو قال: أحسن في كل شيء لم يحمل إلا على الحسن. وقد قيل: عليه بل المنازعة فيه ثابتة، كما في قوله: {أحسن كل شيء}.
قال الرازي: سلمنا أن أحسن في كل شيء لايحتمل إلا الحسن فقط فمن أين يلزم مثله في قوله: {أحسن كل شيء} وهل ذلك إلا قياس في اللغة وهو لايصح، قيل: واستدلال القاضي بأنه لايثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر غير مسلم.
قوله: (وقولهم مراده بقوله: أحسن أي علم باطل) إلى آخره.
فيه نظر. فقد قال جار الله في تفسير الآية: قيل علم كيف يخلقه من قوله: قيمة المرء ما يحسنه. كقول ابن طباطبا:
فيا لائمي دعني أغالي ... فقيمتي في الحب حتى ودعه
وهذا الكلام نقله المصنف من كلام السيد رحمه الله.
قوله: (على أنا قد قدمنا أنه لايجوز إجراؤه على الله تعالى).
يعني في آخر مسألة كونه تعالى عالماً وما لايجري عليه من الأسماء في ذلك الباب.
قوله: (ومنها قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلاً}).
هذه الآية الكريمة في سورة صاد وهي: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}.

قال جار الله في تفسير باطلاً: خلقاً باطلاً، لا لغرض صحيح وحكمة بالغة أو مبطلين غائبين، كقوله: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق}، فتقديره ذوي عبث أو عبثاً فوضع باطلاً موضعه كما وضعوا ..... موضع المصدر وهو صفة أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين، وهو أن خلقنا نفوساً أودعناها العقل والتمييز ومنحناها وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم وقد بنى المصنف في الاستدلال بهذه الآية على أن أفعال العباد مما بين السماء والأرض، وليس بالواضح لن معنى البين لايعقل إلا في فصل أو وصل، إلا أن يريد أن الله سبحانه نفى بهذه الآية حصول الباطل فيما خلق، وأنه لايفعل شيئاً باطلاً فلو كانت أفعال العباد منه لم يكن ...... عن هذا المعنى /412/ .
تنبيه
ومما يستدل به من الأدلة الشرعية على صحة ما نقوله في هذه المسألة السنة النبوية والإجماع، أما السنة فنحو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )) ، وقوله: (( نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله )) ، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : (( الأعمال بالنيات )).
وأما الإجماع فهو أن الرضا بقضاء الله واجب فلو كان الكفر من قضاء الله لوجب الرضا به لكن الرضا بالكفر كفر بافجماع فعلمنا أن الكفر ليس من فعل الله تعالى فلا يكون من خلقه ذكر هذا بعضهم.
فصل في ذكر بعض ما ألزمهم أصحابنا على القول بأن أفعال العباد من الله
قوله: (أليس في أفعال العباد ما هو ظلم).
لما ذكر السيد رحمه الله هذا الإلزام قال: ونحن قبل أن نحقق هذا الكلام على الخصم نبين حقيقة الظلم.

80 / 158
ع
En
A+
A-